الرئيسية / وجهات نظر / من هم المتحاربون في ليبيا
e4aa7ca46911b7e299ee8dbae00d9585

من هم المتحاربون في ليبيا

إنّ الأحداث الأليمة الدامية الجارية في ليبيا تفرض، على من بداخلها أن يقاسي فقدان أهم الحاجيات المعيشيّة، ويتعرّض لكلّ أنواع الأخطار والأضرار، وعلى من بخارجها أن يقاسي الحيرة والقلق والألم، وتفرض عليهم، جميعا، سؤالا، أو أسئلة لا يجدون لها أجوبة.
سؤال يطغى على كلّ سؤال غيره هو: من هم المتحاربون على أرض ليبيا، غير العناصر الرسمية من جيش وقوّات أمن؟
ألقيتُ السؤال على خبير حكيم كثير الإطلاع فقال: إن العولمة التي صنعها وفرضها الأقوياء الكبار، وفرضوها بطرق سلمية ظاهريا، ليزيلوا الحدود والحواجز، ويضمنوا فتح البلدان، فتحا سهّل الدّخول والتدخل، وضمن المصالح والفوائد، وبسّط الخدمات المادية والإستراتيجية والحربية طبعا. بما أنه إذا تكلّم الكبار، سكت الصغار، هيمنت العولمة بسرعة، فانتشرت محاسنها ومساوئها، وما على الرّاغب إلا البحث عمّن تؤول إليه المحاسن، ومن تصيبه المساوئ، أما أنا فقد فهمت ذلك منذ مدّة. أشهر هذه المساوئ بلا منازع، هي الحرب “المحصورة”، المحدودة اتساع الحلبة، التي لا تخرج ولا تعبر حدود القطر الذي تندلع فيه، رغم انفتاح تلك الحدود على مصراعيها، لأنها ذات اتجاه واحد، تسمح بالدّخول، ولا تسمح بالخروج ولا بالتوسع، ثم الإنتشار، خوفا من أنّ شرارة تحملها الرّياح، تتسبّب في انتشار اللهيب واتساع رقعته. حروب شتى اندلعت، سمعنا عنها، وعن الآلام التي نشأت منها، والفظائع التي انجرّت عنها، وعن الضحايا التي أسقطتها، بريئة مسالمة. كما شاهدنا صورا عن كلّ ذلك، تجعل المرء يعتقد فقدان إنسانية هذا العصر وأهله. سمعنا وشاهدنا ما جرى ويجري في أفغانستان والبوسنة والعراق وسوريا، واليوم في ليبيا، وغدا: يعلم الله أين ستندلع.
المستفيدون الرابحون (في) ومن كلّ هذه المآسي، هم صانعوا الأسلحة والمتاجرون بها. أما إذا أردتَ أن تأسف على هذا الزمان وأهله، أو أن تضحك بقلب محزون، فضع لك قائمة بأسماء مصدّري وبائعي الأسلحة، فستجد وتستغرب وتدهش، أنهم هم نفس المتدخلين، بشكل أو بآخر، في ليبيا والبلدان الأخرى. ولتعلم أنهم يتاجرون أيضا في الأزياء والجزم التي يلبسها المتحاربون المتقاتلون، وكي يتعرّفوا على منَ من عملائهم سقط في ساحة الوغى، يكفيهم إلقاء نظرة على أسفل جزمته، فيجدون العلامة المميزة لمتبوعيهم، كي لا أقول مرتزقتهم.
لم أجب بعد عن سؤالك تحديدا، لأن الشيء بالشيء يذكر، وأن الحديث يجرّ غيره خاصة إذا تعدّدت العناصر والأدوار ومؤدوها. فلا بأس من العلم هنا، أن الولايات المتحدة الأميركية خصّصت، عن طريق منظمتها “الخيرية” الشهيرة، وكالة التنمية العالمية المعروفة باسم- يوساد- إضافة ثلاثين مليون دولار للتدخل عن طريق الشبكة العنكبوتية أي “الإنترنت”، لمساعدة أعوانها السرّيين.
ثمّ لا بأس من العودة إلى خطاب أو تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي قال فيه- من جملة ما قال عن ليبيا- “إن بها مدنيون مسلحون بأسلحة مضادة للطائرات وغيرها، سلّحهم بها الخارج، ودرّبهم عليها مدرّبون آتون من وراء المحيط الأطلسي، أخصّهم حاليا البريطانيون”. لنلتفت الآن إلى وجهة أخرى، فنجد، دون أن نعجب أو نتعجّب، أن الغرب- بأقطاره الكثيرة المختلفة- يثير القبائل بعضها ضد بعض، دفاعا عن الديمقراطية، التي ليست سوى سبب يقدمه عذرا من الأعذار. أما الإخوة العرب، فبدل الحرص على إذاعة ونشر الأخبار المؤكدة الصحيحة، يخلقون صورا تلفزية منافية للواقع والحقيقة، فيصبحون مساهمين متواطئين في جريمة حرب، لأنهم يحرّضون على البغض والكراهية ضدّ الشعب الليبي، أو حتى بين الليبيين بعضهم البعض.
وكما لو لم يكن كلّ هذا كافيا، تأتي الأخبار فتقول، بأن الجيش الجزائري قام بأكبر عملية خارج حدوده منذ يوم استقلال الجزائر، عام اثنين وستين وتسعمئة وألف، عملية ابتدأت يوم 29 مايو، ساعدت أو شاركت فيها قوات أميركية وفرنسية وتشادية.
أراك لم تكتف بما قلته لك، ولا تزال تنتظر إجابتي عن سؤالك. تذكّر قبل وبعد كلّ ما تسمع وتلاحظ، أنّ الأغراب، أبناء عمومة كانوا أو لا نسب بينك وبينهم، يأتون ما يأتون، مدفوعين بالجري وراء مصالح أوطانهم وذويهم. قد يُلامون عن الظلم، ويعاتبون على التفوّه بعكس ما يفعلون، لكن لا تخرج تصرّفاتهم عن سنّة الأنانية البشرية، وتفضيل المرء نفسه وذويه عن الآخرين. أمّا إذا أضفنا حب السيطرة، واستغلال ما وُهِب من قوّة ووسائل، أتى ما يعتبره ضروريا لضمان مناعته وحماية وطنه، وتركيز قواعد استراتيجية لذلك. فلا لوم ولا عتاب إذن إلاّ على الذين من الدّاخل يساعدون. هو يعمل لصالح وطنه، وهم يخرّبون وطنهم، هو يعمل على رفاه وسعادة مواطنيه، وهم يساعدون على شقاء مواطنيهم.
أليس الأجدر بك وبي وبنا جميعا، أن نلوم من هو أحق باللوم، وأن نعاتب من عرّض نفسه منّا إلى كلّ عتاب، وأن نتّهم وندين الذين ضلّوا من أبناء ليبيا، فباعوا الضمائر، وداسوا الكرامة، واعتدوا على الحرمات، وقتلوا الأنفس البريئة التي حرّم الله، في سبيل ماذا؟ في سبيل نعيم زائل، وسلطة جوفاء، وزهو حقير، بثمن قوامه خيانة العهد والوفاء، وأساسه الذلّ والتبعيّة، تبعية لمن سيلفظهم غدا بعد قضاء مآربه، فيبقون مدحورين مذمومين، لأنهم لم يعتبروا بالقرون الذين طغوا، وكيف أصبحت ديارهم خاوية. لأنهم لم يقرأوا القرآن الكريم حقّ قراءته، حتّى يتذكّروا لو كانوا يعلمون.
أراني لم أفلح في إجابتي، لأني لا أريد أن أردد الآية التي تدور في خلدك، بل سأُذكِّر الضالين إن نفعت الذكرى، بقوله جلّ وعلا: “وكذلك جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلاّ بأنفسهم وما يشعرون”.
*كاتب تونسي ودبلوماسي سابق
“العرب”