الرئيسية / وجهات نظر / نواكشوط مهد الشعر وملتقى العلماء منذ القدم
1c77ea46b3d7709f2714387986e7c820

نواكشوط مهد الشعر وملتقى العلماء منذ القدم

 كانت ولادتها بعد أن نفضت عنها غبار الاستعمار الفرنسي، حيث بدأت من فكرة إنشاء مدينة تصبح مركزاً للبلاد ذات المساحات المترامية، فكان مولد الأرض الصلبة وهو المعني البربري للعاصمة الموريتانية “نواكشوط” عام 1958، وأطلق في السابق على الدولة الموريتانية تسمية “شنقيط”، وسماها الفرنسيون بهذا الاسم عام 1899 نظرا لوجود قبائل المور التي كانت تعيش في هذه المنطقة وهي تسمية ارتبطت بالبربر غرب أفريقيا، وجزؤها الآخر وهو “تيانية” كلمة لاتينية تعني البلاد.
احتلت فرنسا موريتانيا في أوائل القرن العشرين عام 1902، ما أوقف حركة الزمن أكثر من نصف قرن في هذه الدولة النائية التي تقع بين الجزائر ومالي والسنغال والمحيط الأطلسي، ومن ثم فقدت موريتانيا حياتها العربية في سلسلة من الأكاذيب التي روجها الاستعمار الغربي، إلا أن سكانها كانوا يشعرون بقربهم من العرب، ويدركون أنه لا يفرق بينهم إلا المساحات الشاسعة من رمال الرمضاء التي تكتظ مخفية بين طياتها ظهور الملامح العربية، خاصة أنها تقع في الجناح الأيسر من الوطن العربي كما أن الفرنسيين عند احتلالهم لها حاولوا القضاء على اللغة العربية في أنحائها حتى لا تتغلغل في ربوع جنوب أفريقيا.
تاريخيا عرفت العاصمة نواكشوط بأنها ملتقى العلماء الذين يعلّمون الناس الكتابة والقراءة وبمرور الزمن أصبح لا يوجد بها رجل أمي، فجميعهم يجلسون يرتلون القرآن، ويتغنون بقصائد الشعراء العرب، ويتسامرون بسيرتهم من الكتب التراثية التي كان يتوارثها علماؤها من الأجداد الأدباء، وكثيرا ما كان يبرع من بين أهلها شعراء ويطلقون على الموهبة الاستثنائية منهم لقب “الشاعر المفَلق” ويحيطونه بكل مظاهر الرعاية والاهتمام.
وكانوا في الماضي يتعلّمون ويقرأون ويكتبون بالجريد واليراع، ويستعملون الصمغ والفحم لقلة الحبر وانعدامه، أما ورق الكتابة فكان ألواحا انتزعوها من الأشجار، ويمكن القول إن هذه الوسائل البدائية هي التي صنعت ثقافة أهل نواكشوط وجعلتهم يبرعون في شعر النابغة الذبياني وإمرؤ القيس، وينهلون من أحاديث الرواة والمؤرخين عن التاريخ العربي.
حلت موريتانيا عضوا في الأمم المتحدة عام 1961 كدولة مستقلة ذات سيادة، وانطلقت رحلة البناء الداخلي وتأسيس المدينة ومثل موقع العاصمة نواكشوط مشكلة لأنه لا يتوسط الحدود الشمالية والجنوبية، وهو ما خلق صعوبات في توفير الماء الصالح للشراب للسكان حيث يبعد عن العاصمة بنحو ستين كيلومترا، إضافة أن أقرب قطعة كانت تصلح للبناء تبعد عن العاصمة مائتي كيلومترا، أما شاطئ المحيط الأطلسي، فهو ضحل ولا يصلح ليكون ميناء طبيعيا للعاصمة.
رغم هذه الصعاب قامت نواكشوط مدينة جميلة وسط الصحراء الجرداء، تركزت فيها مختلف السلطات وتدفقت الهجرة إليها من كل صوب حتى اكتظت المباني وازدحمت المنشآت بالسكان.
وبعد أن أصبحت نواكشوط مدينة مؤهلة للسكن وبدأت الدولة في تمليك الأراضي لمواطنيها، توافد البدويون إليها بحثا عن الراحة والاستقرار بعد التعب والعناء الذي كان يقاسونه من الحل والترحال.
ويتميز سكان نواكشوط بولعهم بالشعر والشعراء ولعل ذلك يرجع لعيشهم في البادية والصحارى، كما يتميزون بتنوع أصولهم من بدو ومن وافدين من الدول المجاورة مثل السنغاليين الذين تعايشوا مع المواطنين الأصليين وتمتعوا فيما بعد بالجنسية الموريتانية التي خولت لهم الزواج بالموريتانيات، وساعد على ذلك أن السنغاليين مسلمون، فأخذوا في زرع الأراضي في الجنوب، لأن الموريتاني الأصيل يعتبر مهنة الزراعة مهنة حقيرة، مثله في ذلك مثل الكثير من الشعوب العربية التي تعيش في أقصى الطرف الشرقي من الوطن العربي، ولهذا السبب قفزت نسبة السود في موريتانيا، من خمسة في المئة إلى عشرين في المئة.
ويرى الشعب الموريتاني أن السنغاليين الذين يتكلمون اللغة العربية هم أحفاد بلال”مؤذن الرسول”، ولكن غالبا ما يرفضون التعامل مع الوافدين الذين لا يجيدون العربية ويرفضون التحدث بها، لذلك مثلت اللغة في بعض الأحيان نقطة الاختلاف بين السنغاليين والموريتانيين الذين يشتركون في نفس الأرض، وهذا الاختلاف صنع نوعا من الصراع بين الطرفين حيث عمل السنغاليون على فرض لغتهم الفرنسية في المدارس، فضلا عن توليهم لبعض المناصب الحساسة في الدولة، وقيامهم بالمظاهرات الدموية بمجرد أن قررت الحكومة تدريس اللغة العربية في أوائل سنين التعليم الثانوي، حتى أصبح الموريتانيون يشعرون بأنهم معزولين عن حكم أنفسهم.
كما أن الاختلاف لم ينحصر فقط بين الموريتانيين والسنغاليين المتكلمين بالفرنسية بل إن هناك وجه اختلاف آخر بين الموريتانيين أنفسهم بين العدنانيين والقحطانيين، فآل عدنان يرون أنهم الأصل وأن جذورهم أعرق من غيرهم ويرون أن منهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعقبة بن نافع، والأمويين والعباسيين، وبناة الحضارة العربية في أوج ازدهارها.
ويرى آل قحطان أنهم عرب عاربة بينما العدنانيون عرب مستعربة، وأنهم ملوك العرب القدامى قبل الإسلام وبناة سد مأرب وبناة مملكة سبأ، الذين حطموا النير الحبشي، وهزموا الفرس أي هم أهل الحضارة العربية القديمة، غير أن هذا التنوع والاختلاف بين الأعراق التي تكون الشعب الموريتاني يمكن النظر إليها على أنها مصدر ثراء وتنوع ثقافي وتاريخي لهذا الشعب.