الرئيسية / وجهات نظر / لماذا الشجاعية؟
d62cc0a50f6604c2b2aa239eda0cf7fe

لماذا الشجاعية؟

“لا تنخدعوا.. لا تنخدعوا.. لا تنخدعوا”، بهذه الكلمات خاطب السيد “عبد الله المعلمي” السفير السعودي مجلس الأمن، أثناء مناقشته العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة، متصدياً لمقولة حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها، التي يرددها الرئيس “أوباما” ووزير خارجيته “كيري”، ورؤساء وزراء بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وغيرهم من القيادات الأوروبية، حتى أصبحت هذه المقولة جملة دون معنى، فإسرائيل لا تدافع عن نفسها، بل تدافع عن احتلالها للأراضي الفلسطينية، وتعرقل جميع الجهود -حتى الأميركية والأوروبية- لحل القضية الفلسطينية، وأميركا تعرف ذلك قبل غيرها، فإذا كان من حق إسرائيل الدفاع عن احتلالها، فلماذا يُحرم الفلسطينيون من التصدي لهذا الاحتلال، لاسترجاع حقوقهم المشروعة، ولإقرار قرارات الشرعية الدولية، لكن زعماء الغرب ينافقون لإرضاء المنظمات الصهيونية، ويبررون العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، فرئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو”، يكذب ويخادع حين يقول بأن العملية العسكرية الإسرائيلية في القطاع انطلقت بعد استنفاد جميع الخطوات الأخرى، ويعترف أن لا ضمانات لنجاح هذا العدوان 100%، وحين يزعم “نتنياهو” بأن حرب غزة فرضت عليه فهو كاذب ومخادع، فإسرائيل هي التي افتعلتها باستفزازاتها واختراقاتها لاتفاقية التهدئة من عام 2012، فأي دفاع عن النفس بافتعال المجازر والمذابح، وهدم البيوت على من فيها، وهدم المساجد والمستشفيات والمدارس، بما فيها مدارس “الأونروا”التي لجأ إليها آلاف الفلسطينيين للحماية من آلة البطش الإسرائيلية، فلاحقتهم هذه الآلة، حتى أن أحد المراسلين وصف هذا الوضع بأنه أصعب من محارق النازية، بقتل الأطفال والنساء والمدنيين، إلا أن “نتنياهو” يتبجح ويقول أنه لا توجد حرب عادلة أكثر من هذه الحرب.
خلافات ومزايدات حادة داخل مجلس الوزراء الإسرائيلي الأمني، بين القبول بوقف النار، وبين التصعيد العسكري، فالأحزاب اليمينية المهيمنة على الرأي العام الإسرائيلي، تدفع لاستمرار هذا العدوان، بل تطالب باجتياح قطاع غزة بكامله، لكن الغريب أن نفس هؤلاء الذين دفعوا إلى العدوان، وبعد أن شعروا بخسائر الجيش الإسرائيلي، أخذوا يتساءلون اليوم: متى ستتوقف الحرب، ويدفعون للقبول بوقف النار، ويتساءلون أيضاً متى سيعود الجنود من نار غزة إلى ذويهم، فنفسهم على الصمود محدود، مرفهون ولا يتحملون المعاناة، قصيرو النظر، وهم يريدون رؤية نهاية النفق، الذي لا نهاية له بسبب احتلالهم وأطماعهم، وما أقوال “نتنياهو” بأن العدوان سيستمر حتى عودة الهدوء مجرد هراء، بينما اعترف المعلق الإسرائيلي “ناحوم برنياع”، بأن حركة حماس استطاعت جر إسرائيل وجيشها إلى غزة، لدفع ثمنٍ غالٍ من أرواح جنودها، “يديعوت احرونوت 18-7-2014” والصحفي “عاموس أرئيل” كتب في جريدة “هآرتس 18-7-2014″، حماس تجر إسرائيل إلى المجهول.
كانت توقعات الحكومة الإسرائيلية بأن المقاومة ستستجدي طلب وقف إطلاق النار، لكن هذه التوقعات تبخرت، وأصبحت إسرائيل هي التي تسعى لوقف النار، والدليل على ذلك إقامة وزير الخارجية الأميركية “جون كيري” في المنطقة، وتنقلاته المكوكية بين الدول المعنية لتحقيق هذا الهدف، فالعدوان على غزة بدأ بمبادرة إسرائيلية، ومع تغير المعادلة، أصبحت المبادرة بيد المقاومة، والجيش الإسرائيلي ينجر للدفاع عن نفسه، وكلما تعمق في غزة يتورط أكثر، وتزداد خسائره، فمسؤول عسكري إسرائيلي يقول:”نواجه عدواً مريراً، والمعارك أعنف مما دار بجنوب لبنان عام 2006″، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي يعترف بأن الحرب صعبة للغاية، وتشهد اشتباكات قاسية مع أن الجيش الإسرائيلي يحارب بكافة وحداته وأسلحته، بقواته البرية والبحرية والجوية، بينما يواجه مقاومة شرسة، فضراوة المعارك تلحق خسائر فادحة بالجيش الجرار، “يديعوت احرونوت 21-7-2014”.
في مؤتمره الصحفي هاجم “افيغدور ليبرمان” بشدة سياسة رئيس الوزراء “نتنياهو” واتهمه بأنه متردد، متحدياً إدارة “نتنياهو” للحرب على غزة، مطالباً باجتياح قطاع غزة بالكامل، والاستعداد للسير حتى النهاية، وتحطيم البنية التحتية لحماس “يديعوت احرونوت 17-7-2014″، وشارك “ليبرمان” بموقفه هذا وزراء اليمين الإسرائيلي، الذين يزايدون على”نتنياهو”، الذي يقف أمام جبهتين الأولى: داخل وزارته، والثانية داخل حزبه الليكود، حيث يُشتم رائحة انتخابات مبكرة للكنيست، يستعدون لها على حساب الدماء الفلسطينية، حتى أن “ليبرمان” دعا لاغتيال “خالد مشعل” –رئيس المكتب السياسي لحماس- وإن كان ذلك داخل الأراضي القطرية، محملاً “مشعل مسؤولية تمويل الهجمات التي أدت إلى مقتل عشرات الإسرائيليين، و”نتنياهو” يزعم بأن هذه الحرب فرضت عليه، وهي حرب اللاخيار.
العدوان طال جميع أنحاء القطاع، لكن التركيز كان بشكل خاص على منطقة “الشجاعية”، ومنذ البداية كان التوجه الإسرائيلي ينحو نحو تدمير “الشجاعية”، وتسويته مع الأرض، كما فعل الجيش عام 2006 بعدوانه على لبنان، وتدمير ومسح الضاحية الجنوبية في بيروت، وبعد توزيع المنشورات الإسرائيلية من الجو، ودعوة السكان لمغادرة الشجاعية وأحياء أخرى، لم تكتف بتدمير المنازل بل لاحقت الفارين بالقصف الذي أدى لقتل وجرح الكثير منهم، وملاحقتهم حتى في مدارس “الأونروا” التابعة للأمم المتحدة والتي تأوي الفارين من القتل من أجل القتل، ويبدوا أن الهدف هو الضغط على المقاومة للقبول بوقف النار بعد أن قصفت الشجاعية بمئة وعشرين قنبلة، زنة كل واحدة منها طناً، ومن أهم أسباب استهداف “الشجاعية” وجود مقاومة عنيفة من المسلحين، حيث تجري اشتباكات قوية ومن مسافات قصيرة، حيث يقوم المسلحون بتنفيذ عمليات لإيقاع أكبر قدر ممكن من القتلى والجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى ذلك، قربها من حدود الخط الأخضر، وهي منطقة حدودية، وأن معظم الأنفاق التي تتصل مع المستوطنات الإسرائيلية، تتواجد فيها.
لقد كشف الصحفي والمعلق البارز يوئيل ماركوس في جريدة “هآرتس 20-7-2014”: أن نشر أعداد القتلى والإصابات والخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي، في حربه على غزة، كانت ستُحدث ثورة في إسرائيل تحرق الأخضر واليابس، لكن مراقبة مشددة تمنع نشر أعداد القتلى الحقيقية، وهناك حالة من الإحباط إثر مقتل عدد كبير من الجنود، وجاء في جريدة “يديعوت احرونوت 20-7-2014”:”بينما يعتم الجيش الإسرائيلي على خسائره في بياناته الرسمية، لجأ الإسرائيليون لمتابعة الإذاعات والفضائيات العربية، ومواقع التواصل الاجتماعي الإسرائيلية، التي تنشر أعداد القتلى والإصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي، حتى أصبحت وسائل الإعلام الإسرائيلية، تنقل عن وسائل الإعلام العربية مجريات العدوان، إثر التعتيم الرسمي الإسرائيلي عن الخسائر الإسرائيلية والشائعات التي أخذت تروج أشعلت الشارع الإسرائيلي، واعتبر الجنرال المتقاعد “عاموس أرئيل” أن الحرب على غزة فشل قومي، متهماً “ليبرمان” بأنه خطير، ويحاول الحصول على ربح سياسي من خلال تصريحاته المتطرفة، ودعوته لمقاطعة المتاجر والمطاعم العربية في إسرائيل، “هآرتس 22-7-2014″، ونقل موقع “واللا العبري 22/7/2014″ أقوال جندي من لواء غولاني:” زحفنا وسط الشارع، ولم نكن نفهم من أين جاء المسلحون، فقد كنا نقاتل أشباحاً تخرج من تحت الأرض، يتحركون نحو ناقلات الجنود غير آبهين بالدبابات، ولا ندري ما نفعل، يخرجون إلينا ثم يختفون، ثم يخرجون مرة أخرى”، وحسب جندي آخر شارك في عملية إخلاء الجثث والمصابين الإسرائيليين في “الشجاعية” “كانت الحالة النفسية لجنود اللواء متكدرة وصعبة جداً”، وجاء في جريدة “معاريف 21-7-2014″، أن الجمهور الإسرائيلي أصيب بالذهول، ما أطلق عليه يوم الجنازات، من حيفا وحتى القدس”، وكتب المحرر العسكري لجريدة “يديعوت 20-7-2014” “رون بن يشاي”: “أن ما يصلنا من ميدان المعركة في غزة قاس وخطير، فحجم الخسائر التي يتكبدها الجيش كبيرة جداً، ومشاهد الفزع يهبط معنويات عائلات الجنود المتواجدين في المعركة، ويمس بقدرة تحمل الأهالي، كما أن نشر صور القتلى والجرحى، يعطينا شعوراً بالهزيمة، والحديث عن النصر هو حديث وهمي، وما تناولناه من توثيق على ألسنة بعض الإسرائيليين، هو غيض من فيض، وأن الجيش لم يحسم أي معركة، ويجد صعوبة في كسر سيطرة المقاومة، وكلما طال القتال ستصبح المعركة أصعب على الجيش، هذا الجيش الذي يمنع أية وسيلة إعلامية ولو كانت إسرائيلية تغطية ما يدور على أرض الواقع.
الخسائر والدمار الذي لحق بالفلسطينيين ليس بسيطاً، وفي كل عدوان يكثر الحديث عن جرائم الحرب الإسرائيلية، وطلب اللجوء إلى محكمة جرائم الحرب الدولية، والمطالبة بتحقيقات أممية، فقد قرر مجلس حقوق الإنسان الأممي تشكيل لجنة تحقيق في جرائم الحرب في غزة، لكن ومع أهمية هذه التحقيقات، فإننا نتساءل: ماذا وإلى أين وصل تقرير غولدستون في إدانة العدوان على غزة عام 2009؟ وإلى أين وصل قرار محكمة “لاهاي” الدولية الذي اتخذته ضد جدار الفصل العنصري، والممارسات الإسرائيلية التي لا تعد ولا تحصى في الأراضي الفلسطينية؟ فالقرارات الدولية تبقي دون تنفيذ، بفضل الولايات المتحدة التي تمنع تنفيذها من خلال الفيتو في مجلس الأمن فصواريخ المقاومة نجحت لأول مرة بإغلاق الأجواء الإسرائيلية، وقطعها عن العالم، وصواريخ المقاومة أجبرت 70% من سكان الجنوب اليهود على مغادرتها والتخوف من العودة إليها، “موقع واللا العبري 24-7-2014″، فإسرائيل لم تتعلم، ولا تريد أن تتعلم من حروبها الماضية، بأن ما يحقق لها الأمن، هو إنهاء الاحتلال، وحل القضية الفلسطينية من جميع جوانبها، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ودون ذلك فإن هذا المشهد سيتكرر.