الرئيسية / وجهات نظر / الإسلام والدولة في تاريخ المغرب
d562ce2159280852e0e330fbc1c5f5c8

الإسلام والدولة في تاريخ المغرب

كثيرون يتساءلون عن سر العلاقة بين الإسلام والدولة في المغرب، وكيف أمكن تطويع المبادئ السياسية في الإسلام لتتكيف مع مستلزمات الدولة الدستورية الحديثة. وبغض النظر عن تاريخ دخول الإسلام إلى المغرب وامتزاجه بثقافة الناس وبيئتهم الثقافية والاجتماعية، فإن المرحلة الاستعمارية شكلت لحظة اصطدام مع نموذج الدولة كما حاولت فرضها الحماية الفرنسية على المغرب.
لقد حرصت الدولة الحديثة في أوروبا أن تظهر بمظهر شرعي، يستمد الحكم أصوله داخلها من دستور مكتوب و محدد يعتبر بحد ذاته القانون الأسمى للبلاد، وقد شكلت بداية القرن العشرين و ما عرفته من أحداث نقطة « انعطاف داخل الوعي الإصلاحي في المغرب، و انعطاف قضية الإصلاح السياسي برمتها، إلى طرح المسألة الدستورية و تبلورها كإشكالية جديدة و مركزية في الوعي السياسي للنخبة الإصلاحية.
إن مشروع البحث في الفكر السياسي المغربي يطرح سؤال الوجود أو عدم الوجود، و هو سؤال من شأن الإجابة عنه، ضمان مشروعية البحث في قضايا الفكر السياسي من زوايا مختلفة.
إن «الفكر السياسي المغربي» هو الصيغة المحلية « للفكر السياسي الإسلامي» كما يرى البعض، وبالتالي فإن التساؤل حول مدى وجود فكر سياسي مغربي، يمتد لينسحب على مجموع الفكر السياسي الإسلامي..
وبالرجوع إلى المعجم الفلسفي نجد أن كلمة «فكر» تعني: إعمال العقل في الأشياء للوصول إلى معرفتها، و الفكر السياسي هو إعمال العقل البشري في أموره الحياتية المتعلقة بالدولة و السلطة و تنظيم علاقة الحاكمين بالمحكومين، و بالتالي فان مالك السيادة و صانع الفكر هو الإنسان، غير أن إضافة صفة «الإسلامية» إلى الفكر السياسي من شأنه إثارة بعض التساؤلات حول مفهوم السيادة و مصدره في الإسلام؟ هل هي لله أم هي للأمة، و بالتالي للإنسان؟.
يحيل مفهوم السيادة بالمعنى القانوني على «قدرة الدولة على اتخاذ القرارات و الأعمال المتصلة بمصيرها(..) بحرية تامة»، وأبرز مظهر يتجلى فيه هذا المفهوم هو في اعتباره بمثابة القوة العليا المستقلة استقلالا تاما، عن أي قوة أخرى، و التي لا تقر، بوجود أي قوة أعلى منها أو حتى مساوية لها، و بهذا المعنى تعرف السيادة بأنها « القوة التي لا تخضع لأية قوة أخرى».
فإذا كانت السيادة لله فمعنى ذلك» انتفاء إمكانية صنع البشر لتاريخهم، و بالتالي انتفاء إمكانية وجود فكر سياسي، الذي من شروطه الأساسية، شرط الحرية الإنسانية !.
يعتبر محمد أركون – في إطار بحثه عن مصدر السيادة العليا في الإسلام- بأن « المعاني التي كررت في القرآن، رسخت سيادة عليا متعالية، هي تلك السيادة المتعلقة بالله الواحد، الحي، المتكلم إلى البشر…هذه السيادة هي التي سوف تسوغ و تشرع السلطة السياسية للنبي و لخلفائه من بعده، ويقترح معالجة مفهوم السيادة في الإسلام، الذي يحصره في السيادة الإلهية العليا، عن طريق عملية الاجتهاد، فبواسطته فقط يمكن نقل السيادة إلى البشر، فالاجتهاد – بنظره- عبارة عن فعالية منهجية و ثقافية هدفها نقل المشروعية أو السيادة العليا المستندة على التسامح الرمزي للتاريخ إلى السلطة القانونية و القسرية للشريعة، وهي نفس العملية التي تمت في أوربا الذي سيطرت عليها الكنيسة، وقد أصبح الاقتراع مصدرا للسيادة العليا و الهيبة في المجتمع بدلا من الوحي المؤول و المطبق طيلة القرون السابقة من قبل السيادات الروحية أو السلطات الروحية المأذونة، ومن هنا تنبع الحاجة إلى هذا البديل في المجتمعات العربية الإسلامية كذلك، و لا يتردد مؤرخ الفكر الإسلامي، في الإلحاح على طلبه بقوله: «لابد من استكشاف العلمنة بصفتها بعدا فكريا و طريقة محددة لتشكيل مفهوم جديد عن السيادة و المشروعية و ممارسة جديدة لها».
وهكذا يبدو مطلب العلمنة ضروريا- حسب هذه الأطروحة- لامتلاك الحق في التفكير و في تدبير الشؤون الدنيوية، بما فيها الشأن السياسي، و بالتالي» ينبغي الشروع في عملية العلمنة باعتبارها مصدرا للحرية الفكرية، و بالنظر إليها كفضاء تنتشر فيه هذه الحرية من أجل افتتاح نظرية جديدة في ممارسة السيادة العليا و المشروعية حتى نكتسب مشروعية الحديث عن فكر سياسي أنساني «نسبي، متطور و متباين».
غير أنه، بالموازاة مع هذه الرؤية، نجد من يعتبر بأن، العديد من النصوص القرآنية و ممارسات الرسول (ص) تضمنت معاني تقيد حرية الإنسان المسلم و امتلاكه سلطة الصياغة التاريخية للسيادة الإلهية العليا على الأرض.
لكن المشكلة لا تطرح –حسب البعض الآخر- بالنسبة للنصوص الدينية المقدسة (القرآن والسنة). «ولكنها تثار بالنسبة لما يكتب حول النص المقدس للفكر السياسي الإسلامي، حيث يتداخل في هذا الفكر ما هو مقدس بما هو غير مقدس، وأحيانا تطغى صفة القدسية على أمور و أفكار غير مقدسة (…) و هو الأمر الذي يعيق العقل عن الإبداع و التفكير والخلاق.»
ولرفع هذا الالتباس و التداخل لابد من التمييز بين النصوص المقدسة و بين التفسيرات التي تعطى لهذه النصوص، وكذا بين النصوص المقدسة و طبيعة الممارسة التاريخية التي تعبر عن فكر إنساني قابل للتعديل و التطور و التجاوز.
إن التجربة التاريخية «للدولة الإسلامية» تبرز بأن المسألة لا تتعلق بدولة دينية كما هو متعارف عليه في الفكر السياسي الغربي، و إنما هي نتاج بشري، و دولة مدنية قراراتها بشرية، و بالتالي فهي « تجربة لا تتجاوز الزمان و المكان و الملابسات التي أملتها مادامت الممارسة السياسية النبوية نفسها نسبية، فمن باب أولى أن تكون التجربة الراشدية كذلك نسبية»، وهكذا فان الارتباط بالنموذج السياسي الإسلامي الأول، لا يمكن أن يكون إلا على مستوى الثوابت العامة، أما «الأشكال المؤسساتية و الآليات الدستورية، و الاجتهادات التشريعية و السياسية للفترة الراشدية (وما بعدها) فإنها نتاج بشري محكوم بالسياق التاريخي و الظروف الحضارية و المناخ الثقافي لعصرها، ويجب ألا تتحول إلى جزء من الدين يلزم به المسلمون على اختلاف عصورهم، ومن تم، فإن ما أبدعه المفكرون و الفقهاء المسلمون في المجال السياسي، و اجتهدوا فيه و كتبوه هو «فكر سياسي إنساني و ليس جزءا من العقيدة المقدسة»، وإن مجال حرية الإنسان المسلم في تدبير شؤونه السياسية «يفسح المجال رحبا أمام وجود فكر سياسي، ومن تم يبدو مشروعا الحديث عن فكر سياسي إسلامي، و بالتالي عن فكر سياسي مغربي».
في حلقة قادمة نتابع دراسة مضمون الوعي الدستوري الحديث الذي حملته النخبة المغربية مع نهاية القرن التاسع عشر إلى غاية منتصف القرن العشرين وطبيعة الأفكار و المفاهيم التي أطرت المسألة الدستورية تحديدا، و هل استوحت جذورها من الفكر السياسي الإسلامي، أم من الفكر السياسي الغربي؟
٭ كاتب من المغرب
“القدس العربي”