الرئيسية / وجهات نظر / قبل فوات الأوان!
81fe1cffe00d7ba73545ecb2599f936d

قبل فوات الأوان!

لم يستبد القلق بدول الشمال الإفريقي إزاء احتمالات تعرضها لهجمات إرهابية كما الحال راهناً. المخاوف ذاتها التي نشأت في فترة سابقة جراء عودة الأفغان المغاربيين الذين كانوا تطوعوا للقتال في أفغانستان إلى بلدانهم، متشبعين بأفكار متشددة قفزت إلى الواجهة. من جهة لأن أعداد المتطوعين إلى دولة الإسلام في العراق وسورية تضم رعايا من أصول مغاربية، يتحمل بعضهم مسؤوليات قيادية في التنظيم الذي يؤرق العالم. ومن جهة ثانية لأن تدهور الأوضاع في ليبيا وإلى الجوار الجنوبي لبلدان الشمال في دول الامتداد.
تجاوز الأمر فرضيات محتملة، تونس تخوض معارك مفتوحة في مناطق الحدود مع ليبيا والجزائر إلى درجة التهديد بإغلاقها كمصدر للتغلغل والإزعاج، والجزائر لا تخفي أنها تواصل معركة الرمق الأخير في مواجهة التنظيمات الإرهابية المسلحة التي تضرب كلما واتتها الفرصة، فيما المغرب رفع درجة التأهب والاستنفار. كما لا تبدو موريتانيا في وارد الاستثناء، كونها عانت بدورها من تداعيات انفلات مثلث الموت القادم من الساحل المضطرب.
ما يزيد في تصعيد منسوب القلق أن بعض العواصم الغربية حذرت رعاياها، عبر الوصفات المعتادة، كلما توافرت لديها معطيات حول إمكان تعرضهم إلى مخاطر، بخاصة أن الرعايا الأجانب كانوا عرضة للاختطاف والقتل من طرف إرهابيين في منطقة الساحل، أي أن التحذير له ما يبرره في غضون تزايد نفوذ التنظيمات الخارجة عن القانون التي لها ارتباطات « فكرية « وعضوية ببعضها وإن اختلفت أسماء الفروع والامتدادات.
الغائب الأكبر وسط هذه الجلبة أن مجالات التنسيق بين بلدان الشمال الإفريقي في مواجهة هكذا مخاطر تعتبر آخر شيء يتم التفكير فيه. فالعواصم تتحدث بصوت واحد، وإن ارتفعت أو خفت حدته، عن المخاطر المحتملة. وتتباين لهجتها عندما يتعلق الأمر بالاتفاق على خطة عمل موحدة، تتجاوز الخلافات الراهنة وتنصرف إلى ما هو أهم. وحتى في قضية الحرب على الإرهاب يغلب الطابع الانفرادي. وإذا استثنينا الوضع في مالي الذي أصبح مثار جدل بين الرباط والجزائر، فإن الموقف من التطورات الليبية خضع بدوره إلى اعتبارات، لا ترتقي في أقل تقدير إلى مستوى ما يتطلبه من تضامن وحسم.
نقطة الضوء التي في إمكانها أن تزحزح المواقف الجامدة، هي أن تدعو بلدان الضفة الشمالية للبحر المتوسط إلى تنسيق أكبر ضمن منظومة 5+5، كونها الإطار الذي لا يزال يعمل بوتيرة شبه عادية، من بين مؤسسات الاتحاد المغاربي العالقة كافة. ولولا أن لكل عاصمة مغاربية حساباتها في عدم إغضاب الشركاء الأوروبيين لانهارت هذه المنظومة، بسبب تأثير الخلافات المغاربية. فما بين التوجه العمودي الذي يرسم معالم العلاقات المغاربية – الأوروبية، قد يسعف التفات مصر إلى جوارها الأفقي غرباً، انطلاقاً من الحالة الليبية في معاودة ترتيب قواعد الحرب على الإرهاب الذي يتجاوز الحدود. وكما اهتم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالذهاب إلى الجزائر ومحاورة المغرب وامتزاج الموقف التونسي، بات لزاماً على العواصم المغاربية أن تبادل القاهرة خطوة مماثلة عند منتصف الطريق، حيث معركة الإرهاب التي توحد بقوة الأشياء.
من بين ركام المشاحنات والصراعات التي لا تتوقف أطلق السفير المغربي المنتدب في الأمم المتحدة عمر هلال نداء أقرب إلى الواقعية، قال فيه إن الساحل وشمال إفريقيا والشرق الأوسط مناطق تمر بأوقات أكثر اضطراباً في تاريخها وأن طيف الإرهاب يشكل تهديداً غير مسبوق، داعياً إلى وضع الخلافات جانباً، كون التهديدات الإرهابية « أكثر سوءاً» من بقيي الخلافات.
أهمية التصريح أنه يتزامن وقرار البرلمان الليبي طلب تدخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن للمساعدة في استتباب الأمن والاستقرار ووقف تمدد الفصائل الليبية المتناحرة. في إمكان العواصم المغاربية أن تدعم الطلب الليبي الذي يميل الاتحاد الأوروبي إلى تفهمه أكثر، من خلال رفع سلاح المتابعة القضائية أمام محكمة الجنايات الدولية ضد المتورطين في الجرائم ضد المدنيين، فالوضع الليبي المتدهور لم يعد يسمح بالانتظار.
وإذا كان الاتحاد المغاربي وقف عاجزاً أمام فعل شيء على الأرض سيساعد في تجاوز المأساة الليبية. فلا أقل من حض الأمم المتحدة على التزام موقف داعم. وقتها لن يصبح أمام العواصم المغاربية التي تفرقها الخلافات أن تتراجع. فالأمم المتحدة إطار ملائم. وسيكون من المفيد البدء بتطويق الأزمة الليبية قبل فوات الأوان، لأنها بؤرة توتر يهدد بالاستشراء إلى أبعد مدى. وأقربه أن تتناثر شظاياه على ساحة بلدان الشمال الإفريقي برمتها.
“الحياة” اللندنية