الرئيسية / وجهات نظر / غزة الكارثة والبطولة: ماذا عن الانتصار؟!
68f58f1889954bc29933503ec7a3abc0

غزة الكارثة والبطولة: ماذا عن الانتصار؟!

مصطلح الكارثة والبطولة تطلقه (إسرائيل) على إحياء ذكرى اليهود الذين قتلهم الوحش النازي في الحرب العالمية الثانية والذي تم اختيار يوم الرابع عشر من نيسان بالتقويم العبري لإحياء هذه الذكرى لأنه يمثل بداية تمرد غيتو وارسو.
وقد اخترت هذا العنوان تحديداً للتشابه الكبير بين ما حل بفلسطينيي غزة على يد الاحتلال الإسرائيلي الوحشي والبربري وما حل باليهود وغيرهم في الحرب العالمية الثانية.
فما حل بقطاع غزة لا يقل مأساوية عن جرائم النازية التي اعتمدت سياسة الإبادة الجماعية ضد المدنيين، وإذا كان هناك فرق في الطريقة والأعداد فالفكرة هي نفسها حرق وقتل وإبادة لأحياء سكنية وقرى وعائلات ومواطنين لا ذنب لهم إلا لكونهم فلسطينيين موجودين في مناطق بها مقاومة.
وما حصل في الحرب الأخيرة بكل المقاييس يعتبر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ليست بحجم جرائم النازية طبعاً ولكنها لا تقل سوءاً وبربرية، والمصيبة أن من يرتكبها لا يزال حتى اللحظة يتذكر ما فعلته النازية به ويحمل العالم المسؤولية عنه ويحصل على الدعم والتعاطف بسببه، ومهما حاولنا التخفيف من وطأة جريمة الاحتلال لا يمكن وصفها بأقل من ذلك.
عدد الشهداء والجرحى الكبير وحجم الدمار الذي طال كل شيء له علاقة بحياة الناس والمدنية عموماً ليس مجرد أرقام عن خسائر بل هو تعبير عن مأساة وكارثة إنسانية هائلة تشكل وصمة عار كبيرة في جبين سلطات الاحتلال وجبين كل الداعمين لها وفي جبين المجتمع الدولي وفي المقدمة الدول المتقدمة التي تقود العالم.
ولا يمكن محو هذه النتائج المفجعة بمجرد اتفاق على وقف إطلاق نار أو حتى برفع الحصار وتحقيق المطالب الفلسطينية المتعلقة بوقف إطلاق النار ففي كل عملية قتل أو جرح أو هدم قصة إنسانية تتعلق بحياة وذكريات وكينونة لا يمكن لأي وصف أن يمنحها حقها ويعيد لها الروح.
وما أظهره الشعب الفلسطيني من صمود وبطولة لا شك سيؤرخ له في سفر التاريخ كمعجزات اجترحها شعب أعزل بأبسط الوسائل بالمقارنة مع عدو مدجج بأحدث آلات ومعدات القتل والتدمير وبنفوس ملآى بالكراهية والحقد إلى مستوى الهوس.
والاحتلال يعترف بشكل خجول وجزئي بفشله الذريع في تحقيق ما وضعه كأهداف لهذه الحرب المدمرة وخاصة القضاء على المقاومة وتجريدها من السلاح وجلب الهدوء للبلدات والمدن الإسرائيلية وفرض معادلة جديدة تنهي الوضع القائم مع قطاع غزة منذ سنوات. والإنجاز ال(إسرائيل)ي الوحيد إذا كان هدفاً سرياً وغير معلن للعدوان هو قتل عدد كبير من المدنيين وهدم مقومات الحياة في قطاع غزة. وارتكاب جريمة بشعة ضد الإنسانية.
 (إسرائيل) ستدفع ثمن هذه الحرب البربرية مهما طال الزمن ووضعها الآن في الرأي العام الدولي أسوأ مما كان في أي وقت مضى، وهناك تحولات كبرى في نظرة المجتمعات الدولية لهذه الدولة الاحتلالية المجرمة، وهذا بدا واضحاً في التظاهرات الكبرى التي جرت في مختلف مناطق العالم بما فيها الولايات المتحدة الأميركية التي شهدت تظاهرة كبيرة توجهت نحو البيت الأبيض في واشنطن.
كما أن استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات يهودية أظهرت تحولاً عميقاً وجوهرياً في موقف شعوب العالم نحو (إسرائيل) على نحو يقلق كثيراً كل من يهتم بمصالح دولة الاحتلال.
ومن وجهة نظر المؤسسات الحقوقية الدولية تعتبر جرائم (إسرائيل) في غزة بمثابة جرائم حرب يحاسب عليها القانون الدولي، وقد بدأت السلطات الإسرائيلية تستعد للدفاع عن نفسها في تقارير التحقيق والقضايا التي ستوجه ضدها خلال الفترة التي تعقب انتهاء الحرب. وقيام دول في أميركا اللاتينية بسحب سفرائها من (إسرائيل) وإعلان بريطانيا عن نيتها إعادة النظر في تزويد (إسرائيل) بالسلاح والمعدات المتطورة، وقرار إسبانيا وقف بيع (إسرائيل) أسلحة ووسائل إلكترونية بدون ريب هي صفعات توجه لحكومة نتنياهو وإقرار غير مباشر بوجود جرائم حرب نفذتها (إسرائيل) بحق المدنيين الفلسطينيين.
كما سيترتب على فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق الأهداف المعلنة للحكومة تبعات على الائتلاف الحكومي القائم وعلى مستقبل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وعلى حزبه في الانتخابات القادمة، فهو كان مسلحاً بدعم الحكومة وبدعم أغلبية ساحقة من الشعب الإسرائيلي تزيد على 85% لاستكمال الحرب حتى القضاء على المقاومة ولكنه لم يستطع فعل ذلك، ولم يكن بمقدوره حسم الحرب لأن الموضوع يتعلق بالشعب الفلسطيني وليس بمجموعة هنا أو هناك.
وإذا كانت (إسرائيل) لم تنتصر في حربها ولم تسجل سوى تدمير عدد من الأنفاق التي اكتشفتها على الحدود، وهي أنفاق يمكن بناء مثلها وأكثر منها مع الوقت، فماذا كان انتصارنا؟ هل مجرد إفشال المخطط الإسرائيلي هو انتصار؟ وهل قصف مناطق إسرائيلية واسعة وجعل قسم كبير من الإسرائيليين الذي يعيشون في المناطق المحاذية لقطاع غزة يغادرون منازلهم إلى مناطق أخرى وبقاء المتبقين في الملاجئ لساعات طويلة خلال فترة الحرب هو الانتصار؟
وهل رفع الحصار عن قطاع غزة هو النتيجة التي نريدها للتعويض عن خسائرنا الفادحة؟ ألم يكن بالإمكان رفع الحصار أو تخفيفه بصورة كبيرة من خلال تطبيق بنود اتفاق المصالحة وتمكين السلطة من الإشراف على المعابر؟ هذه أسئلة قد لا تجد أجوبة اليوم ولكنها تستحق أن ينظر فيها وتدرس إذا كنا نريد تقييم نتائج هذه الحرب التي لم تنته وإن كانت المؤشرات تشير إلى قرب الاتفاق على وقف إطلاق النار بشكل دائم.
ولكن في كل حال إذا لم ترتبط النتائج بحل القضية الفلسطينية من كافة جوانبها وإذا لم تحقق اختراقا حقيقيا في هذا الموضوع سيكون انتصارنا معنويا وجزئيا فقط وليس بحجم التضحيات الهائلة التي قدمناها.