الرئيسية / وجهات نظر / لماذا.. أيها الرئيس؟!
781f49109cb68e9653b5b3fa9ded42e5

لماذا.. أيها الرئيس؟!

 السلطة، أي سلطة، عندما تكون غير شرعية تتصرف، وأقول تتصرف لأن التصرف دائما على هوى، من دون أن تعير الرأي العام أي أهمية، بل لا ترى حتى ضرورة للتحضير لقرار من القرارات ولا شرحه ولا الإقناع به.
أقول هذا الكلام، لأن هناك ما يثير الكثير من الريبة والشكوك بخصوص أسباب ومبررات المشاركة في احتفالات 14 جويلية، سواء الوطني الفرنسي منها أو المتصل بذكرى الحرب العالمية الأولى، ثم المشاركة في مناسبة أخرى فرنسية بحتة وهي الذكــرى السبعين (du débarquement de Provence). وحتى وإن أرغم جزائريون (أنديجان) على دفع دمائهم لتحرير فرنسا، فما الذي يعنيه حضور الوزير الأول ممثلا لرئيس الجمهورية ومجموعة من قدماء المحاربين (كما وصفوا)؟!
يأتي هذا في وقت لم تعد السلطة الحاكمة تحتفل باهتمام لائق بكل المناسبات الوطنية، بما في ذلك أول نوفمبر و5 جويلية. ويأتي في وقت لم نر فرنسا تقدم على أي خطوة ولو رمزية للاعتراف بجرائمها في الجزائر، طيلة استعمارها للجزائر.
نتذكر أن عشرات الآلاف من الجزائريين دفعوا أرواحهم لتحرير فرنسا من النازية ومقابل هذا حصدت الآلة العسكرية الفرنسية 45 ألف شهيد في 8 ماي 1945. سلطتنا جعلتنا اليوم وكأننا ”نحتفل” مع فرنسا بأمجادها وتحررها، ونتوقف عن استحضار ضحايا 8 ماي كما ينبغي. الجزائر جعلتها سلطتها تحتفل بأمجاد فرنسا وهي التي رفضت حتى منح الجزائريين جنسيتها ومنحهم حقوقا مدنية وسياسية مساوية أو حتى متقاربة فقط مع الفرنسيين، إنها ساوت بينهم فقط في دفع الدم لصالح فرنسا ومجدها وحريتها. فرنسا ومقابل كل تلك التضحيات الضخمة التي قدمها الجزائريون كانت تخضعهم لـ(le code de l’indigénat) وهو قمة الإهانة لشعب ويتعارض مع أبسط مبادئ الثورة الفرنسية، وكان الأجدر بالسلطة أن تعمل على التذكير بما تعرض له الجزائريون من جرائم ومن إحجاف، بإرغامهم على المشاركة في حروب ليست حروبهم، وعدم التوقف عن تذكير هذا ”الصديق” بجرائمه حتى تزن في ميزان العلاقات الثنائية.
المسألة ليست مسألة عاطفة وطنية فقط، المسألة مسألة قرار سياسي وكيف يتخذ ولماذا وما فائدته؟
قد يربط البعض مثل هذه التصرفات بـ«العهدة الرابعة” والتي انتزعت وفرضت على ما يبدو بـ”تزكية!” فرنسية، لهذا فإن كل ما أتى بعد ذلك يعد، برأي الكثيرين، إما تنفيذا لاتفاق غير معلن، وتلك كارثة تعكس حال إدارة شؤون الدولة، أو اعترافا بالجميل ورده للدولة الفرنسية. وفي هذه الحالة المستفيد في الجزائر هو الرئيس وجماعته والمستفيد في فرنسا هو الدولة الفرنسية ماديا ومعنويا.
إن ما حصلت عليه فرنسا، (يمكن الذهاب لغوغل للحصول على معلومات رسمية عن كل الاتفاقيات التي تربط الجزائر بفرنسا)، خلال السنوات الأخيرة، مخيف جدا، مخيف لأنه ظل دائما من دون فائدة تذكر للاقتصاد الجزائري أو للتعليم والثقافة، إنه في الغالب في فائدة فرنسا وفي خدمة اقتصادها وثقافتها.
طبعا لو كانت هناك حياة سياسية وكانت هناك معارضة حقيقية تراقب وتدقق كل قرارات السلطة للتأكد من أن مصالح الجزائر والجزائريين محفوظة، لما حدث الذي حدث بالطريقة التي حدث بها. ولو كانت هناك ديمقراطية فعلية وحرية فعلية لما حدث هذا ولما ظلت الوساوس تقهرنا ولا ظلت علامات الاستفهام والريبة والشكوك تنغص علينا. ولو كانت السلطة تستند في شرعيتها للجزائريين لما كانت ضعيفة ولما كانت في حاجة لسند شرعية خارجي، ولما اضطرت لاتخاذ ”قرارات ترضية” أو ”قرارات رد جميل” تكلف الجزائر كثيرا من غير فوائد متناسبة مع ما حصلت وتحصل عليه فرنسا من منافع.
طبعا سلطة مطلقة لا رقيب عليها ولا حسيب تفعل بالبلاد ومصالحها ما تريد ولا ترى حتى ضرورة أن تحدث الجزائريين في الموضوع. ومعلوم أن نظرية المؤامرة تزدهر فقط في المجتمعات غير الديمقراطية القائمة على السلطة المطلقة والتي تغيب فيها المؤسسات والرقابة ويغيب فيها بالخصوص إخضاع كل قضايا الأمة للنقاش المفتوح ولتدافع التقديرات والآراء.
مثل هذه القرارات تتخذ في زمن انسداد سياسي خانق وضعف مؤسساتي مخيف وغياب وقصور سلطوي بائن وزمن تلاشي الإجماع الوطني حول مسائل كثيرة وهذه واحدة أخرى منها، ولا إطار ولا إمكانية لمناقشة قضايا البلاد الأساسية، فما بالك بالاطمئنان لجدواها وخدمتها لمصالح الجزائريين كل الجزائريين. لهذا أقول بحسرة كبيرة: لماذا أيها الرئيس؟!
“الخبر” الجزائرية