الرئيسية / وجهات نظر / الديماغوجيا الانتخابية لحركة النهضة الإخوانية التونسية
be3e18bbfc931ef40bf1c72212a209c7

الديماغوجيا الانتخابية لحركة النهضة الإخوانية التونسية

ككلّ الأحزاب التونسيّة، تستعدّ حركة النهضة الإخوانيّة لحملتها الانتخابيّة التشريعيّة بكلّ طاقتها بحثا عن الفوز وبوسائل متعدّدة. منها ما تراه الاختيار الأصوب والأنسب لرؤساء قوائمها الانتخابيّة، ومنها ترويج خطاب سياسي انتخابي قوامه الالتباس الديماغوجي سنحاول قراءته في هذا المقال.
يتّسم خطاب حركة النهضة الانتخابي بسمتين منهجيّتين إثنتين كبريين يمكن أن نعدّهما كلمتي السرّ فيه؛ الأولى هي عدم التعرّض لتجربة حكم الترويكا التي قادتها النهضة بأيّ وجه من الوجوه لتجنّب الإحراج وخشية تنشيط ذاكرة الناس بمآسي تونس الناجمة عن تلك التجربة، والثانية ترويج خطاب متلوّن مع أيّ وضع يجد فيه النهضويّ نفسه بعيدا عن المبادئ الكبرى والأسس العميقة الثابتة التي ترتكز عليها الأحزاب عادة.
في هذا الإطار، يمكن أن نبسط نماذج من أقوال لقادة حركة النهضة، وهي أقوال يمكن أن نصفها بالمتلوّنة. فنائب رئيس الحركة ومرشّحها عن دائرة تونس 1 عبدالفتّاح مورو قال: «النهضة تتغيّر». للتذكير الأستاذ مورو معروف لدى الرأي العام التونسي بكثرة تذمّره من حركته التي ساهم في تأسيسها. وكثيرا ما عبّر عن استيائه من سياساتها ومن إحساسه الخاص بالتجاهل والنكران فيها.
ولا أحد يعرف في أيّ اتّجاه كان تغيّر النهضة الذي تحدّث عنه الأستاذ مورو. فلم نسمع نقدا ذاتيّا لتجربة الترويكا. ولم نقرأ اعتذارا عن استعمال سلاح الرشّ ضدّ المحتجّين العزّل في جهة سليانة المفقّرة أثناء حكومة الترويكا الأولى. ولم نر اعتذارا عن تعنيف النخب التونسيّة في شارع بورقيبة يوم 9 أفريل 2012 أثناء احتفالهم بعيد الشغل. ولم تعتذر النهضة من الاتحاد العام التونسي للشغل عن التحرّش المستمرّ به ومعاداته والاعتداء على مقرّه المركزي يوم 4 ديسمبر 2012.
ولم نعلم بأيّ تعاون من النهضة في ملفّي الاغتيالات السياسيّة ومسالك الإرهاب من تمويل جمعيّاتي وتركّز عمليّاتي باعتبار مسؤوليّتها عن الحكم في تلك الأثناء. ولم تعلن النهضة موقفا صريحا من علاقتها بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين المتّهم بالضلوع في تخريب الأوطان وإهلاك الشعوب. كما أنّ مواقفها من العنف الديني خجولة جدّا. ولم يسمع التونسيّون مواقف جديدة للنهضة من الشأن الليبي والسوري والعراقي. ولم يصدر عن النهضة ما يدلّ على تراجعها عن رهاناتها الاقتصاديّة القائمة أساسا على الخيارات الليبراليّة غير العادلة وعلى تجاهل إنتاج الثروة وتوزيعها بعدل. ولم نسمع عن تكتيكات استراتيجيّة للنهضة إقليميّا وعربيّا ودوليّا في الحفاظ على مصالح تونس ومقاومة الإرهاب.
كما لم تتخلّ حركة النهضة عن ديماغوجيا الخلط بين الدين والسياسة. بل إنّها دفعت بهذه الديماغوجيا إلى أقصاها أثناء عيد الفطر الأخير حين ترك قادة النهضة وزعماؤها المساجد وأمّوا المصلّين أثناء صلاة العيد في الساحات والحدائق العامّة في مشهد شعبوي خال من المدنيّة والتحضّر والالتزام بجهود الدولة في تحييد المساجد ومقاومة التطرّف والإرهاب. وليس في ذلك إلاّ إصرارا على الاستمرار في نهج خلط الأوراق وإهدار الطاقة الوطنيّة المدنيّة وإعادة الجميع دائما إلى نقطة الصفر.
الحقيقة أنّ المتابع يفتّش طويلا في خطاب النهضة وفي ممارستها السياسيّة بحثا عن هذا التغيّر الذي تحدّث عنه الأستاذ مورو ولا يجد إلا السراب. فلا شيء سوى أن خطابها في هذه الانتخابات صار- ديماغوجيّا- ملتبسا خلافا للانتخابات الماضية التي كانت فيها خلفيّة الإسلام السياسي واضحة. أمّا اليوم فلا يوجد ما يشير إلى الحسم في إيديولوجيا الإسلام السياسي، ولا ما يؤكّد مراهنة النهضة على مشروع مدني لتونس. وإنّما اتّسم خطابها بصفات رمادية مائعة لا تبدّد مخاوف التونسيّين من الإسلام السياسي. وقد نجحت النهضة في جعله خاليا من أيّ وضوح والتزام.
ومن نماذج خطاب حركة النهضة الانتخابي الديماغوجي ما ورد على لسان الناطق الرسمي باسم الحركة ومرشّحها عن دائرة سوسة زياد العذاري. قال لعذاري: “أهل سوسة يحبّون حركة النهضة بقدر حبّهم للنجم الرياضي الساحلي”. أراد لعذاري أن يستميل جماهير النجم الرياضي الساحلي الانتخابيّة. والنجم جمعيّة كبيرة ولها جماهير بمئات الآلاف في سوسة وفي جهة الساحل وفي كلّ مكان في تونس وفي الخارج، وقد تأسّست سنة 1925. فهي ليست أقدم من النهضة فقط بل من تنظيم الإخوان نفسه وأقدم من فكرة وجوده أصلا.
أراد لعذاري طبعا أن يكون رياضيا. وقد اعتقد أنّه أمسك المدخل الحاسم. واختار الدخول إلى حملته الانتخابيّة في جهة ساحليّة مهووسة بفريقها الرياضي من بوّابة الرياضة. المدخل ذكيّ ولكنّه يفتقر إلى الانسجام مع ماهية النهضة وإيديولوجيتها، إذ أنّ جماهير النجم الرياضي الساحلي جماهير شبابيّة مندفعة تحبّ حياة اللهو والمرح والمغامرة. فما الذي سيجعلها تحبّ حركة النهضة كما يزعم زياد لعذاري؟ هذه الجماهير ترى ممارسات النهضة لمّا استلمت الحكم واستمعت إلى خطابها البعيد عن اللهو والمرح والإقبال على الحياة.
كما أنّ جماهير النجم الساحلي مهووسة بفريقها ولا وفاء لغيره عندها وتسافر معه إلى أدغال إفريقيا لتسنده وتشجّعه. وهي تفرح لانتصاره ولا تقسو عليه إذا انهزم، فيما حركة النهضة لم يشعر التونسيّون بولائها الكامل لتونس. وجاءت إلى شعب حضارته عمرها 3 آلاف سنة لتدخله إلى الإسلام! جماهير النجم الساحلي تنتظر السيّاح وتعيش معهم وبهم، فيما النهضة أمطرتهم بالدعاة والتكفيريين. كما أنّ خطاب النهضة المعادي للزعيم بورقيبة ابن جهة الساحل والمهاجم لمكتسبات المرأة تنفر منه هذه الجهة السياحية المنفتحة على العالم. فلا علاقة، إذن، بين جمعيّة النجم الرياضي الساحلي وحركة النهضة كما يدعي لعذاري.
من نماذج ما سميته ديماغوجيا خطاب النهضة الانتخابي ما صرّح به رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في علاقة بالنظام القديم حين قال: «يجب تجريم مدح النظام السابق». الغريب أنّ الغنوشي هو من استعمل كل ما له من ثقل ليسقط فصل العزل السياسي لرموز النظام السابق من القانون الانتخابي الذي كان يناقشه المجلس الوطني التأسيسي حينها. وكنت أفردت ذلك الحدث بمقال خاص على صفحات «العرب».
أعتقد أنّ ديماغوجيا الالتباس بلغت منتهاها هنا. فالغنوشي نفسه لمّا سئل عن سبب حرصه على إسقاط العزل السياسي لرموز النظام القديم قال: «فليسقطهم صندوق الانتخابات». طيّب، هؤلاء الآن ما هو رصيدهم الانتخابي؟ إنّها فقط خبرتهم مع النظام القديم! فهل سيسلخون جلدهم اليوم بعد أن منحهم الغنوشي بنفسه شرعيّة المشاركة في الانتخابات؟ ثمّ ما الذي يمنع رئيس حركة النهضة من سنّ قانون التجريم هذا، وهو صاحب الأغلبيّة في المجلس التأسيسي إذا كانت النوايا صادقة؟ لكنّ المتأمّل في قانون التجريم هذا سيجده مفرغا من المحتوى ومجرّد فرقعة إعلاميّة إذ كيف يمكن إثبات هذه التهمة؟ وما هو حكم المتّهم بها لاسيما أنّ تجربة حكم الترويكا المروّعة طيلة أزيد من سنتين جعلت الكثير من عامة الناس يذكر النظام القديم بخير..؟
*كاتب وباحث سياسي من تونس
“العرب”