الرئيسية / وجهات نظر / العراق ودوامة الأزمات
ab1eef9a6a91abcec3eddf5f0396a6eb

العراق ودوامة الأزمات

شكلت الازمات سمة مزمنة في تاريخ العراق الحديث والمعاصر، وقد يعود السبب لمكانة العراق الاستراتيجية والثروات المختلفة، والموارد البشرية المتعددة والثقافات المختلفة والتنوع الديموغرافي المتداخل الباحث عن القطبية المسلحة، تميزت العقود التي خلت في العراق باستقرار نسبي، وحروب سلطة قاسي ومتنوع  يتراوح بين تأثيرات دولية وتجاذبات اقليمية، واطماع جيوسياسية عابرة للقانون الدولي ومفردات النسق الدولي بالتزامن مع جشع المصالح المتضاربة والمتقاطعة على ارض العراق، ناهيك عن ازاحة تركيبة التوازن الدولي والاقليمي والعربي  الذي شكل صمام الامان المحكم للأمن والسلم الدولي الاقليمي لعقود خلت، وبالرغم من اغفال عامل العراق المحوري في معادلة التوازن والامن والاستقرار، الا ان احداثه وازماته تؤكد انه الثقب الاسود الزاحف الذي يتطلب حشد الجهود المنهجية الموضوعية لغلقه، الذي يعد من التحديات المركبة في ظل انتشار ظاهرة الارهاب بكافة اشكاله، والذي بات يضرب كافة البنى التحتية السياسية والعسكرية والامنية والاجتماعية، بما يعود بالأثر على الجوانب الاقتصادية والمالية والتنموية للدول .
 عالم فوضوي
لم تعد الخوارط السياسية والحدود المختلفة  للدول في وضع مستقر، بل اصبحت مسرحا لمفاعيل مختلفة متحاربة فيما بينها ومتقاطعة في فشلها، ويمكن القول ان ساسة الامس ومفكري الاستراتيجية والعقول الباحثة كانت اكثر عقلانية وموضوعية ومحددة باطر منهجية، ترتقي للمثالية والحكمة وقد انتجوا عالم متماسك نسبيا، ومتصل معرفيا ومتواصل في البحث عن التهديدات، وكان يعالج المخاطر بنوع من الحكمة التنموية، وفي ظل انزلاق العالم الى رغبات جشعة ودخول رؤوس الاموال المتنقلة لعالم السياسة والاعلام اضحى العالم فوضويا تسوده النظريات العشوائية والرغبات الوهمية، واصبحت نظرية الفوضى الهدامة تنافس وبشكل متسارع نظرية الدولة وتعمل على قضم النظريات السياسية المتعلقة بالتوازن وشكل النظام السياسي وتبادل المصالح، والعلاقات الدولية، وبالرغم من شياع ظاهرة سيولة مراكز الدراسات والابحاث الحكومية والشركاتية  والفردية التابعة لرجال اعمال وصناع الاعلام الا ان المعالجة لا تزال غائبة .
المسؤولية الجماعية
يقول “ريتشارد ليتل ” مؤلف  كتاب “توازن القوى في العلاقات الدولية ” ان توازن القوى هو نتيجة لعدم الاستقرار الذي تمر به الدول العاملة ضمن نظام دولي فوضوي، وان القوى الكبرى تتحكم بالقوة المادية التي تملكها كل البلدان الاخرى في النظام الدولي، وتسعى الى استغلال توزيع القوى الناجم عن ذلك لمصلحتها الخاصة كوسيلة لتعزيز فرص بقائها، ومن العوامل التصورية الحاسمة هي اقرار القوى العظمى لمسؤوليتها الجماعية في المحافظة على النظام في المجتمع الدولي، ومطالبة بإرساء توازن القوى والحفاظ عليه ” وهنا نلاحظ حجم الاختلاف الواقعي  بين السلوكيات للدول الكبرى والنظريات، وبلا شك ان النظريات لم تأتي عبثا بل بجهود مضنية تربط الوقائع والحقائق والاستشراق والعلم والتجارب، وهنا تبرز خطيئة ازاحة العراق من معادلة التوازن الرباعي بين ايران وتركيا واسرائيل وجعله مسرحا للحرب المزمنة  التي اضحت تأخذ اشكال مختلفة  تقود الى الاستنزاف الشامل للموارد، وترسل اشارات خطر الى المحيط التفاعلي السياسي بتحول هذه التهديدات الوشيكة الى مخاطر واقعية يصعب تفاديها كما يحدث من تخبط الان .
الثقافة السياسة  
يفتقر العراقيون للثقافة السياسية المرنة، وغالبية بناه التحتية السياسية تعتمد القطبية الصادمة، ولو مررنا بشكل سريع على  تاريخ القوى والاحزاب السياسية ما بعد الحكم الملكي فنجد ان الأحزاب التي وصلت للسلطة بالانقلاب والتأثير الخارجي لا تحمل ثقافة سياسية مرنة بل تحمل شعارات ونظريات فشلت في تطبيقها عند الوصول للسلطة ومارست الاقصاء والقمع المنهجي، وفور هيمنتها على موارد الدولة تنفرد في العمل السياسي وتجرم الاخرين بالخيانة، وتؤسس لثقافة الحزب الاوحد وتجلى هذا من خلال تجارب السلطة في العراق وان وجد ديكور سياسي متمثل  بأحزاب ومنظمات شكلية او ضعيفة منتفعة، وبذلك لم يؤسس أي حزب عراقي ثقافة المؤسسة في الدولة كما هي الدول الاخرى الناشئة والمتطورة، وتعرضت البنى التحتية المهنية والعلمية والثقافية والعسكرية لعمليات تطهير واسعة تنوعت بين الاقصاء والقتل والتصفيات الجسدية والتهجير، ثم ارست لنشوء اجيال متعددة تعتمد الضغينة والكراهية واستخدام القوة كعنوان للهيمنة والاستئثار السياسي، وشمل هذا العقود السياسية منذ الحكم الجمهوري وحتى عراق اليوم، ولعل من ابرز مخاطر الواقع السياسي الحالي ظاهرة “المليشيا سلطة” التي نخرت مقومات الدولة وحولته الى مسرحا للتصفيات السياسية البشعة بعناوين طائفية مذهبية، مما اسس لثقافة  التقسيم الناعم الذاتي والتقسيم الصلب المروع للاستئثار بالسلطة، ويعود السبب  دوما للفردية العراقية في التفكير كأشخاص، والمنفعة السياسية التي تبيح للحاكم التصرف بحقوق المجتمع وفقا لعقيدته الشخصية اولا وشذوذ الفكر السياسي المعتنق ثانيا في ظل غياب منظومة القانون الحاكمة كقانون الاحزاب والدستور وقانون الانتخابات المتجانسة مع البيئة العراقية ومخاطر انزلاقها للحروب السياسية السلطوية، كل هذا التراكم شكل الواقع السياسي المازوم على الدوام وعزز من ثقافة الترويع والارهاب السياسي المنظم، وفاقم من فلسفة صناعة الاصنام البشرية بدلا من المؤسسات الديمقراطية، واضحت الاحزاب العراقية شركات عائلية يستورثها الاقارب والمقربون دون سياقات ديمقراطية عصرية، ويستخدمون الدولة كجسر لوجودهم دون محاسبة ومسائلة قانونية، وبلا شك هذا الجزء الاكثر تأثيرا في الواقع السياسي العراقي يرادفه شكل النظام السياسي الطائفي الوافد الذي يعتمد سياسة “الطائفة سلطة”  ودولة المكونات والاقليات بدلا من دولة المواطنة الذي أرست دعائمه الامم المتحدة عبر ممثلها “الاخضر الابراهيمي” الذي نقل تجربة الحكم من لبنان الى العراق (لبننة العراق).

دوامة الازمات
كان العراق من ابرز عناصر التوازن الرباعي في المنطقة حيث كان سابع جيش تقليدي بالعالم ليوازن ايران كرابع جيش تقليدي في العالم ويدخل ضمن توازن الاضداد  وكان الجيش التركي سادسا ليوازن الجيش العراقي والايراني ضمن توازن التوافق وكان هناك الجيش  الاسرائيلي الجيش الاول الذكي في المنطقة  يوازيه الجيش العراقي كتوازن اضداد،هكذا كانت التركيبة للتوازن الدولي الاقليمي في قلب الشرق الاوسط، وكذلك التوازن العربي الاقليمي، وكانت المنطقة تنعم باستقرار نسبي  حيث اخمدت حرب الجيوش بعض الشيئ، حتى بدء حروب الخليج الثلاث، وبعد غزو العراق 2003 وتفكيك الدولة العراقية وحل القوات المسلحة، حصل الفراغ الامني والعسكري وجرى التوغل للقوى الثلاث لمليء الفراغ، ولعل من يملك حدود سياسية اكثر ومؤثرات ديموغرافية اوسع يحصل على القطعة الاكبر من الكعكة، وبذلك تحول العراق الى مسرحا للازمات السيالة المتنقلة، والتي تستنزف الموارد البشرية والمالية العراقية والعربية معا، واضحت لبننة العراق بمثابة ثقب اسود يتسع بشكل مضطرد، وكان لغياب العقيدة العسكرية والامنية الوطنية وسيادة  ثقافة المليشيات الطائفية المهيمنة بحصانة الدولة الاثر البالغ في صناعة الازمات،  وايضا تقسيم العراق الصلب الى مكونات صديقة ومعادية جعل من العراق ارضا خصبة لتنامي الارهاب العابر، خصوصا عندما يمارس الارهاب السياسي كبديل للحلول المنطقية، وترويج فكرة الطائفة فوبيا وحصر التطوع والعمل العسكري بالطائفة والحزب، ناهيك عن ادماج المليشيات التي وجدت ارضا خصبة لشذوذها الحربي والامني  وبذلك دخل العراق في دوامة ازمات امنية متسلسلة  انتهت بضياع العراق بين داعش والمليشيات الطائفية  مما غيب الدولة وحقوق الانسان والمواطنة .
انها الحقيقة رغم تكرارها ورغم هروب المجتمع الدولي منها، حيث يكمن الخلل الحقيقي في الوطنية العراقية و ثقافة الفرد العراقي وفهمه للسياسة والدولة والمنصب وحقوق المواطنة، وانصياعه خلف مصلحته الفردية باي ثمن على حساب المصلحة الوطنية، والبحث عن وهم الامة الطائفية  على حساب الوطن، ولعل التشخيص الدقيق يكمن في فكر المعارضة الوافدة التي لاتزال بعقلية المعارضة في الخارج وهي في صلب السلطة، وكذلك  ما يطلق عليه معارضة اليوم  باحثة عن مناصب باي ثمن حتى لو كان الثمن تفكيك العراق، وبعيدا عن النظريات والشعارات التي تملئ فضاء الانترنت والإعلام ان الواقع والتجارب اثبتت ان الجسد السياسي العراقي  الحاكم والمعارض باحث عن منافع ومجد حزبي على حساب العراق، ولعل حصاد عقد كامل يؤكد فشل كليهما والذي افضى الى ضياع العراق بين داعش والمليشيات الطائفية وكلاهما نتائج للفشل السياسي الدولي والاقليمي والعربي، ليقبع العراق تحت ظلام الفكر الشاذ والسلاح المروع والهمجية الوافدة وبذلك ينسلخ عن تاريخه العتيد المضيء، وهنا لابد من اعادة النظر دوليا وعربيا بملف العراق الذي اصبح في غاية الخطورة مالم يحصل تغيير واقعي ملموس في مجال رسم السياسات واعادة تشكيل القوة بشكل مهني وطني وليس حزبي طائفي .
*مفكر عربي من العراق