الرئيسية / وجهات نظر / «الانتصار» الممزوج بالمرارة والدم
a909628f7a80d460657004672d160a80

«الانتصار» الممزوج بالمرارة والدم

«الشعب الفلسطيني غير مستعد لمذبحة كل عامين، فإما أن يكون هناك حل جذري أو لا يوجد حل، إما حل سياسي أو لا. لم يعد بالإمكان أن يتعرض الفلسطينيون كل عامين لحرب عسكرية إسرائيلية تخلف الدمار وآلاف الشهداء والجرحى، طفح الكيل ولم يعد بالإمكان العودة إلى الوراء..». هكذا خاطب عباس، شعبه بعد أن دخل اتفاق التهدئة الدائم حيز التنفيذ، واحتفال سكان غزة بالنصر الممزوج بالمرارة، إذ لم تسلم عائلة من استشهاد أو جرح أحد أفرادها أو أقاربها أو تدمير منزلها.
لكن يظل السؤال المعلق وبحاجة إلى التأمل والانتظار: من المنتصر في الحرب الثالثة التي شنتها إسرائيل واستمرت واحدا وخمسين يوما؟ من المؤكد أن إسرائيل لم تنتصر كما يحاول رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو الإيحاء لشعبه، إذ لم يتحقق أي من أهداف هذه الحرب، فلا توقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل، ولا هنئ الجنوب أو ما يسمى مستوطنات «غلاف غزة» بالأمن الذي تنشده، ولا ضرب الوحدة الوطنية الفلسطينية في مقتل كما خطط لها، فقد توحد الشعب الفلسطيني بكل أطيافه ربما للمرة الأولى وبهذا الشكل، ولا حقق جيش الاحتلال النصر المبتغى باعتبار أنه جيش قوي لا يقهر ولا يهزم ويمتلك عقيدة قتالية مبنية على سنوات طويلة من الخبرات العسكرية والتكنولوجية، كما أن أبرز الإخفاقات التى منيت بها إسرائيل خلال الأيام الخمسين من عدوانها تمثل في إطالة أمد الحرب من دون حسمها، رغم وعود رئيس الحكومة ووزير دفاعه بأنها ستستغرق أياما معدودة، وانجرت إسرائيل إلى حرب استنزاف تضعفها وتتسبب في نزوح سكان بلدات الجنوب عنها.
وفي المقابل هل انتصرت المقاومة؟ لا شك أن المقاومة انتصرت لكنه انتصار مؤقت يحتاج إلى جهد كي يكتمل، ويحتاج إلى تنفيذ باقي بنود الاتفاق المؤجلة للتفاوض عليها بعد شهر، وهي البنود الأكثر تعقيدا في ماراثون المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل، ولولا صمود أهالي غزة وبسالتهم في التضحية والإيثار وما أبدوه من شجاعة وجلد لكان الموقف مختلفا، فقد كانوا حائط الصد المباشر للمقاومة ودعامة صمودها رغم الثمن الفادح الذي كانوا يدفعونه كل فجر يوم جديد، وحان وقت الحساب بعد كل ما قدموه من تضحيات بالالتفات لمطالبهم واحتياجاتهم الإنسانسة والحياتية بعيدا عن الصراعات السياسية والمصالح الفئوية التي ستفسد أي نصر امتزج بدمائهم.
لقد قالها الرئيس محمود عباس بوضوح حينما تحدث عن الوضع الداخلي في غزة، بأن لدى حماس حكومة ظل في غزة ووكلاء وزارات، وإذا استمر هذا الأمر فإن ذلك سيهدد استمرار وصمود الوحدة الوطنية، والامتحان قادم قريبا من خلال دخول المساعدات إلى القطاع وإذا كانت ستصل إلى المواطنين أم لا؟ وما إذا ستكون حكومة التوافق الوطني قادرة على الحكم والعمل في غزة أم لا؟ هذا الامتحان يفرض على حركة حماس إثبات حسن النوايا بالفعل وليس القول، والإذعان لإرادة الشعب بالانخراط في حكومة الوحدة الوطنية والاعتراف بالسلطة الفلسطينية التي وافقت على العمل تحت لوائها، خاصة أن إسرائيل غيرت «معادلة الهدوء مقابل الهدوء» كشرط لوقف العدوان على قطاع غزة وباتت تتبنى معادلتين على مرحلتين: الأولى «ترتيب محدود النطاق» في مقابل وقف تام للنار ويقوم على فتح المعابر وتوسيع منطقة الصيد فى القطاع، والثانية يتم بحثها في الأسابيع المقبلة وتقوم على مبدأ «الإعمار مقابل تجريد السلاح»، أي اشتراط إعادة الإعمار في قطاع غزة بنزع سلاح المقاومة، وقد بات هذا المطلب الذي طرحه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بتجريد قطاع غزة من السلاح في صلب تصريحات جميع وزرائه يتشدقون به ليل نهار ويسعون إلى تحقيقه مهما كان الثمن.
على المقاومة الفلسطينية الحفاظ على الإنجاز الذى حققته من هذه الحرب، بتعميق الشرخ في وعي الجمهور الإسرائيلي المتمثل باستحالة القضاء على المقاومة في غزة دون دفع ثمن باهظ لا تريد أن تدفعه، هذا الشرخ يجسد في وعي الإسرائيليين بأنهم لن ينعموا بالراحة ولن يهنأوا بالأمان طالما بقي الاحتلال، إذ سيظل يطاردهم شبح الحرب التي استمرت أكثر من خمسين يوما لم يمارسوا فيها حياتهم بشكل انسيابي وطبيعي، ونزحوا عن بيوتهم وأغلقت مدارسهم وتعطلت حياتهم لدرجة وصلت إلى المجازفة بها فيما لو قرروا مزاولتها بشكلها الاعتيادي، وهذا هو جوهر الانتصار الحقيقي الذي حققته المقاومة ولا بد من الحفاظ عليه بالوحدة ونبذ الخلافات وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء، خصوصا في المرحلة المقبلة التي ستحدد مصير غزة سواء باستكمال التفاوض على باقي بنود الاتفاق أو إعادة الإعمار، وكلها بنود ملغومة تحتاج إلى حنكة وفطنة لفك شفرتها حتى لا تنفجر في وجه الجميع.
“المصري اليوم”