الرئيسية / وجهات نظر / المشهد الليبي في ضوء صراع المليشيات
45c1ee0374ad5fd6005b1ab5b77233a6

المشهد الليبي في ضوء صراع المليشيات

عندما وقعت الأحداث في «تونس» بعد أن قام البوعزيزي بحرق نفسه احتجاجا على ما صادفه من معاملة غير عادلة من وجهة نظره ،لم يكن أحد يتوقع أن تكون ليبيا من أوائل الدول العربية التي ستتأثر بثورات الربيع العربي، ولم يكن القذافي نفسه يتصور شيئا من ذلك لأنه كان يسوق نفسه كزعيم عربي يعمل من أجل خير شعبه وأمته. لكن العقيد القذافي كان من أوائل الذين نالتهم يد الثورة وجاءت نهايته ذات طابع درامي..
و بعد أكثر من ثلاث سنوات من سقوط حكم القذافي لم تتعاف ليبيا، بكونها بلدا مترامي الأطراف ذا كثافته سكانية محدودة، ويسكنه تنوع عرقي قابل للصراع ويمتلك في الوقت ذاته ثروة نفطية كبيرة تتصارع عليها مكونات الشعب الليبي وأصحاب المصالح الخارجيين .ويجد الكثيرون صعوبة في تحليل الوضع الليبي في الوقت الحاضر لأنه يتطلب معرفة بأدق التقاصيل حول التكوين الديموغرافي لهذا البلد،
غير أن ذلك لا يحول دون قراءة الأحداث الجارية من خلال نتائجها الواضحة وأغراضها التي تفصح عنها بعض الأطراف التي لها صلة بالأمر.
وفي البداية نلاحظ أن بعض الدول الغربية المهمة اتخذت مواقف جديرة بالانتباه في التعامل مع الوضع الليبي، ومنها الولايات المتحدة التي أجلت أعضاء سفارتها إلى تونس المجاورة مؤكدة في الوقت ذاته أنها لا تستهدف بهذا الإجراء إغلاق سفارتها في طرابلس.
لكن يظل السؤال هو لماذا اتخذت الولايات المتحدة هذا الإجراء السريع ؟
السلطات الأمريكية تقول إن السبب الرئيسي هو القتال الجاري بين المليشيات والقوات الحكومية والذي أسفر عن تعريض أمن المواطنين وغيرهم للخطر الكبير، وتقول السلطات الأمريكية إن المليشيات أصبحت تمتلك أسلحة تتسم بدرجة كبيرة من الخطورة .ويلاحظ أن إجلاء موظفي السفارة الأمريكية من طرابلس يحدث للمرة الثانية خلال ثلاث سنوات.
ومن جانب آخر يقول المراقبون في الوضع الليبي، إن البلاد شهدت انبثاقا كبيرا للمليشيات بعد إسقاط نظام القذافي، وعلى الرغم من أن هذه المليشيات تعاونت مع بعضها بعضا في عملية إسقاط النظام، فإنها انقلبت على بعضها بعد إسقاطه، والهدف من ذلك هو أن المليشيات تتطلع إلى أن تكون هي المسيطرة على النظام السياسي في ليبيا في غياب نظام اجتماعي متكامل يمكن أن يساعد في هذا الاتجاه.
وقالت صحيفة الغارديان البريطانية إن القتال بين المليشيا القوية والتي مقرها مدينة الزنتان الغربية، والمليشيا الإسلامية، بالاضافة إلى بعض االمقاتلين من مصراتة من أجل السيطرة على مطار طرابلس هو الذي حدا ببعض الدول الغربية لسحب مواطنيها من ليبيا كما فعلت كل من بريطانيا، وفرنسا وهولندا، وألمانيا . وتقول معظم هذه الدول إن ليبيا تنحدر إلى حرب أهلية، وهي في الحقيقة في حالة حرب أهلية . وقد حذرت بريطانيا بصفة خاصة مواطنيها من السفر إلى ليبيا.
ويقول كثير من المراقبين إنه بدعوة الدول الغربية مواطنيها لمغادرة ليبيا فإن ذلك يعني شيئا واحدا وهو يأسها من محاولة إيجاد حل دبلوماسي للأزمة ٍالليبية، خاصة أنه لم يعد يسمع في أرجاء العاصمة الليبية سوى صوت المدافع والقذائف التي لا هدف لها سوى الدمار والتخريب الذي أصبح عنوان المرحلة في الصراع الدائر في ليبيا.ويجد كثير من الذين هاجروا بلادهم من أجل كسب لقمة العيش في هذا البلد أنفسهم في مأزق حقيقي وهم يواجهون الموت وغير قادرين على مغادرة البلاد بطريقة آمنة.
ولا يختلف الوضع كثيرا في مدينة «بنغازي» الشرقية حيث تقصف الطائرات المتحالفة مع «خليفة حبتر» مواقع المليشيات الإسلامية مخلفة الكثير من القتلى والجرحى، .ويقول المحللون إن الصراع بين الإسلاميين والآخرين كانت سببا في الانتخابات التي جرت في شهر يونيو الماضي، والتي أدت إلى مزيد من الصراع من جانب الأحزاب الخاسرة التي خشيت من مزيد من الخسران في المشهد السياسي.
ولاشك أن الوقوف عند المشهد الليبي على أنه موقف متميز في العالم العربي في ظروفه الراهنة قد لا يقدم صورة صحيحة عن طبيعة الأحداث في هذا العالم، ذلك أن العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه يغلي بأهداف تفتقر إلى العقلانية في كثير من الأحيان، فها نحن نرى ما يجري في سوريا من صراع دموي يئس العالم منه وتركه في حاله، وها نحن نرى صراعا آخر في العراق يكتسي مسحة طائفية ويفتح المجال لتطورات خطيرة، وهكذا هو الحال في مصر واليمن، في غياب كامل لجامعة الدول العربية التي لم يعد وجودها مؤثرا في الأحداث لأنها لا ترتبط بالمصالح المباشرة للشعب العربي بكونها مؤسسة حكومات غير متصالحة مع بعضها بعضا، وليس لديها مشروع اقتصادي تكاملي، ولكن حين تصل الأمور إلى المستوى الذي وصلت إليه ليبيا في الوقت الحاضر فلابد أن يقف العالم العربي كله وقفة تأمل ولابد أن يتحرك المفكرون من أجل المساعدة في رسم خريطة طريق للأمة العربية تخرجها من الواقع الذي هي فيه الآن إلى واقع جديد، لأنه لا يعقل أن تصل الأمور إلى مثل ما وصلت إليه في قطاع غزة دون أن يكون هناك تحرك إيجابي ليس فقط من أجل المحافظة على الحقوق الفلسطينية بل أيضا من أجل المحافظة على كرامة الأمة العربية.
٭ كاتب من السودان
“القدس العربي”