الرئيسية / وجهات نظر / قبل السباق الانتخابي في تونس..
2ad8b4e456343c7b6a34b5d75c3d46d5

قبل السباق الانتخابي في تونس..

بدأ العد التنازلي للانتخابات التشريعية في تونس، وهي الانتخابات التي ستخاض للمرة الأولى بعد الثورة، إذا ما استثنينا انتخابات المجلس التأسيسي التي أقبل عليها التونسيون، بعد أقل من سنة من سقوط نظام بن علي، في مناخ مختلف تماماً عن المناخ الذي تجري فيه الانتخابات الحالية، وذلك لكتابة دستورهم الجديد.
بين الحدثين، جرت أمور كثيرة، انخفض سقف انتظارات الناخبين، وارتفع، في المقابل، منسوب الإحباط الحقيقي، أو المفتعل، خصوصاً وقد عرض جل المترشحين فيما مضى بضاعتهم، ولم يعد لهم، منذ ذلك الحين، أشياء جديدة ذات بال، قادرة على شدهم بجدية، ما عدا الوعد بالقضاء على الإرهاب.
كان يفترض في بلد ينجز تحوله الديمقراطي أن تكون تيمات الانتخابات مثار التنافس هي من قبيل تعميق الحرية وتحقيق والرخاء وتوفير الشغل والتوازن الجهوي، وهي مطالب الثورة وشعاراتها الكبرى.
لكن، تم تحويل الأنظار وإعادة ترتيب الأولويات بشكل دراماتيكي.
بين انتخابات المجلس التأسيسي وهذه الانتخابات التشريعية الأولى، تغير المشهد السياسي إلى حد كبير: استفحال معضلة الإرهاب ومغادرة الترويكا الحكم، وخصوصاً جسمها الأبرز النهضة، ونشأة هجينة لقوة سياسية صاعدة، هي رسالة للتجمع الدستوري (الحزب الحاكم في عهد بن علي) مضاف إليها بهارات بنكهة حداثية يسارية، منثورة من هنا وهناك.
تلك هي أبرز المستجدات التي جرت تحت تلاعب إعلامي ماكر، وتشريط انتخابي شرس تديره مكاتب سبر الآراء التي جعلت نداء تونس فائزاً قبل الآوان. وبقطع النظر إن كان النداء نمراً من ورق، أو دباً سياسياً يمشي بخطى وطيدة وثابتة، فان التشويق سيرافق هذا السباق دافعاً الإثارة إلى حدود الأمتار الأخيرة.
بقطع النظر عن الطرق التي ستقطع بها الأمتار الأخيرة من السباق الانتخابي، وما إذا كنا سنشهد مفاجآت ذات بال أم لا، فإن الأحزاب، وهي تعد قوائم مرشحيها، قد خاضت داخلها في الأسابيع الأخيرة مسابقات ضارية، وأحيانا شرسة وقاسية، وضعت مناضليها وجهاً لوجه، لم يخل ذلك من التجريح والتشكيك، فأقصي من أقصي، وطرد من طرد، ورفعت نزاعات أخرى إلى القضاء، ولكن نشر غسيل كثير على قارعة طريق، هي مركض السباق نفسه. بين متعة المشاهدة وشماتة الأعداء، انطلق السباق الانتخابي على شاكلة تصفيات تمهيدية، ليس الأجدر فيها بالضرورة هو الرابح.
من تم استبعادهم داخل أحزابهم من القوائم الانتخابية لم يستسيغوا ذلك، خصوصاً في ظل غموض قواعد اللعبة التي ما عاد فيها النضال فيصلاً، فهناك مقاييس جديدة لهذا الاستحقاق: الشهرة والشعبية والمال والوجاهة. لذلك، رأينا كيف ارتفعت، في الأسابيع المنقضية، أسهم المشاهير من رياضيين وفنانين ورجال أعمال. هناك ملامح جديدة للنائب البرلماني، لا علاقة لها بالمناضل الملتزم بالضرورة.
التحولات الحادثة بصفة تدريجية في الثقافة الحزبية من النضال إلى شبه الاحتراف أشرت عليها الانسحابات الكثيرة من الأحزاب، ولكنها تظل مع ذلك طريفة وذات معنى. إنها، بمعنى من المعاني، انتفاضات القواعد على القرارات المركزية التي فيها كانت القيادة تملي على المناطق قوائم وتختار لها من يمثلها، بقطع النظر عن موقف تلك القواعد.
ولكن، علينا ألا نبالغ في اعتبار ذلك مؤشراً على ديمقراطية قاعدية، تفرض نفسها على الأحزاب، إذ يفترض ألا يبرز صوت القواعد، بمناسبة تشكيل القوائم الانتخابية فحسب، فحتى تصبح هذه الأصوات المرتفعة حالياً مؤشراً حقيقياً على تنامي مسارات المشاركة القاعدية، عليها أن تساهم في صياغة توجهات ومواقف ورؤى الأحزاب تلك.
لم يسلم أي حزب من تلك الاحتجاجات، وإن كان حجمها ومداها يختلفان من حالة إلى أخرى. وعلى الرغم مما يقال من إن حركة النهضة شكلت استثناءً دالاً لندرة تلك الاحتجاجات، فإنه من السابق لأوانه عد ذلك مؤشراً على درجة الديمقراطية الداخلية التي يعيشها هذا الحزب، فهناك فرضيات أكثر مقبولية علمية، ترجع هذا القبول إلى قيم الانضباط الداخلي، المفروضة داخل الجماعات السياسية الدينية بشكل عام.
على الجبهات الخارجية، اندلعت معارك الأحزاب على أشدها، وقد أقدم رموز النظام السابق على ابتكار استراتيجيا انتخابية، تجنبهم الاستدراج في مربعات مثخنة، تقوم على نزع درامية شبهة الارتباط بينهم وبين النظام، وهم يدركون أنها الأحشاء الرخوة التي منها يأخذون. يعمدون إلى التباهي بذلك، وتحويل الرذيلة إلى فضيلة.
بدأ التدرب على ذلك، منذ السنة الماضية، عندما تجرأ بعض أشباه الفنانين على التبجح بانتمائهم إلى حزب التجمع وولائهم المرضي لبن علي، ولعل التونسيين ما زالوا يذكرون ممثلاً أوكلت إليه مهمة غسل دماغ المساجين السياسيين خلال أكثر من عقدين، وكان ريع السجائر ملكاً مستباحاً لإنتاج أعماله السطحية.
أما “الشاعرة بنت البائد” كما قدمت نفسها في حصة تلفزية شهيرة، فإنها لم تتورع في قصيدة رديئة عن مدح بن علي وذم الثورة التونسية وشتم رموزها. وكان ذلك تطبيعاً خطيرا مع هذا التباهي والتفاخر الذي امتد، فيما بعد، ليشمل أوساط النخبة من محامين وجامعيين إلخ. يتحاشى رموز نظام السابق من خلال تقنيةٍ، جادت بها عليهم البرمجة العصبية اللغوية، استبطان تلك العقد النفسية، فيحولون، كما ذكرنا، تلك التهمة إلى مصدر افتخار مدخلاً لتذويب شحنتها الإثمية.
نبش الماضي وكشف أدران الخصوم رياضة ممتعة وهواية يقبل عليها، هذه الأيام، خلق كثير، وهي تمارين شاقة، لكنها مكلفة وذات مردودية انتخابية عالية. يهون ذلك ما دام للتاريخ مزبلة ما زالت تغري بعض الزائرين. متعة التجول في البازار الانتخابي المفتوح على السيئات والحسنات معاً، ينسي التونسيون، ولو إلى حين، بشاعة مزابل حقيقية، تطوّقهم، ولم يتعودوا على رؤيتها بهذا الشكل مطلقاَ.
“العربي الجديد”