الرئيسية / وجهات نظر / وساطة الصحراء في الدائرة المغلقة
73723158232ce8e63a27e4e1b70c39a3

وساطة الصحراء في الدائرة المغلقة

زيارة الموفد الدولي كريستوفر روس المرتقبة إلى المنطقة ستكون مختلفة عن سابقاتها، أقله أن الديبلوماسي الأميركي المكلف استئناف مفاوضات الصحراء العالقة يرغب في اختراق حاجز المأزق، من خلال جذب الرباط و”بوليساريو» إلى طاولة ثنائية في فترة أولى، تلتحق بهما الجزائر وموريتانيا بعد إحراز تقدم ما، ولا تصبح الصورة مكتملة إلا عبر اتفاق الأطراف كافة.
هكذا صيغة جربت أكثر من مرة في إطار محادثات سرية وعلنية دارت في عواصم إفريقية واستضافتها العيون ومراكش وطنجة، من دون حدوث اختراق كبير في المواقف، لأن سقفها كان محدوداً في امتزاج الرأي حيال ما يريده كل طرف، وفيما كانت الرباط تتمسك بأن المحادثات تهدف الى تشجيع المنتسبين إلى «بوليساريو» على العودة إلى المغرب في إطار صيغة وفاقية، كان أقصى ما تتوخاه الجبهة أن يتم الاعتراف بها كمحاور. غير أن الجولات جميعها لم تكن برعاية الأمم المتحدة، بل نتاج وساطات، عبدت الطريق في مرحلة أولى أمام انفراج العلاقات المغربية – الجزائرية وتأسيس الاتحاد المغاربي، لكنها أخفقت في إنهاء المشكل.
لم تنطلق المفاوضات لاحقاً بإشراف الأمم المتحدة، إلا في نطاق مبادرة أقرها الوسيط الدولي جيمس بيكر للبحث في مخرج لائق، ودارت حول خطة الاستفتاء التي واجهت صعوبات حقيقية في التنفيذ، ما دفع بيكر إلى اقتراح حلول بديلة في مقدمها الحكم الذاتي أو العودة إلى خيار الاستفتاء، وترك الباب مفتوحاً أمام احتمال نفض الأمم المتحدة يدها من نزاع طال أمده من دون جدوى. لكن خلفه الديبلوماسي بيتر فان فالسوم الذي يعتبر أول من رعا المفاوضات حول مفهوم الحل السياسي البديل، توقف أمام خلاصة أرضت الرباط وأغضبت «بوليساريو»، مفادها أن استقلال إقليم الصحراء «ليس حلاً واقعياً».
روس عمل بأسلوب خاص، تجنب إحراج أي طرف، لم يبدأ وساطته من خلاصات فالسوم، ولم يلغها من الاعتبار. فقد جرب منهجية الدفع بالأطراف المعنية إلى استنفاد خلافاتها بأمل إيجاد مناخ جديد يصفه بمنهجية معاودة بناء الثقة. ولم يفصح أبداً عن أسلوبه عدا ما يتعلق بالطبيعة الوفاقية لأي حل. وسواء كان يرغب في اعتماد فك الارتباط بين تشابك الملف إقليمياً أو الانطلاق من تحقيق اختراق جزئي يفسح في المجال أمام طرح مبادرة كبيرة، فالثابت أن البعد الإقليمي، بخاصة أزمة الثقة العميقة بين المغرب والجزائر، ستؤثر في مسار أي مفاوضات. وفي غياب تفاهمات كبرى بين البلدين الجارين يصعب التوصل إلى انفراج يعزز حظوظ الحل السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة في التحول إلى خريطة طريق تلتزم الأطراف كافة تنفيذ بنودها.
عند أي محطة في الحوار بين المغرب والجزائر، تبرز قضية الصحراء عائقاً. واضيف إليها تباعد المواقف حيال مسألة الحدود البرية المغلقة وصراعات التعاطي مع الأوضاع الأمنية المتدهورة في منطقة الساحل ليزيد الأمور تعقيداً. وإن كان الراجح أن العقدة الأكبر تطاول ملف الصحراء. وعند أي محطة مماثلة بين المغرب و»بوليساريو» وإن اختلفت طبيعة المحادثات والإطار الذي يحفها، تبرز أيضا قضية الخلافات المغربية – الجزائرية. فالرباط تريد من الجزائر أن تكون طرفاً مباشراً في جولات المفاوضات، أقله أنها تستضيف المنتسبين إلى «بوليساريو» على أراض واقعة تحت نفوذها، بينما ترد الجزائر أنها أبعد ما تكون طرفاً في المشكل والحل على حد سواء.
يدرك الموفد روس تأثير هذه الخلافات جيداً، لذلك استندت قرارات مجلس الأمن الدولي إلى وصفته حول تعاون الأطراف مع الأمم المتحدة، إذ تركز في المقام الأول على تعاونها مع بعضها. وليس هناك أي مجال للتعاون خارج الاتفاق على آليات ومضمون ومرجعية الحل السياسي، ما تختزله الدعوة الصريحة للقرارات ذات الصلة حول حتمية وضرورة التعاون مع الأمم المتحدة. غير أن التعاون بين الرباط والجزائر يظل عالقاً، فالبلدان الجاران لم يقدرا على الاتفاق على مجرد معاودة فتح الحدود بعد عشرين سنة على إغلاقها، فكيف يستطيعان مواجهة خلافات أعمق تشمل قضية الصحراء، عدا أن مسؤولياتهما مشتركة في الإبقاء على حال الجمود التي يجتازها الاتحاد المغاربي؟
هل كان خطأ أم قراراً محسوباً أن الاتحاد المغاربي نأى بنفسه عن الخوض في قضية الصحراء التي تعكر الأجواء بين أكبر بلدين مغاربيين؟ في أي حال فإن وجود الملف على طاولة الأمم المتحدة يجنب الشركاء المغاربيين أي حرج. ويبدو أن روس الذي يدرك حساسية الموقف وتداعياته الإقليمية يراهن على فصل بعض خيوط التشابك، وإن كان يدرك أنها تقود إلى نقطة الدائرة الأولى المغلقة.
“الحياة” اللندنية