الرئيسية / وجهات نظر / المال «السياسي» في تونس
08254062b71596d1680e1d75e3cfb30f

المال «السياسي» في تونس

مثل كل الدول التي تعاني من هشاشة هيكلية إن صلب الدولة أو صلب السلط المكوّنة لنظام الحكم، فإن تونس تعرف وعرفت، ما يُسمّى بالمال السياسي.
والمال السياسي بالنسبة الى أنظمة هشّة أو دكتاتورية مثلما هو حال تونس قبل وبعد الثورة، هو مال لا يعكس إنتاجا ولا صناعة ولا تنمية ولا يعني قوّة العمل لخلق الثروة، بل هو نتاج أجندات وحسابات سياسية، أكثر من شجّع عليها هو النظام العالمي الجديد بالخصوص، وهو نظام ينطلق من مقولة: «دع الأمور تتعفّن.. وابتعد قدر الإمكان عن مؤسسة الدولة».
المال السياسي في بلدان مثل تونس، هو الموكّل إليه تنظيم الحياة السياسية وتأمين الديمقراطية، وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية. إذ لا يهمّ كثيرا أن يكون المال وافدا على تونس، خارج القنوات الرسمية، ولا يهم إن استعمل هذا المال السياسي في دعم إمكانيات هذا الحزب أو ذاك، وهذه الجمعية أو تلك، المهم، أنه وبالمحصّلة، تطبّق أجندة رئيس صاحب المال..
ذلك أن صاحب المال هنا ليس هو صاحب الأجندة كما يعلم الجميع بل هو المأمور بتطبيق الاستحقاق المالي وإسدائه الى من يؤشر له صاحب المشروع، أي صاحب الأجندة.
هذه دوامة حقيقية تردّت فيها تونس، ولا يهمّ إن تصوملت البلاد أو اكتوت بنار الإرهاب، فقد يكون هذا الأمر  مطلوبا أصلا، من أجل أن يغرق من يفوز بالانتخابات في أتون التخلّف والترميم.
هذه متاهة بأتمّ معنى الكلمة، تعيشها تونس، على وقع جهل تام بالمعطيات الجغرافية ـ الإستراتيجية، من السّاسة ومن جلّ الأحزاب، وكذلك على «هدي» أهل الصدفة في العمل السياسي والشأن العام، لأن المرحلة كما الأجندة المجهّزة من وراء البحار، تقتضيان أن يكون أهل الدار آخر من يعلم بها وأن يكون القادة السياسيون على درجة من الهشاشة والجهل بالمعطيات والحلول، بحيث كلّما طلب منهم طلب، إلا ونفّذوه دون نقاش.
المال السياسي لم يمسّ الأحزاب من الخارج فقط، بل إن أصحاب المال في تونس، وبما أنه مال لا يعكس قوة عمل وإنتاج، فإننا نرقب انسياب هذا المال، في كثير من الأحيان، الى حيث قوة ومركز السلطة، وبذلك يكون الانتقال الديمقراطي، أمرا هلاميا ومسرحية سيّئة الإخراج.
هذا المشهد غير المؤسس على أسس ونواميس واضحة، هو الذي من شأنه أن يؤثر سلبا في الناخب التونسي، حيث نجده يتلحّف بالقنوط والاستقالة والتأزّم كذلك.
المال السياسي، هو الوسيلة التي تغيّر وجه الانتقال الديمقراطي فتزوّره في غير اتجاه إرادة الشعب.
المال السياسي في تونس حقيقة وليس وهما، وهو الوسيلة والسبيل لعدد من الأحزاب حتى تنال أصوات الناخبين وبعدها لن تقدّم لهم الحكمة، لأنها وبكل بساطة سوف تطبّق الأجندة المذكورة، وهي أجندة تنقذ منظومة الرأسمالية العالمية المتوحّشة، على حساب المنظومة الاجتماعية الليبرالية المعدّلة.
هكذا نرى المال السياسي غولا يمسخ المشهد السياسي والاجتماعي في تونس، ويمنع وضع سؤال الحيرة تجاه من يدرّ هذا المال وباتجاه من ومن أجل من؟
“الشروق” التونسية