الرئيسية / وجهات نظر / برلمان يجمع شمل ليبيا.. لا ليفرقه
6402dc873b935fd9b34385666a5ae79e

برلمان يجمع شمل ليبيا.. لا ليفرقه

أن تتمكن الدولة الليبية، في ظل ظروفها الأمنية الصعبة للغاية، من إجراء انتخابات البرلمان، فهذا مما لا بد أن نحسبه لها، بأي معيار، وأن يذهب الليبيون إلى انتخاباتهم، ثم تخرج نتائجها النهائية بالشكل الذي خرجت عليه، فهذا أيضا مما لا بد أن نحسبه لهم بأي مقياس.
فما تمر به ليبيا، منذ سقوط العقيد القذافي، كان يرشح انتخابات مجلس النواب عندهم للتأجيل إلى ما شاء الله، وما يرتكبه المتطرفون من كل ملة، على أرضها، كان يرجح أن تواجه عملية الانتخاب في حد ذاتها استحالة كاملة.
غير أن الليبيين كانوا، فيما يبدو، مدركين لحقيقة مهمة، هي أن خروج بلدهم من هذه الدوامة التي وجدوا أنفسهم فيها، لما يقرب من ثلاثة أعوام، لن يكون ممكنا، إلا إذا بدأوا في بناء مؤسسات دولتهم بأنفسهم، وإلا إذا بدأوا بالبرلمان بوصفه المؤسسة الأهم، إذا ما تكلمنا عن مؤسسة تشرع القوانين التي تنظم حياة الناس، وتراقب أداء الحكومة وإنفاقها العام.
وأحسب أن المفاجأة الأهم في نتائج الانتخابات، التي أعلنتها أخيرا المفوضية العليا المختصة بهذا الشأن، أن البرلمان الجديد إذا كان يضم 200 عضو على مقاعده، فإن 23 مقعدا منها فقط، كانت هي كل نصيب الإسلام السياسي عن آخره، وبكل أطيافه، سواء كان «إخوانا»، أو غير «إخوان»!
نسبة كهذه، تظل كاشفة في سياقها، وتظل تقول لنا إن الناخب الليبي، حين توجه إلى صناديق الاقتراع، كان يتوجه لها، وهو غير مؤمن في أغلبيته بـ«الإخوان»، ولا بغيرهم، من لونهم، ممن يتحدثون باسم الإسلام ساعات الليل والنهار، فإذا ما تلفت المواطن حوله، في أي بلد عربي، وليس في ليبيا وحدها، عن رصيد لكلامهم على الأرض، أو في تعاملاتهم مع سائر المواطنين، اكتشف أن الرصيد صفر من النوع الكبير!
كان الناخب الليبي قد ذهب يدلي بصوته، وهو عازم، في أغلبيته المطلقة، على أن يمنح صوته لأي مرشح، من أي اتجاه سياسي، إلا أن يكون هذا الاتجاه هو الإسلام السياسي الذي يتمسح أصحابه بالدين، في كل أحوالهم، ولا ينظرون إليه إلا بوصفه أداة تصل بهم إلى الحكم، ولا يقيمون لتعاليمه، ولا لمقاصده العليا، أي وزن، إذا ما جاءوا ليتعاملوا مع آحاد الناس في عمومهم، أو إذا ما جاءوا ليتعاملوا مع وطن هو بطبيعته لجميع أبنائه دون تمييز بين أي منهم على أي أساس.
هذه المعاني كلها على بعضها، لا بد أنها كانت في أذهان غالبية ناخبي ليبيا الكاسحة، وكانت ماثلة أمام أعينهم على مدى الطريق الممتد بين بيت كل واحد فيهم ولجنته الانتخابية التي كان عليه أن يصوت لبلده فيها.. وحين أقول إنه كان يصوت لبلده، لا لمرشحه المفضل، ولا لدائرته الانتخابية، فإنني أقصدها، لأن النتائج في صورتها النهائية تقول بهذا، وتقطع به، إذا ما تحدثنا عنها بلغة الأرقام.
وإلا.. فما معنى أن يكون لـ«الإخوان»، ولسائر تيارات الإسلام السياسي هناك، هذا الصخب، وهذا الصوت العالي، وهذا الضجيج، ثم يكون كل حظهم من مقاعد البرلمان أقل من واحد على ثمانية من إجمالي المقاعد؟!
معناه، أو من بين معانيه، أن هذا هو حجمهم الحقيقي على الأرض، وأن الكلام عن أنهم يمكن أن يحكموا البلد وحدهم، إنما هو كلام من نوع الدعايات الفارغة التي برعوا فيها، ليس في طرابلس وحدها، بوصفها عاصمة البلاد، ولكن في كل بلد عربي آخر.. ثم إن من بين معانيه كذلك، أن الإسلام السياسي في مجمله، سواء كان «إخوانا» أو غير «إخوان»، لا يزيد عند التقييم الأخير، ومن خلال انتخابات علنية ومفتوحة، عن كونه تيارا محدودا ضمن تيارات أخرى من الواضح أنها صارت محل تفضيل عند الناخب في عمومه، بعد أن رأى الموت بعينيه على أيدي الإسلاميين!
جاءت انتخابات برلمان ليبيا الجديد، لتكون كاشفة، بقدر ما جاءت لتكون قادرة على الفرز الدقيق أمام الليبيين أنفسهم، قبل أن تكون كذلك، أمام العالم من حولهم.. جاءت لتقول إن الإسلاميين الذين أرادوا السطو على البلد، وحدهم، كما حاولوا الأمر نفسه في عواصم عربية أخرى، لا يتجاوز حجم وجودهم في الشارع الليبي واحدا على ثمانية من إجمالي مقاعد البرلمان الجديد.. بل أقل من ذلك بمقعدين!
وبقدر ما كنت سعيدا بالنتيجة، وبإيحاءاتها، كنت، وما زلت، قلقا من الكلام عن أن نسبة من المقاعد التي لم تذهب للإسلاميين قد فازت بها شخصيات توصف بأنها فيدرالية، وأن وجودها في الجسد التشريعي الليبي إنما يحدث لأول مرة، وأن وجودا لها على هذا المستوى سوف ييسر لها بسط أفكارها عن طبيعة نظام الحكم في ليبيا في المستقبل.
لقد فاز الإسلاميون بـ23 مقعدا، ليتبقي 177 مقعدا فاز بها ليبراليون، ومستقلون، وفيدراليون.. ولا أعرف، في الحقيقة، نسبة الفيدراليين، قياسا على نسبة الليبراليين والمستقلين، ولكن ما أعرفه أنهم، أقصد الفيدراليين، يطالبون بإلغاء الحكم المركزي في ليبيا، ليحل محله الحكم الفيدرالي الذي يعطي لكل إقليم رئيسٍي من أقاليم الدولة حكما فيدراليا يتيح بطبيعته قدرا من الاستقلالية الكبيرة للإقليم، في التصرف في كل الأمور العامة، دون الرجوع إلى عاصمة الدولة!
إنني أدرك أن مركزية القذافي المفرطة قادت البلاد إلى وضعها المأساوي الحالي، غير أن معالجة أخطاء الماضي لا تكون بالذهاب إلى العكس تماما، وعلى طول الخط، وبزاوية 180 درجة، فهناك أمور وسط تستطيع بها ليبيا كدولة ذات مساحة شاسعة، أن تتوازن لفترة، تحت حكم قوي في العاصمة، يلملم جراح البلد، ثم يكون بعد ذلك ما يكون، من خلال حوار يدور بين الليبيين كلهم، ليقرروا هم، وعبر حوار هادئ، في أجواء مواتية، ما يحقق صالحهم العام.
الكلام عن الفيدرالية، كنظام حكم، في البرلمان الليبي الجديد، يجب أن يجري بحرص شديد، وفي يقظة كاملة، حتى لا يأخذ ليبيا إلى ما لا تحبه، ولا نرضاه لها.
“الشرق الأوسط”