الرئيسية / وجهات نظر / الوعي والعزل عتبة الطريق للوحدة
e8429768d319a7270c083c68c0e918a3

الوعي والعزل عتبة الطريق للوحدة

لربما منذ زمن طويل لم يتشكل وفد فلسطيني رفيع، ليعبر عن وحدة الموقف الفلسطيني، حيث عاش كثير من الأطراف على وقع الهزائم الميدانية السياسية، سواء الداخلية فيما بيننا، ومع عدونا التي هي هزيمة بمنطق علو الصوت للخلافات داخل كل تنظيم على حدة، وبين الفصائل بعضها البعض حتى طغت هذه الخلافات -خاصة منذ الانقلاب في غزة عام 2007 -على التناقض الرئيسي ضد الاحتلال .
لم تفِد التنقلات بين العواصم والمدن من صنعاء الى دمشق ومكة والدوحة واسطنبول والقاهرة في تحقيق الوحدة الوطنية التي سطرت على الورق مرارا، وضُربت لها المواعيد، كما لم تستطع وثيقة الأسرى إلا أن تحدث تراكما ايجابيا لم يرتقي لمستوى تحقيق الوحدة الفعلية.
وقف الرئيس ابو مازن وقيادة حركة فتح بشراسة ضد كل الهجمات أو الدعوات أو الضغوطات لتحقيق الفصل مع غزة، ومع حركة حماس أكانت هذه الدعوات خارجية جاءت من الولايات المتحدة الأمريكية، أو من السلطة الإسرائيلية، أو من بعض الدول العربية، أو جاءت داخلية من بعض الأصوات القادِحة الذامّة المتذمرة أبدا داخل حركة حماس الساعية للتميز، أو من بعض الأصوات المرتعشة من الوحدة الوطنية ممن يحسبون أنفسهم على حركة فتح ،وما كان لهذه الوقفة الصلبة إلا أن تثمر صبرا وصمودا وثباتا في المجال السياسي والجماهيري وفي مجال إحداث مساحة أوسع للتقارب رغم عنف الرياح بالاتجاه الآخر.
هل نستطيع القول أن الوفد الموحد في القاهرة كان نتيجة (إنهاك) قد حصل لكل محاور التفريق من المرتعشين والمتذمرين في الداخل والخارج، أو أنه جاء لإنشغال اللاعبين بقضايا الإقليم الأخرى؟! أم لسبب نمو أونضوج الوعي الفلسطيني بخطورة الاستمرار مشتتين أم ماذا ؟
 نستطيع أن نرجع الموقف الفلسطيني الموحد اليوم لعوامل عديدة ولكننا لا نستطيع أن نهمل حقيقة كبرى هي أن الدم فعلا قد وحد الموقف في طريقه لتوحيد الأداء فالفكرة .
محمد أبو خضير ودماء شعبنا البطل في غزة بعد 4 حروب، ودماء أبناء شعبنا في هبة مسيرة الـ 48 الف في رام الله، وفي الضفة والقدس مثلت العلامة الفارقة في تحقيق الوحدة.
أما الحقيقة الثانية فهي أن (العيال كبرت)، نعم، فلقد كان للشارع الفلسطيني لمن نسي أو تناسى فعلا وعملا عالي الصوت في إشعال المقاومة الشعبية، وفي دعواته لردم هوة الخلافات، وإنهاء الانقلاب سواء في خارج الوطن أو من داخله ، وبذا يتكامل الوعي الوطني المتعاظم مع الدم الفلسطيني ليصبا في نهر الوحدة .
رغم كل ذلك فإننا بحاجة إلى عمل الكثير لتحقيق وحدة الخطاب ووحدة الأدوات (السلطة و المنظمة..)، و وحدة الرِّباط أمام التناقض الرئيسي، وما نحن إلا على العتبة التي إن اجتزناها وصلنا وإن ترددنا أواستمعنا للمخرّصين المتذمرين المرتعشين أصحاب الفتن انتكسنا.
لقد استطعنا أن نحقق مكاسب ستة –باعتقادي- عبر حراكنا الموحد في القاهرة ما نرى بوادره المبشرة في الفعل والخطابات، أو كما قال الأخ عزام الأحمد (موحدون في الشكل والمضمون) لكل أعضاء الوفد – مع التحفظ على بعض التصريحات السلبية لبعض الفصائل خاصة من خارج الوفد – ما يظهر أننا بدأنا نؤسس لحالة من “الوعي” المشترك والحوار المشترك (نأمل دوامها)، وما يعنيه ذلك من وعي ديمقراطي متزايد، وبناء آليات اتصال تحقق المعادلة الثلاثية المتمثلة في “التقبّل والتفهّم والتجاور” للأفكار و الآراء هذا أولا.
أما ثانيا فان الحوار والرأي والرأي الآخر ليس بالضرورة أن يُحدِث التناغم أو التناسق، ولكن ذلك لحسن الحظ فلقد ظهر مثل هذا التناغم من خلال العمل والنتائج حتى الآن على الأقل، مما يجعلنا نضع سمة التناسق و التناغم و ترتيب الخطوات أساسا لأي وحدة في مواجهة الأخطار.
أما ثالثا فان الخطاب الموحد قد أعلن عن نفسه واحتفظ الإخوة بخلافاتهم في الداخل ما هو تعبير أصيل عن مفهوم الوحدة مقابل التناقض الرئيسي وإبقاء النقد في اطار التناقض الثانوي في مجاله وعبر أطره.
أما النقاط الثلاث الأخرى فتمثلت بعملية “عزل” الفكر الاقصائي الذي لا يرى غيره سواء لأسباب مصلحية، أو ذاتية في عمقها الكِبر والهوى، أو ارتباطات خارجية أو لدوافع فكرانية (أيديولوجية)، كما تمثلت بعزل أصحاب الفكر التفريطي الذين ظنوا أن الاستسلام والخضوع والانصياع هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، كما تم عزل دعاة الفتنة والفُرقة وتجار الانقسام الذين ظهروا بقوة فترة الحرب على غزة وما زالوا يُطلّون علينا في الفضائيات، ومن شبابيك وسائل التواصل الاجتماعي لعلهم ينتصرون، وما هم بمنصورين ان شاء الله .
إن التأصيل لفكرة “الوعي والعزل” -التي عنونّا فيها هذا المقال السياسي- أو فكرة التخلِية بشكل عام في الأفراد والجماعات والتنظيمات، قد جاءت من أخت كريمة متخصصة شاركتنا كما شاركنا عدد من الأخوة في بناء هذا المقال حسب ما طلبنا، إذ أرسلت لتقول نصا: (ببساطة شديدة يجب أن نعي أن الكون مبني على معادلة الاختلاف والتعددية، وأهم عنصر من عناصر تلك المعادلة هو “تقبل الآخر” بسلبياته قبل ايجابياته بحيث لا يؤدي هذا الاختلاف إلى خلاف ونزاع، وهناك آيات كثيرة في القرآن الحكيم تدل على هذا المفهوم فلننظر للخلق لتعدد ألوان الورود وتعدد أنواع الحيوانات وتعدد أنواع الشجر ووووو، ولن تجد الوحدانية إلا في الذات الإلهية، ولو أراد الله أن يخلق البشر بلون واحد أو لغة واحدة أو دين واحد لفعل لكنه خلقنا شعوبا وقبائل وأرسل لنا عدة أنبياء ورسل وأديان مختلفة لنتعارف ونتعايش برغم الاختلاف).
وتضيف قائلة (إذ أنه حينما نتقبل فكرة الاختلاف نسعى للعمل على فكرة التعايش مع الآخرين رغم اختلافهم عنا ورغم سلبياتهم بجانب ايجابياتهم وهذا يتطلب منا الصبر ثم الصبر ثم الصبر ثم استيعابهم ضمن الجماعة أو المجموعة أو المجتمع).
 (إن الجماعات تتكون من أفراد، والسلوك (أكان خيرا أو شرا) تتحكم فيه النفس البشرية وبما أن كلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته، فيجب علينا كأولياء أمور أو معلمين أو كتاب أومسؤولين سياسيين وغير سياسيين كل حسب موقعه، تهذيب هذه الأنفس البشرية بطرق مختلفة أولها أن نبدأ بأنفسنا وإلا سنكون كمن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم .وأول عقبة يجب أن يتخلص منها كل منا هي صفة الكِبر “والهوى” التي تقوي الأنا وتولد الأنانية وحب الذات المَرَضي الذي يؤدي للعصبية القبلية والتعصب الأعمى والعنصرية وعدم الاستماع للرأي الآخر وعدم تقبل الآخر بل كره كل مخالف والحقد عليه).
 (إذا الحل بتطبيق قاعدة” التخلِية قبل التحلِية” أي أن نغير أنفسنا قبل المطالبة بتغيير الآخر بان نتخلص من الأنا والكِبر والتعصب والكراهية واستبدالها بتقبل الاختلاف والتعددية والتعايش والمحبة للآخر المخالف “ما يتفق مع القاعدة التي أشرنا لها بثلاثية: التقبّل والتفهّم والتجاور” . وتضيف خاتمة مداخلتها الثرية: إنهما طريقين لا ثالث لهما، ولك كانسان أن تختار إما أن تكون مع الإيجابيين المعمرين في الأرض أو تختار أن تكون مع السلبيين المفسدين في الأرض).