الرئيسية / وجهات نظر / دور النزاعات والحروب في إعاقة التّنمية في إفريقيا
bf44ef7e38944654013ed4d4c6c82312

دور النزاعات والحروب في إعاقة التّنمية في إفريقيا

تقديم:
إذا كان بعضُ المؤرّخين للحضارات و المتابعين لمسيرتها – مثل أرنولد توينبـي (Arnold Toyenbee) – يذهبون إلى أنّ النّزاعَ و الحربَ من عوامل نشأة الحضارة، فإنّ ممّا لا شكّ فيه أيضا أنّهما من عوامل التّدهور و الانهيار للبناء الحضاريِّ ، ذلك أنّ الحرب عملٌ تخريبيٌّ لا يُسهم في الحال في البناء و التّعمير ، بل هي عائقٌ من عوائق التّنمية ، و لعلّ الأحداثَ التّي عاشتها دولٌ إفريقيّةٌ ماضيًا، و تعيشها كثيرٌ من الدّول في هذه القارّة حاضرًا، تشهد بما لا يدع مجالا للشّكّ بأنّ السِّلمَ شرطٌ أساسٌ في البناء الحضاريِّ للشّعوب ، أو قُلْ إنّه المدخلُ الأساسُ للتّنمية، أي البناء السّياسيّ و الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثّقافيّ. و قد أدركت القارّةُ الإفريقيّةُ هذه الحقيقةَ فخصّصت مساحةً في تصوّرها وتخطيطها لمعالجة قضايا النّزاعات والحروب في إطار عملها الوحدويِّ.
ونحن في هذه الدّراسة نروم البحثَ في إشكالية التّنمية عمومًا و ذلك بالوقوف على ماهيتها ومجالاتها في مرحلةٍ أُولى، و إلقاءَ نظرةٍ تحليليّةٍ تقويميّةٍ على قضايا السِّلم في القارّة الإفريقيّة والأداء الأمنيّ للاتّحاد الإفريقيّ في مرحلة تالية ؛ ننطلق من البحث في الإطار القانونيِّ لمسائل السّلم والأمن في هياكل منظّمة الوحدة الإفريقيّةِ سابقا و الاتّحاد الإفريقيّ حاليّا، و نتعدّى من ذلك كلّه إلى النّظر في مقدار ما حالف هذين الفضاءين الوحدويّين من نجاحٍ أو فشلٍ في تعاطيهما مع النّزاعات و الصّراعات بالقارّة ، و لكنّنا لن نظلّ في إطار التّقويم لا نتجاوزه ، بل نعتبر ذلك محطّةً ضروريّةً ننطلق منها إلى رسم استراتيجيّةٍٍ نحسبها أكثرَ فاعليّةً و نجاعةً في ترشيد الأداء الأمنيِّ للاتّحاد الإفريقيِّ، و هو ما من شأنه أن يُسهم في توفير الإطار المناسب لتحقيق التّنمية والتّقدّم.
1. إشكالية التّنمية :
1. 1. مفهوم التّنمية :
يُحيل مصطلحُ ” التّنمية ” (Développement) على تغييرٍ اجتماعيٍّ إراديٍّ للانتقال بمجتمعٍ مَّا إلى وضعٍ أفضلَ ممّا هو عليه واقعًا، و هو معنًى وثيقُ الصّلة بمعاني الزّيادة والنّماء والتّكثير المستفادةِ لغةً من مادّة (ن.م.ي)[i].
فمن التّعريفات المقدَّمة في بيان المفهوم العامّ للتّنمية ما أورده محمّد شفيق من أنّه ” عمليّاتٌ مخطّطةٌ وموجَّهةٌ في مجالاتٍ متعدّدةٍ، تُحدث تغييرًا في المجتمع لتحسين ظروفه وظروف أفراده، من خلال مواجهة مشكلات المجتمع ، و إزالة العقبات ، و تحقيق الاستغلال الأمثل للإمكانيّات والطّاقات، و بما يحقّق التّقدّمَ و النُّموَ للمجتمع و الرّفاهيّةَ و السّعادةَ للأفراد “[ii].
و يعرّف د. قيس المؤمن التّنميةَ في السّياق نفسِه بأنّها ” تلك العمليّة المتعدّدة الأبعاد ، التّي تتضمّن إجراءَ تغييراتٍ جذريّةٍ في الهياكل الاجتماعيّة السّلوكيّة و الثّقافيّة و النُّظـم السّياسيّـة والإداريّة، جنبًا إلى جنبٍ مع زيادة معدّلات النّموّ الاقتصاديّ، و تحقيق العدالة في توزيع الدّخل القوميّ و استئصال جذور الفقر المطلق في مجتمعٍ مَّا “[iii].
وتعني تنميةُ المجتمع في النّطاق الدّوليِّ ” العمليّات التّي توحَّد فيها الجهودُ الشّعبيّةُ مع السّلطات الحكوميّة، تحسينًا للأحوال الاقتصاديّة و الاجتماعيّة و الثّقافيّة للمجتمعات، و تحقيقًا لتكافُؤ هذه المجتمعاتِ في إطار حياة الأمّة ، و تمكينًا لها من الإسهام الكامل في التّقدّم القوميِّ “[iv].
يمكن أن نسجّل – انطلاقًا من التّعريفات السّابقة – جملةً من الأبعاد نعتبرها خصائصَ جوهريّةً للتّنمية، في النّقاط التّالية :
أوّلاً: البعدُ التّخطيطيُّ ؛ فالهدفُ من التّنمية هو تحقيقُ حياةٍ أفضلَ للشّعوب ، و لا يمكن أن يتمّ ذلك بشكلٍ فوضويٍّ عشوائيٍّ، وإنّما يتطلّب تخطيطًا مُحْكَمًا يضع الأهدافَ المتوخّاةَ، كما يضع الطّرقَ و الوسائلَ المؤدّيةَ إلى تحقيق الأهداف.
ثانيًا: البعدُ الاستثماريُّ؛ فالتّنميةُ عمليّةٌ استثماريّةٌ للأُطر استثمارًا مادّيًا وبشريًّا، وتتطلّب إنفاقَ مبالغَ هامّةٍ لكونها تستدعي التّوسّعَ في التّخطيط وفي تطوير وسائلِ الأداء والإنتاج المادّيّةِ والبشريّةِ.
ثالثًا: البعدُ الشّموليُّ؛ فالتّنميةُ ذاتُ أبعادٍ متعدّدةٍ تشمل مجمل أُطر المجتمع وفعاليّاته ونشاطاته و موارده.
رابعًا: البعدُ الزّمنيُّ ؛ فالتّنميةُ عمليّةٌ مستمرّةٌ يتطلّب تحقيقُها فترةً من الزّمن طويلةً، إذ إنّ إقناع الإنسان بضرورة اتّباع منهجٍ معيّنٍ و سلوكٍ معيّنٍ يستلزم فترةً ليست بالقصيرة.
خامسًا: البعدُ الرّفاهيُّ ؛ فالتّنميةُ تَرُومُ تحقيقَ الرّفاهيةِ للمجتمع، و ذلك بالسّعي إلى إحداث التّطوّر فيه بصورةٍ تقود إلى رفعِ مستوى المعيشة وتحقيقِ العدالة الاجتماعيّة والمساواةِ في توزيع الثّمار اْلمَجْنِيَّةِ، كلٌّ حسَب الدّور الذّي قام به. وبناءً على ذلك فإنّ التّنمية ذاتُ جاذبيّةٍ.
سادسًا: البعدُ الإداريُّ ؛ فالتّنميةُ تعتمد بدرجةٍ أساسيّةٍ على كفاءة الجهاز الإداريّ للدّولة؛ لأنّ الدّولة تقوم بِالْعِبْءِ الأكبرِ و المؤثّرِ في العمليّة التّنمويّة، دون أن يعني ذلك بمعنًى من المعاني انسحابَ الأفراد، بل يجب أن يؤدّي كلُّ فردٍ – ذكرًا وأُنثى – دورَه في تكاملٍ مع دور الدّولة، إذ التّنمية تتطلّب الاجتماعيّةَ في التّحرّك[v].
1. 2. مجالات التنمية :
أشرنا في ملاحظةٍ سابقةٍ إلى أنّ التّنمية تتّسم بالشّمولية ، و هي في شموليتها تلك تتمحور حول أربعةِ مجالاتٍ رئيسةٍ هي : المجال الثّقافيّ ، و المجال الاجتماعيّ ، و المجال السّياسيّ، والمجال الاقتصاديّ، و المجال الإداريّ.
1. 2. 1. التنمية الثقافية (Développement culturel) :
و نقصد بها تحسينَ المستوى الفكريّ لأفراد المجتمع رجالاً و نساءً من خلال تعميم التّعليم، ومحاربة الأُمّية، و النّهوض بالفنون و وسائل الإعلام و التّواصل[vi]، فيؤدّي ذلك إلى أن يتمكّـن الجميعُ من القراءة ومتابعة ما يجري في المجتمع وفي العالم. إنّ من شأن ذلك أن يحمل الأفرادَ على الشّعور بِهَمِّ المجتمع و المشاركة الإيجابيّة في النّهوض به.
كما تشمل التّنميةُ الثّقافيّةُ تربيةَ أفراد المجتمع على الأخلاق الفاضلة و الخصال النّبيلة، و لا يخفى ما للجانب الخلقيِّ والرّوحيّ من أهمّية في بناء المجتمع السّليم وتحقيق الأمن و الاستقرار فيه، فيسمو هذا الجانبُ بالإنسان إلى مراتبَ عُليا و آفاقٍ رَحْبَةٍ.
1. 2. 2. التنمية الاجتماعية (Développement social) :
و يُقصد بها جملة الإجراءات المتّخَذة لتطوير المجموعات البشريّة قصد ضمان الاستقرار الاجتماعيِّ الذّي يشكّل أرضيّةً لتحقيق أفضل مستويات التّنمية و أحسنها[vii] . و يكون ذلك بتنمية الأفراد اجتماعيًّا، بضرورة مشاركة الجميع في الأنشطة الاجتماعيّةِ والأعمال الخيريّةِ، و نشر ثقافةِ التّعاونِ و العملِ الجماعيِّ للنّهوض بالمجتمع.
1. 2. 3. التنمية السياسية (Développement politique) :
وجوهرُها تحسينُ قُدرات الأفراد للمشاركةِ السّياسيّةِ و الإسهامِ في اتّخاذ القرارات و رسمِ سياسة الدّولة بالشّورى وإبداء الرّأي في الانتخابات و الافتفاءات ؛ فالدّولة للجميع لا إقصاء فيها لأيِّ طرف، و عليه ينبغي أن يكون لدى الجميع وَعْيٌ سياسيٌّ لصنع الخطوط الرّئيسةِ لسياسـة الدّولة، و يقتضي ذلك كلُّه إرساءَ الفكر الديمقراطيِّ.
1. 2. 4. التنمية الاقتصادية (Développement économique) :
لا سبيل إلى تحقيق النّماء والرّفاهيّة دون عملٍ جادٍّ بنّاءٍ، و عليه فالتّنميةُ الاقتصاديّةُ ضرورةٌ لا مناص منها، فهي التّي تربّي الإنسانَ على حبِّ العمل و التّعلّقِ بالإنتاج بحيث يصير كلُّ ذلك مُسْتقِرًّا في الضّمير، فإذا بهذا الإنسان يسخّر كلَّ طاقاته الجسديّة و المعنويّة في سبيل الإنتاج[viii] ، لا يبدّد وقته في فراغٍ[ix] قاتل ، و إذا بمجموع أفراد المجتمع بكلّيتهم يتعاونون في استغلال كلِّ مواردهم البشريّة والمادّيّة للتّرقية بالمجتمع ترقيةً اقتصاديّةً ينتفي فيها الفقرُ و تتحقّق الاستقلاليّةُ الاقتصاديّةُ، و يَشِيعُ الوعيُ بالسّلوك الاستهلاكيِّ المتوازن بعيدًا عن الإسراف.
1. 2. 5. التنمية الإدارية (Développement administratif) :
هذه الشّعبةُ من شعب التّنمية ذاتُ أهمّية قصوى، وهي تعني تكوينَ قياداتٍ محلّيةٍ تكون لها كفاءةٌ عاليةٌٍ و مهارةٌ كبيرةٌ و خبرةٌ واسعةٌٍ ، للقيام بتنمية نُظم الإدارة و الدّولة و الإشرافِ على مرافقها و إرساء قواعدَ للمحاسبة و المراقبة بشكلٍ من شأنه أن يؤدّي إلى القضاء على جميع أشكال الفسادِ الإداريِّ الماليِّ و المعنويِّ[x].
وينبغي اتّباعُ العدل في اختيار القيادات، فلا محاباةَ ، و لا حَجْرَ على فردٍ لاعتبارات جنسيّة أو طائفيّة أو دينيّة، بل يوضع كلٌّ في المكان و الزّمان المناسبين[xi].
تتطّلب التّنميةُ في جميع المجالات المشار إليها جملةً من المتطلّبات لعلّ من أهمّها:
–   تحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع، ذلك أنّ المحرّكَ الأساسَ للتّنمية هو الإنسانُ، الكائنُ المسؤولُ عن مستوى الأداء ، و من ثمّ ينبغي إيجاد طاقةٍ خلاّقةٍ فيه ، و ذلك لا يحصل إلاّ بشعوره بعدم الظّلم[xii].
–  العملُ الجماهيريُّ، و يتمّ ذلك بشعور الأفراد بالهَمِّ المشترك فلا يرون أنفسهم إلاّ لبناتٍ تكمل بعضها بعضًا في البناء و التّشييد.
– الاستمراريّةُ و الرّقابةُ ؛ ذلك أنّ التّنمية بناءٌ يوميٌّ لا ينقطع، و رقابةٌ دائمةٌ للمنجَزات، وتصويبٌ لما قد يطرأ من خلل في منهج الأداء.
–  تكوينُ قياداتٍ محلّيّةٍ والتّركيز عليها في بناء التّنمية؛ فالتّنمية المستدامة لا تقوم إلاّ على أكتاف المواطنين، و عليه تَحَتَّمَ الاعتناءُ بالأدمغة المحلّيّة و توفيرُ الأرضيّة المناسبة لها منعًا من هجرتها و فرارها[xiii].
2. القضية الأمنية في إفريقيا :
تعتبر القارّةُ الإفريقيّةُ ساحة لوقائعَ مأساويّةٍ؛ فقد شهد هذا الجزءُ من العالم لفترة طويلة – ولا يزال يشهد – اضطراباتٍ داخليّةً وخلافاتٍ حدوديّةً خلّفت آثارًا سلبيّة على من بقي على قيد الحياة من شعوبه، و جروحا يبدو أنّه من الصّعب التّئامها و اندمالها؛ فالذّي يقرأ ما دوّن من أحداث إفريقيّة ويتتبّع ما تقدّمه وسائلُ الإعلام بمختلف أنواعها المسموعة والمقروءة والمرئيّة، يدرك أنّ كثيرًا من دول القارّة عانت تجاربَ قاسيةً من ويلات الحروب و أشدّ حالات العنف السّياسيّ، فضلا عن دولٍ أخرى مرّت بانقلابات عسكريّة بيضاء أو اغتيالات بين الحين والآخر.
وإذا كان المقامُ لا يسمح برصد الأسباب الكامنة وراء مجمل هذه الأحداث التّي طالتْ أماكنَ واسعةً من أجزاء القارّة، فإنّ بالإمكان الإشارة إلى بعضها، وكان معظمُ حالات العنف السّياسيّ في إفريقيا بسبب خلافات حدوديّة، أو قبليّة، أو دينيّة، أو عنصريّة، أو لُوجستيّة.
2. 1. الأسباب الحدوديّة :
تعرّضت دولُ القارّة الإفريقيّة إلى استعمارٍ بغيضٍ لفترات متفاوتة من طرف دولٍ أروبيّةٍ[xiv] هي: فرنسا، و بريطانيا، و إسبانيا، و البرتغال. و بإلقاء نظرة سريعة على خريطة إفريقيا يتّضح أنّ الدّول المستعمِرة عملت على ” تقسيم القارّة إلى دول تفصل بينها حدودٌ ذاتُ طبيعةٍ مختلفةٍ، فلم تزد نسبةُ الحدود الطّبيعة التّي تتماشى مع عوامل التّضاريس في القارّة عن 26% من طول الحدود، و وصلت نسبةُ الحدود السّياسيّة المعتمدة على خطوط الطّول والعرض إلى 44%، أمّا الحدود التّي وُضعت على أسسٍ رياضيّة فقد بلغت 30% “[xv]. و بالتّالي ورثت الدّول المستقلّة هذه الحدود الاصطناعيّة و كان ذلك باعثا على اندلاع بعض الخلافات الحدوديّة سنرى نماذجَ منها لاحقا.
2. 2. الأسباب القبليّة :
لقد خلّفت الصّراعاتُ بين السّود و السّود في إفريقيا منذ منتصف القرن العشرين ضحايا أكثر من ضحايا الصّراعات بين السّود و البيض، و في أغلب الأحيان كانت الصّراعات القبليّة أكثر دمويّة؛ فأسوأُ صراعٍ في إفريقيا السّوداء في التّسعينات كان بين الهوتو والتّوتسي، وبخاصّة حالات الإبادة الجماعيّة في رواندا[xvi] و بورندي[xvii]، التّي بلغت في القسوة حدّا لا يتصوّره العقلُ، وكان ذلك لأسباب عرقيّة. و يمكن اعتبار حرب دارفور[xviii] ضمن الصّراع العرقيّ، والصّراع في الصّومال ضمن الصّراع العرقيِّ الفرعيِّ أي بين عشائر أكثر منه بين قبائل.
وتعود أسباب الصّراع العرقيّ أساسا إلى عوامل الثّقافة ؛ فما جرى بين الهوتو والتّوتسي يندرج تحت الصّراع الثّقافي أي صراع الهويّة.
و في هذا السّياق ينبغي التّمييز بين المجتمعات من ناحية مكوّناتها العنصريّة، فنجد مجتمعاتٍ متعدّدةَ العناصر و أخرى ثنائيّة العناصر.
النّوع الأوّل مجتمعات تضمّ جماعاتٍ متعدّدةً معروفةً عرقيّا أو سلاليّا أو دينيّا أو ثقافيّا، أو بأيّ مقاييس أخرى.
و أما النّوع الثّاني فهو مجتمعات تضمّ جماعتين تشكّل أكثر من 80% من عدد السّكان. و قد يكون هذا النّوعُ من المجتمعات أكثر عرضة لصراعات خطيرة تظهر في أشكال مختلفة منها:
– إطالة نقطة الجمود أو المأزق بين الجماعتين كما في حالة قبرص في القبارصة اليونان والقبارصة الأتراك.
–  إطالة مدّة ثقافة الارتياب العرقيّ كما في حالة بلجيكا بين الفلمنكيّة والنّاطقين بالفرنسيّة.
–  إطالة مدّة التّوتّر والعنف بين الجماعتين كما في حالة إيرلندا الشّماليّة.
–  الإبادة الجماعيّة التّي ارتكبها الهُوتو ضدّ التُّوتسي في رواندا عام 1994 .
ويمكن أن تكون الثّنائيّةُ العرقيّةُ في المجتمع في كثير من الأحيان أكثر خطورة من التّعدّديّة، و المجتمع الثّنائيُّ له حدّ واحد قابل للتّفجّر، و أمّا المجتمع المتعدّد العناصر فيمكن مراقبتُه[xix].
2. 3. الأسباب الدّينيّة :
في حين تعتبر أسوأُ الصّراعات في إفريقيا السّوداء صراعاتٍ قبليّةً، نجد أنّ أسوأ الصّراعات في إفريقيا العربيّة صراعاتٌ دينيّةٌ، مثل ما تشهده الجزائر و مصر من صراع بين الإسلاميّين و العلمانيّين، و حصد ذلك الكثيرَ من الأرواح. و لكنّ هذا ليس حكرًا على إفريقيا العربيّة، إذ نجد صراعاتٍ دينيّةً كذلك في إفريقيا السّوداء ، مثل الصّراع الدّامي الذّي جرى في عام 2000 بين المسلمين و المسيحيّين في كَادُونَا بنيجيريا. و يبدو أنّ من أسباب الصّراع بين شمال كوت ديفوار وجنوبها السّببَ الدّينيَّ.
2. 4. الأسباب العنصريّة :
يرجع سبب التّصادم بين السّود و البيض في إفريقيا إلى الموارد ؛ فنظام الميز العنصريِّ (Apartheid) الذّي ساد في جنوب إفريقيا كان في أساسه حربا اقتصاديّة، فالبيض يقاتلون ضدّ السّود حول من يملك ماذا . و قد زالت الأسبابُ العنصريّةُ مع انبلاج فجر التّغيير في جنوب إفريقيا و ذلك بتعيين نيلسون مانديلا رئيسا للجمهوريّة بعد سجن دام حوالي 27 سنة.
2. 5. الأسباب اللّوجستيّة :
و لعلّ من بين قُوَى زعزعة الاستقرار التّي خلفها الاستعمارُ وراءه لإفريقيا المستقلّة وجود جيشٍ نظاميٍّ مسلّح بأسلحة غربيّة[xx]. و كانت الأسلحةُ عند قيام الاستقلال أقلَّ حداثةً، غير أنّ الجيش كان أكثرَ انضباطيّةً و احترافًا، أمّا الآن فقد حدث نقيضُ ذلك إذ أصبحت الأسلحةُ أكثرَ حداثة و الجيشُ أقلَّ انضباطيّة واحترافا في كثير من القوات المسلّحة الإفريقيّة، وقد لاحظنا ذلك في مناطق مختلفة من إفريقيا من خلال تجنيد عناصر تفقد الانضباطَ العسكريَّ، مثل ما حدث في سيراليون، وليبيريا، والكنغو الدّيمقراطية، وإفريقيا الوسطى، و غيرها، وهذا ينذر بسوء.
3. منظّمة الوحدة الإفريقيّة و قضايا السّلم و الأمن :
سنتطرق في ما يلي إلى دراسة كيفية تعاطي منظّمة الوحدة الإفريقيّة[xxi] مع النّزاعات والحروب التّي اندلعت في القارّة عملا بما تضمّنه ميثاقُها من آلياتٍ في هذا الشّأن.
3. 1. ميثاق المنظّمة و قضايا السّلم و الأمن :
لقد احتوى ميثاقُ منظّمة الوحدة الإفريقيّة ثلاثا و ثلاثين (33) مادّة، تضمّنت – إلى جانب الدّيباجة – مبادئَ المنظّمة و أهدافَها و هياكلَها و مؤسّساتِها و ميزانيتَها وشروطَ العضويّة فيها، و غيرَها من الموضوعات. و المتأمّل في مجمل موادّ الميثاق يلاحظ أنّ المسألة الأمنيّة احتلت مساحة معتبرة تصريحا وتضمينا؛ فالظّرف التّاريخيُّ لقيام المنظّمة حتّم عليها السّعيَ لمعالجة قضيّة الاستعمار بدرجة أساسيّة[xxii].
فممّا ورد في ميثاق منظّمة الوحدة الإفريقيّة في شأن السّلم و الأمن :
3. 1. 1. الدّيباجة :
– في النّقطة الخامسة : الاقتناع بتوفير الظّروف المواتية للسّلام و الأمن.
– في النّقطة السّادسة : التّصميم على المحافظة على الاستقلال والسّيادة، ومكافحة الاستعمار بكل أشكاله.
3. 1. 2. الأهداف و المبادئ :
– تحرير الأراضي الإفريقيّة .
– التّعاون في الدّفاع و الأمن.
– عدم التّدخل في الشّؤون الدّاخليّة للدّول الأعضاء.
– احترام سيادة كلّ دولة و سلامة أراضيها. و هذا المبدأُ يؤكّد على ضرورة المحافظة على الحدود القائمة التّي ورثها الأفارقةُ و هو ما عبّر عنه الكثير من الزّعماء الأفارقة و منهم فيلبير تسرانانا رئيس جمهوريّة مدغشقر آنذاك بقوله : ” لم يعد من الممكن أن نلجأ إلى معايير جنسيّة أو دينيّة أو لغويّة لتغيير الحدود بين الأمم لأنّنا إذا فعلنا ذلك فسوف تزول بعضُ الدّول الإفريقيّة من الخريطة “[xxiii].
– تسوية المنازعات بالطّرق السّلميّة ، حيث أشارت إلى ذلك الفقرةُ الرّابعةُ من المادّة الثّالثّة: ” التّسوية السّلميّة للمنازعات عن طريق التّفاوض أو الوساطة أو التّوفيق أو التّحكيم ” . وبالفعل فإنّنا نجد ضمن هيئات منظّمة الوحدة الإفريقيّة ” لجنة الوساطة و التّوفيق والتّحكيم” المقرّرة في المادّة (19) من ميثاق المنظّمة. وتوصّلت القمّة الإفريقيّة (29) المنعقدة في القاهرة في شهر يونيو سنة 1993 إلى اعتماد آلية جديدةٍ لتسوية النّزاعات وهي آليةٌ للتّنبّؤ بالنّزاعات وتسييرها و تسويتها[xxiv]، وهي آليةٌ تعرّضت لاختبارٍ صعبٍ بعد أشهر فقط من قيامها، وذلك باندلاع انقلاب عسكريٍّ في بورندي في شهر أكتوبر 1993 وتوالي الأحداث المأساويّة في ذلك البلد[xxv].
3. 2. جهود منظّمة الوحدة الإفريقيّة في حلّ المشاكل الحدوديّة :
شهدت القارّةُ الإفريقيّةُ مشاكلَ حدوديّةً كثيرةً بعد انتهاء فترة الاستعمار الأروبيّ المباشر، ورغم أنّ ميثاق منظّمة الوحدة الإفريقيّة لا يشير إلى اللّجوء إلى التّحكيم الدّوليِّ، فإنّه يُلاَحَظُ أنّ الكثير من النّزاعات الحدوديّة المهمّة قد أحيلت إلى القضاء الدّوليّ (محكمة العدل الدّوليّة في لاهاي)، مثل النّزاع حول المياه الإقليميّة (الجرف القارّي) بين ليبيا و تونس الذّي تمّ حسمه سنة 1982، والنّزاع بين مالي وبوركينا فاسو حول شريط أغاشير (Bande d’Agacher)[xxvi]، والنّزاع بين ليبيا وتشاد حول شريط أوزو (Bande d’Aozou)[xxvii]، وكذلك بين نيجيريا والكمرون حول منطقة باكاسي (Bakassi)[xxviii].
و لعلّ السّبب في عرض هذه النّزاعات على منظّمات دوليّةٍ أخرى هو الافتقاد إلى الخبرة اللاّزمة في حلّ مثل هذه النّزاعات، و عدم وجود المؤسّسات أو المحاكم الخاصّة بذلك، إضافة إلى فقدان الثّقة بين الدّول الإفريقيّة تجاه بعضها البعض.
من الأمثلة على النّزاعات التّي سعت المنظّمة إلى إيجاد حلولٍ لها :
– النّزاع الحدوديّ المغربي الجزائري الذّي وقع في 23/10/1963، وهو أوّل نزاع حدوديٍّ يقع عقب تأسيس المنظّمة، أي بعد أربعة أشهر من تأسيسها. و قد ظلّت المنظّمة على مستوى المجلس الوزاريّ و مؤتمر رؤساء الدّول و الحكومات و عبر لجانٍ خاصّةٍ تتابع هذا الخلافَ حتّى انتهى النّزاعُ في 15/1/1969 بتوقيع معاهدة تضامنٍ و تعاونٍ بين البلدين في المغرب[xxix].
– المشاكل الحدوديّة في القرن الإفريقيِّ و خاصّة حدودَ الصّومال ، الذّي ظلّ لفترة طويلة يطالب بأقاليمَ بعضُها لإثيوبيا والأخرى تابعة لكينيا، بل كان يطالب بجيبوتي بأكملها. وقد حاولت المنظّمة تهدئةَ النّزاع بين إثيوبيا و الصّومال حول منطقة أوغادن (Ogaden) عندما شكّلت عام 1973 لجنةً لدراسة المشكلة ولكنّها فشلت حيث اندلعت الحربُ بين الدّولتين في شهر جويلية عام 1977 و انتهت في شهر مارس عام 1978 بهزيمة الصّومال[xxx].
3. 3. جهود منظّمة الوحدة الإفريقية في إنهاء الحروب الأهليّة :
واجهت المنظّمةُ حروبًا أهليّةً كثيرةً في مناطقَ مختلفةٍ من إفريقيا، كالصّومال[xxxi]، و السّودان[xxxii]، وتشاد[xxxiii]، وأوغندا[xxxiv]، ورواندا[xxxv]، وبورندي[xxxvi]، وأنجولا[xxxvii]، وموزمبيق[xxxviii]، والكنغو الدّيمقراطيّة[xxxix]، و نيجيريا[xl]، و ليبيريا[xli]، و سيراليون[xlii]، و كوت ديفوار[xliii]، و غيرها.
إنّ المتأمّلَ في هذه الحروب، المتابعَ لسير أحداثها، لا يجد أدنى صعوبة في إدراك الغيابِ اْلمُطْبِقِ لدور منظّمة الوحدة الإفريقيّة في معالجتها، فلم تتدخّل في حلّ أيِّ نزاعٍ داخليٍّ و إنّما تُرك البحثُ عن الحلّ لِقُوًى و منظّماتٍ إقليميّةٍ و أخرى دوليّة. و ترجع أسبابُ هذا الغياب في جزء منها إلى الطّبيعة الأهليّة لهذه الحروب و ما تضمّنه ميثاقُ هذه المنظّمة القارّيّة بشأن عدم التّدخّل في الشّؤون الدّاخليّة للدّول الأعضاء ، فكان التّوجّه إلى التّأكيد على مبدإ السّيـادة هي السّياسة المتّبعة. و في تقديرنا أنّ هذه النّقطة من الميثاق أعاقت المنظّمةَ عن القيام بدورها الضّروريِّ في تحقيق السّلم و الأمن و المحافظة عليهما. فلم تتمّكن هذه المنظّمةُ من إيقاف الإبادة الجماعيّة في رواندا التّي اعتبرت وصمةَ عارٍ في جبينها هي وفي جبين المجتمع الدّوليّ. كما لم تتدخّل في الحرب الأهليّة اللّيبيريّة أو السّيراليونيّة أو الأوغنديّة أو غيرها، رغم بشاعة الجرائم التّي ارْتُكِبَتْ أثناءها.
4. الاتحاد الإفريقي و قضايا السلم و الأمن :
سنتّبع المنهجَ الذّي سلكناه سابقا أثناء تناولنا لمنظّمة الوحدة الإفريقيّة وتعاطيها مع النّزاعات و الحروب في إفريقيا، راصدين بَدْءًا ما تضمّنه القانونُ التّأسيسيُّ للاتّحاد الإفريقيِّ[xliv] في شأن السّلم و الأمن الإفريقيّين.
4. 1. القانونُ التّأسيسيّ للاتّحاد و قضايا السّلم و الأمن :
تضمّن القانونُ التّأسيسيُّ للاتّحاد الإفريقيِّ الذّي قُدّم في الدّورة العاديّة رقم (36) لرؤساء الدّول و الحكومات بمنظّمة الوحدة الإفريقيّة المنعقدة في لومي (Lomé) بتوغو في الفترة من 10-12 يوليو 2000 ثلاثا و ثلاثين (33) مادّة[xlv]، و يلاحظ النّاظر فيها فقراتٍ لها صلةٌ وثيقةٌ بالقضيّة الأمنيّة، وردت ضمن مادّتين، و ذلك على النّحو التّالي :
4. 1. 1. المادّة الثّالثّة : و تتعلّق بأهداف الاتّحاد :
– تنصّ الفقرة (ب) من هذه المادّة على أنّ من أهداف الاتّحاد ” الدّفاع عن سيادة الدّول الأعضاء و وحدة أراضيها و استقلالها “.
– و تنصّ الفقرة (و) على ” تعزيز السّلم و الأمن و الاستقرار في القارّة “.
4. 1. 2. المادّة الرّابعة : و تتعلّق بمبادئ الاتّحاد :
– تنصّ الفقرة (د) على ” وضع سياسة دفاعيّة مشتركة للقارّة الإفريقيّة ” و هي فقرةٌ لا نظير لها في ميثاق منظّمة الوحدة الإفريقيّة، الأمر الذّي يعني تعزيزَ جانبٍ مهمٍّ و هو الجانب الدّفاعيّ.
– و تنصّ الفقرة (هـ) على ” تسوية الخلافات بين الدّول الأعضاء بوسائل مناسبة يقرّرها المؤتمرُ ” ؛ فإذا كان ميثاق منظّمة الوحدة الإفريقيّة يحدّد في مسألة تسوية الخلافات بين الدّول وسائلَ التّسوية وهي التّفاوض و الوساطة و التّوفيق و التّحكيم، فإنّ القانونَ التّأسيسيَّ للاتّحاد الإفريقيّ في هذه القضيّة لم ينصّ على هذه الوسائل، الأمر الذّي يعني عدمَ قفل الباب أمام أيّة وسيلة أخرى لفضّ النّزاعات أو تسويتها، و قد يكون إحدى تلك الوسائل القوّة العسكريّة.
– تنصّ الفقرة (ز) على ” حقّ الاتّحاد في التّدخل في دولةٍ عضوٍ طبقا لما يقرّره المؤتمرُ في ظلّ ظروف خطيرة متمثّلة في جرائم الحرب، والإبادة الجماعيّة، والجرائم ضدّ الإنسانيّة “، و هو مبدأٌ جديدٌ يتجاوز السّيادةَ الوطنيّةَ، و يتجاوز مبدأَ عدمِ التّدخّل في الشّؤون الدّاخليّة للدّول الأعضاء الوارد في ميثاق منظّمة الوحدة الإفريقيّة .
– و تنصّ الفقرة (ي) على ” حقّ الدّول الأعضاءِ في طلب التّدخّل من الاتّحاد لإعادة السّلام والأمن ” و هو مبدأٌ جديدٌ يأخذ في الاعتبار إمكانيةَ حدوث صراعاتٍ داخليّةٍ تستدعي طلب المساعدة من باقي أعضاء الاتّحاد من قبل الحكومة الشّرعيّة.
– و تنصّ الفقرة (ع) على ” إدانة و رفض التّغييرات غير الدّستوريّة للحكومات ” ، و يأتي ذلك لمواجهة الانقلابات العسكريّة و التّغييرات بوسائلَ غيرِ دستوريّة التّي عرفتها القارّةُ.
نلاحظ في ما سبق أنّ القانونَ التّأسيسيَّ للاتّحاد الإفريقيّ لم يدرج “مجلس السّلم والأمن” (Conseil de paix et de sécurité) [CPS] ضمن أجهزة الاتّحاد، وإنّما حدّد الإطارَ القانونيَّ للمجلس المذكور، واكتفت – إلى حين – بلجنة الوساطة و التّوفيق و التّحكيم، وهي الآليّة التّي ذكرنا أنّ منظّمة الوحدة الإفريقيّة وضعتها لمنع الصّراعات و إدارتها و تسويتها.
وقد أجاز مؤتمرُ القمّة الإفريقيّة المنعقدُ في دربان (Durban) بجنوب إفريقيا في 9 يوليو عام 2002 بروتوكولَ إنشاءِ ” مجلس السّلم والأمن” للاتّحاد الإفريقيّ ، و قرّر عرضه على الدّول الأعضاء للموافقة عليه ، كما قرّر المؤتمرُ في الوقت ذاته استمرارَ العمل بآليّة منع الصّراعات وإدارتها وتسويتها، التّابعة لمنظّمة الوحدة الإفريقيّة، وذلك حتّى استكمال إجراءات إنشاء “مجلس السّلم والأمن” الإفريقيّ. و قد رأى هذا المجلسُ النّور في جويلية سنة 2003 في قمّة مابوتو (Maputo) عاصمة موزمبيق.
و يمكن أن نلخّص المحاورَ الرّئيسةَ للبروتوكول في النّقاط التّالية :
4. 1. 3. طبيعة مجلس السلم و الأمن و هيكله:
هو جهاز لصنع القرار في ما يتعلّق بمنع الصّراعات و إدارتها و تسويتها، يتعاون معه في تحقيق هذه المهمّة كلٌّ من اللّجنة (المفوضية Commission)[xlvi]، ومجمع الحكماء ، ونظام للإنذار القارّي المبكّر ، و قوّة إفريقيّة للتّدخّل السّريع، و صندوق خاصّ.
4. 1. 4. الأهداف:    
و تتمثّل في تعزيز السّلم و الأمن و الاستقرار في إفريقيا، و منع الصّراعات، و بناء السّلام، وتطوير سياسة دفاعيّة مشتركة للاتّحاد، وتشجيع الممارسة الدّيمقراطيّة والحكم الرّشيد وتعزيزهما، و سيادة القانون، و حماية حقوق الإنسان والحرّيات الأساسيّة. وبهذا التّقدير فإنّ أهداف المجلس جزء من الأهداف العامّة التّي وردت في القانون التّأسيسيّ للاتّحاد الإفريقيِّ.
4. 1. 5. المبادئ:
إنّ مبادئ مجلس السّلم و الأمن جزء لا يتجزّأ من مبادئ الاتّحاد الإفريقيِّ عامّة ؛ فالقضايـا الأمنيّةُ الواردةُ في تلك المبادئ هي التّي ستشكّل المادّةَ الأساسيّة للمجلس، و تتمثّل في التّسويـة السّلميّة للنّزاعات و الصّراعات، و الاستجابة المبكّرة لاحتواء الأوضاع الصّراعيّة التّي يمكن أن تتطوّر إلى أزمات، واحترام السّيادة والسّلامة الإقليميّة للدّول الأعضاء، والمساواة في السّيادة و عدم التّدخل في الشّؤون الدّاخليّة، و احترام الحدود القائمة عند الاستقلال، و حقّ التّدخّل في الحالات المنصوص عليها في القانونِ التّأسيسيِّ.
4. 1. 6. تشكيل المجلس:
يتشكّل المجلس من خمسة عشر (15) عضوا منتخبا على أسس متساوية[xlvii] وفق الكيفية التّالية:
– عشرة (10) أعضاء ينتخبون لمدّة عامين .
–  خمسة (5) أعضاء ينتخبون لمدّة ثلاث (3) سنوات لتحقيق الاستمرارية.
وللمجلس رئاسة يتمّ تناوبها شهريّا بين أعضاء المجلس على أساس التّرتيب الأبجديِّ للأسماء.
4. 1. 7 . لجان المجلس :
يضمّ المجلسُ عدّةَ لجان قارّة و هي:
4. 1. 7. 1. مجمع الحكماء : و يتشكّل من خمس شخصيّات لها مكانتها لدى كافّة قطاعات المجتمع، وذات إسهام في مجالات السّلم و الأمن و التّنمية في القارّة. ويعيّنون لمدّة ثلاث سنوات من قبل رئيس اللّجنة (المفوضيّة) بالتّشاور مع الدّول الأعضاء على أساس التّمثيل الإقليميّ.
4. 1. 7. 2. نظام الإنذار القارّي المبكّر.
4. 1. 7. 3. قوّات التّدخّل السّريع : و تتشكّل من عنصر مدنيٍّ و عسكريٍّ، وتكون متواجدة في دولها ومستعدّة للتّدخّل السّريع.
4. 1. 7. 4. اللّجنة العسكريّة : و تتشكّل من ضبّاط كبار من الدّول أعضاء ” مجلس السّلم والأمن ” لإسداء النّصح و المساعدة للمجلس.
4. 1. 7. 5. الصّندوق الخاصّ : ويطلق عليه ” صندوق السّلام”، تتحصّل موارده من مساهمات الدّول الأعضاء، و من أيّة مصادر داخل إفريقيا بما في ذلك القطاع الخاصّ، والمجتمع المدنيّ، والأفراد، و من التّبرعات من خارج إفريقيا.
4. 1. 8. اللّجانُ الفرعيّةُ و المؤقّتةُ للمجلس:
للمجلس حقُ إنشاءِ أجهزة فرعيّة إذا اقتضت الضّرورةُ ذلك لأداء وظائفه بكفاءة، كلجان مؤقّتة للوساطة، و التّوفيق، و التّحقيق، من الخبراء العسكريّين و القانونيّين و غيرهم.
4. 2. جهود الاتّحاد الإفريقيّ في إنهاء الحروب الأهليّة :
لقد ورث الاتّحادُ الإفريقيُّ تركةً ثقيلةً في المجال الأمنيّ، إذ سبق أن أكّدنا أنّ منظّمة الوحدة الإفريقيّة لم تقم بدورها المنوط بها في معالجة الحروب الأهليّة التّي كانت تنتشر في دول القارّة انتشار النّار في الهشيم . و كان الاتّحاد مدركا حجمَ الكارثة من جهة، و الموانعَ الموجودةَ في ميثاق منظّمة الوحدة الإفريقيّة، فسعى إلى تجاوز العائق القانونيِّ؛ فلئن كانت السّياسةُ الرّسميّـةُ لمنظّمة الوحدة الإفريقيّة مبنيّةً على سيادة الدّول الأعضاء وعدم التّدخل في الشّؤون الدّاخليّة فإنّ الاتّحادَ الإفريقيَّ يتمتّع بصلاحياتٍ أوسعَ في إدارة الأزمات و له حقّ التّدخّل – وإنْ عسكريًّا – في حالات قصوى كجرائم الحرب و التّطهير العرقيِّ .
ولعلّ أهمّ أزمة واجهت الاتّحاد الإفريقيَّ منذ لحظة ميلاده هي الأزمة المستمرّة في دارفور؛ فهذه الأزمة تُعَدُّ واحدةً من أهمّ الأزمات التّي تواجه الدّولة السّودانيّة، والتّي لا تتوقّف تأثيراتُها على إحداث حالة من حالات عدم الاستقرار الدّاخليّ، و إنّما تتعدّى ذلك إلى تهديد كيان الدّولة ونظامها السّياسيِّ ذاته، إمّا بسبب استمرار النّزاعات و الصّراعات في أقاليم السّودان المختلفة، أو من خلال توسيع دائرة الأطراف المتصارعة و المشاركة فيها ، و الدّاعمة لها ، أو بالتّرويج للنّزعات والميول الانفصاليّة بهدف تفتيت السّلامة الإقليميّة للدّولة. ولا يتوقّف الأمرُ في هذا الشّأن على الأطراف المحليّين أو الوطنيّين، و إنّما يتجاوز ذلك إلى تورّط أطرافٍٍ إقليميّةٍ و دوليّةٍ، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، ما يخرج بالأزمة من محيطها الدّاخليِّ و يجعلها أزمةً ذاتَ أبعادٍ متعدّدةٍ ومضامينَ متنوّعةٍ، و ذلك يعني أنّ الأمور تطوّرت في إقليم دارفور و تصاعدت، حتّى خرجت عن كونها أزمةً داخليّةً، أو شأنا من الشّؤون الدّاخليّة للدّولة السّودانيّة ، إلى أزمةٍ ذاتِ أبعادٍ و تداعيات محلّيّة و إقليميّة و دوليّة .
وبالرّغم من انعقاد عدّة مؤتمرات، و التّوقيع على عدد من الاتّفاقات، و صدور الكثير من القرارات من جانب الأمم المتّحدة، والاتّحاد الإفريقيّ، وجامعة الدّول العربيّة، و غيرها، فإنّ الأزمة لم تصادف انفراجًا حقيقيًّا، ومن ثَمَّ فإنّ الوصول إلى تسوية لها ما زالت غيرَ ميسورةٍ، حتّى الوقت الرّاهن[xlviii].
لقد انخرط الاتّحاد الإفريقيُّ في أزمة دارفور ساعيًا إلى إعادة الأمن بالمنطقة. ويمكن تبيّن الدّور الإفريقيِّ بمعرفة العناصر أو الأطراف الفاعلة في الإقليم ، فنجد:
* الجنجاويد (Janjawids):
وهم مليشيات عرب تساندها الحكومةُ السّودانيّةُ من قبائل أبالا (Abbala)، ولكنّ الحكومة تنكر مساعدتها لها.
* الحركات الثّوريّة :
– جيش تحرير السّودان (Armée de libération du Soudan) و يدعمه الجيشُ الشّعبيُّ لتحرير السّودان (Armée populaire de libération du Soudan) وهي حركة معارضة بجنوب السّودان ، كما تدعمه الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّةُ[xlix].
– الحركة من أجل العدالة والمساواة (Mouvement pour la justice et l’égalité) .
* الاتّحاد الإفريقيّ و الأمم المتّحدة.
لقد بدأ الاتّحادُ الإفريقيُّ معالجته لأزمة دارفور منذ 23/8/2004 عندما شرع في الاتّصال بأطراف النّزاع في الإقليم قصد تحقيق السّلم للسّكان، و أعقب ذلك إرسالُ دفعةٍ من القوات الإفريقيّة قوامها 3.300 جنديًّا في أكتوبر 2004، و هو رقم سيشهد ارتفاعًا ليصل إلى 7.000 جنديّ في أفريل 2005 ، و كان ذلك أوّل بعثة إفريقية لحفظ السلام في تاريخ إفريقيا، وقد وجد الاتّحاد الإفريقيّ تشجيعا و خاصّة من حلف الأطلسي (OTAN) والولايات المتّحدة الأمريكيّة وكندا، و بعده صدر قرارٌ من مجلس الأمن الدّوليّ في شهر جويلية 2007 يقضي بتشكيل “بعثة مشتركة بين الأمم المتّحدة و الاتّحاد الإفريقيّ بالسّـودان ” (Mission conjointe des Nations Unies et de l’Union africaine au Darfour) [MINUAD][l].
 وقد تدخّل الاتّحاد الإفريقيّ أيضا في بعض الحروب الأهليّة المندلعة في القارّة، فتدخّل في في الماضي في توغو سنة 2005 للحفاظ على المسار الدّيمقراطيّ النّاشئ بعد وفاة الرّئيس نياسنغبي إياديما وانتقال السّلطة إلى ابنه فُور. كما تدخلّ في إفريقيا الوسطى.
* أستاذ بالجامعة الإسلامية بالنيجر