الرئيسية / وجهات نظر / ليبيـا.. وخطيئـة الشــقيقتين
309a5e0479c60db259bc929996ca58c0

ليبيـا.. وخطيئـة الشــقيقتين

ما يحدث في ليبيا اليوم لم يعد شأناً داخليا، وإن حاولت الدول المجاورة خاصةً الجزائر ومصر اعتباره كذلك، ذلك لأن تداعيات الأزمة هناك تلقى بظلالها على مسار حركة الحياة في دول الجوار، بل إنها تمتد إلى أبعد ما تتصور أجهزة تلك الدول،
 ومن هنا بات من الضروري إعادة النظر في مسألة تقييم الأحداث الجارية هناك، لأن مطلب المؤتمر الوطني العام (البرلمان) بتدخل الأمم المتحدة لحماية المدنيين ـ وهو هنا يقصد الشعب الليبي كله ـ يؤكد انهيار الدولة على مستوى الوجود، حتى أنها توشك أن تكون جغرافيات متعددة لكل منها فريق يصارع الآخر، ولا يعرف لماذا يصارعه.
المدخل لانقاذ الدولة، يبدأ من دعم الشعب الليبي، الذي خرج في مظاهرات رافضا التدخل الخارجي، وهو بذلك يرد على مطالبة البرلمان، والدعم المطلوب هنا ليس شرطاً أن يكون تدخلا عسكريا مباشرا، إنما يتمِّ من خلال تأييد القوى العاملة في الميدان، والتي تعمل من أجل استمرارية الدولة الليبية.
دعم القوى الشرعية في ليبيا مهمة الجارتين الجزائر ومصر، وعليهما تحمل العبء الأكبر من أجل أن يسود السلام فى هذا البلد الشقيق، ولا يمكن التعويل هنا على تلك المسوّغات التى تقدمها الدولتان لإبراء الذمة عبر خطاب رسمي إعلامي في الغالب، موجه من أجل التقليل من مخاوف الداخل أكثر مما هو معنى باستراتيجية الأمن القومي للدولتين. عمليًّا، فإن المتابع للخطاب الرسمي في كل من الجزائر ومصر يقف حائراً متسائلاً: كيف لنا أن نقبل بخطابين ـ هما على درجة عالية من التقارب إن لم نقل التطابق ـ يؤكدان كل يوم ضرورة حماية الأمن الوطني، ووصل ذلك إلى درجة تعبئة القوات المسلحة على الحدود المشتركة مع ليبيا كما هو الأمر بالنسبة للجزائر، ثم لا يكون هناك دعم للقوى الشرعية داخل ليبيا؟!.
ماتقوم به الجزائر ومصر تجاه الأزمة الليبية يمكن اعتباره حالة من تطويق الأزمة وليس حلها، ذلك لأن المقاربة الأمنية في البلدين تنطلق من شيفونية وطنية غارقة في خوف من انهيار الدولة الوطنية بعد الأحداث الراهنة في المنطقة.
على الجزائر ومصر أن تُكفِّرا عن خطيئة وقعت في الماضي القريب وبدعم من جامعة الدول العربية، حين تدخلت قوات الناتو للقضاء عسكرياً على نظام شرعي قائم، آنذاك بقيت الدولتان تتفرجان على الحدث دون أن تتخذا موقفاً واضحاً يمنع حربا قذرة أثرت على مصالحهما الوطنية والقومية.
الوضع فى ليبيا لا يحتاج إلى مزيد من التحليل أو القراءة، فدول كثيرة أسهمت ولاتزال في الفوضى القائمة هناك، وسبق أن قلنا في مقالات سابقة أن الدول الغربية ترى الحل في تقسيم ليبيا إلى دويلات، تقوم كل دويلة بحماية نفسها غير أنها لا تكمل بقية فكرتها التآمرية القائمة على أساس أن تلك الدويلات المنتظرة ستكون سلطاتها الحاكمة تابعة للخارج ومعبرة عن مصالحه وحامية له..
لقد أشعل الغرب، ممثلا في حلف الناتو، وبتأييد عربي ظاهر أومستتر ليبيا، وهاهو اليوم يحاول أن يطفئ تلك النار خاصة في المناطق البترولية، ويأمل بل يدفع ويطالب دول الجوار خاصة الجزائر ومصر بالتدخل العسكري لإقرار الأمن، وهو أيضاً مطلب بعض القيادات السياسية الليبية، ولا ريب أن هنالك تقاطعا بين مصالح الغرب في ليبيا ومصلحة الجزائر ومصر لكن النتيجة ستكون مختلفة، لذا على الدولتين تدعيم القوى الشرعية مادياً ومعنوياً وليس بشرياً، لأن عدم القيام بذلك سيؤدي، ليس فقط لتقسيم ليبيا واتساع الفوضى فيها، وإنما لمشكلات أمنية في الجزائر ومصر.
من ناحية أخرى فإن المساهمة في حل الأزمة الليبية يجب أن يخرج من ذلك التراث السياسي الذي عايشناه فى نهاية القرن الماضي حين حوصرت ليبيا على خلفية حادثة «لوكربي»، أي ألا يكون الدوران الجزائري والمصري قائمين على إيجاد حل من منطلق المساهمة الدولية، إذْ بعيداً عن المصالح المشتركة في ليبيا، فهناك دولة تضيع منا في لمح البصر وعلينا أن نعيدها مهما كانت التكلفة.
لقد أصبح من الضروري التمييز بين دولة عابرة في التاريخ وأخرى ماكثة ومؤثرة، وليبيا ليست عابرة في تاريخنا العربي، ولا يمكن بأي حال من الأحول أن ينظر إليها خارج البعد الأمني الوطني والقومي بمعناه الواسع، فاستقرارها هو حاجة ماسة للجزائر ومصر تماماً مثل ما هو كذلك لشعبها. على الجزائر ومصر إدراك الحقيقة التالية: لا يمكن لهما محاربة الجماعات الإرهابية، وهما لا تسهمان بشكل مباشر فى إيقاف زحف الجماعات الإرهابية فى ليبيا، وما تمثله من ارتباطات خارجية معادية للأمن القومي العربي.. جماعات تعمق كل يوم مأساة ليبيا، وتعيد انتاج خطيئة الشقيقتين والعرب جميعا.
“الأهرام”