الرئيسية / وجهات نظر / محمد السادس: صوت المستضعفين
ca438ad04c67cacbf28b6af81b0231dd

محمد السادس: صوت المستضعفين

في أقل من شهر، يعاود ملك المغرب محمد السادس طرح إشكالات التنمية التي قادت بلاده إلى مفترق الطرق: أغنياء يراكمون الثروة وفقراء يحصدون الخيبة والمرارة والفقر. كان الرأي العام يتوقع أن يتعرض في خطابه إلى حالة الاستنفار القوي الذي دفع إلى نشر منصات صواريخ ومضادات لهجمات محتملة تغير من أماكن مجهولة، وإذا به يتحدث عن مخاطر من نوع آخر تطاول المعضلات البنيوية ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.
لعله أراد القول إن المخاطر التي تهدد تماسك المجتمع واستقراره وأمنه أكثر إثارة للقلق، وأن الخيارات التي لا تقود إلى نشر الرخاء والتوازن ستناقض روح الديموقراطية، إذ تعجز عن ترجمة أهدافها إلى حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية متكاملة. واختار في غضون ذلك الإشادة بدور الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية والفاعليات الاقتصادية ومكونات المجتمع المدني للدلالة على الرغبة في تفعيل الخيار الديموقراطي، ما يرتقي بالممارسات ذات الصلة إلى مرتبة تحصين المجتمع من أي انفلات أو اهتزاز.
بصيغة أخرى، يعرض العاهل المغربي إلى تصور هادئ يستهدف تغيير المظاهر السلبية، ويرى أن ممارسة الدولة دورها في الإصلاحات الكبرى وتكريس الحوكمة والحرب على الفساد، من بين الالتزامات الاستراتيجية. ويرتدي المنظور أهمية لدى استحضار أنواع الأزمات التي تعانيها دول عربية عدة، إما نتيجة انهيار الدولة، أو تقاعسها عن القيام بمهامها أو وقوعها تحت تأثير ضغوط وإكراهات، ليست المرجعية الدستورية والقانونية من بينها، طالما أن غياب القانون يرادف اندحار مقومات الدولة العصرية. كما لا يبتعد كثيراً عن ملامسة تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية الدولية، في ظل التركيز على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للإصلاحات المرتقبة، بعد الانتقال من محطة الإصلاحات الدستورية والسياسية.
تحدث محمد السادس بصوت المستضعفين في وقت ركن فيه الشارع المغربي إلى التهدئة، يتأمل ما يحدث حوله من تطورات دفنت الآمال في حدوث تغيير أقل كلفة في الأرواح والإعمار. وصادف أن اثار مزايا السلم الاجتماعي الذي اضطلعت من خلاله المركزيات النقابية الأكثر نفوذاً بدور حيوي، ما يحيل على أهمية الروافد الحزبية والنقابية والقطاع الخاص في بلورة التعايش السلمي ومواجهة المعضلات الاجتماعية عن طريق الحوار والتنازلات المتبادلة.
مع إقراره باتساع الفوارق بين الأغنياء والفقراء لا ينصرف محمد السادس إلى تشخيص الداء، بل يتجاوز ذلك نحو انتقاد السياسات العامة التي أدت إلى إغناء الأغنياء وإفقار الفقراء. ولم يستثن من ذلك فترة حكمه التي وإن كانت ركزت على حظوظ التنمية البشرية، فإنها لم تفلح في تغيير موازين الاستقطاب الاقتصادي والتجاري التي استقرت في المناطق الساحلية. فالمشكلات أكبر من أن تعالج في نطاق مبادرات لا يواكبها زخم مماثل على صعيد إقامة المرافق والتجهيزات التي تساعد في الإقلاع.
هنا تحديداً تكمن مسؤوليات السلطة التنفيذية والمنتخبين المحليين والفاعليات الاقتصادية والاجتماعية، بخاصة الأطراف التي استفادت من فترات الرخاء. بيد أن العاهل المغربي وضع يده على الجمر حين رهن الدور الاستراتيجي للدولة بالورشات الإصلاحية الكبرى والتزام الحوكمة والشفافية، والمضي قدماً على طريق إصلاح منظومة القضاء وتطوير مناخ الأعمال وإعلان حرب بلا هوادة على كافة أشكال الفساد، بعد أن أخذ مسافة حيال تداعيات ما يعرف بالربيع العربي امتدت ثلاث سنوات انطبعت بتحولات على الصعيد الداخلي، أبرزها تولي حزب «العدالة والتنمية» رئاسة الحكومة وتدبير أهم القطاعات الوزارية. وأرفق الملك مشروعه الإصلاحي بالانكفاء على هاجس الإصلاحات السياسية والاجتماعية. وإذ يطلب إلى خبراء دوليين وضع تشخيص شامل حول تجربة بلاده في تدبير الشأن العام الاقتصادي والاجتماعي، إنما يرسخ الاعتقاد بأن الضغوط الاجتماعية في إمكانها أن تشكل أعباء حقيقية وأن السكوت عنها أو إرجاء البحث في ثنايا تناقضاتها وخلفياتها البنيوية لا يلائم الطموح الاقتصادي الذي تراهن عليه البلاد كقوة ناشئة في منطقة الشمال الإفريقي.
ليس المال أو تدفق الاستثمارات ما يعوق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي، ولكنه سوء توزيع الثروة. وإذا كان المغرب حقق طفرة نوعية وكرس صورته كبلد استقرار وسط محيط مضطرب، وبات يتوق لتعزيز شراكات متنوعة مع دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مع السعي لإبرام اتفاقات مماثلة مع روسيا والصين، الا أن هذا الطموح يظل مشوباً بالمحاذير، ما لم تكن الإصلاحات الاجتماعية مرتكزاً لتثبيت أركان هذا الطموح. ولا يعني اختيار ملك المغرب أن يقف على يسار الأحزاب والفاعليات سوى أنه ينشد ربيعاً من نوع آخر، تنثر فيه الورود وتتنافس الكفاءات حرصاً على تماسك المجتمع ووحدته.
“الحياة” اللندنية