الرئيسية / وجهات نظر / لغة التنمية في المغرب
2503b8c970880863f8f917e11ac138bb

لغة التنمية في المغرب

قصة المغرب، الذي يحتفل الآن بالعيد الخامس عشر لجلوس الملك محمد السادس على العرش، قصة مقنعة للغاية. إن لها صدى لدى جميع الدول النامية التي تسعى لوضع نهج مماثل لهيكلة مؤسساتها بحيث تشمل عنصراً أثبت أنه حيوي للنجاح، ألا وهو المشاركة الجماهيرية. أجل، إنه هذا العنصر الذي يجعل «القصة» ليست فقط قصة يُحتذى بها، بل قصة لها بالفعل تأثير حقيقي وإيجابي.
وبصفتي رئيساً لمؤسسة مغربية – أميركية غير حكومية تكرس نشاطها للتنمية البشرية الدائمة في المملكة من خلال تطبيق التخطيط المجتمعي، لا أستطيع إلا أن أشعر بإعجاب حيال الملك الذي يتنقل بلا توقف في أرجاء المملكة مباركاً افتتاح أعداد لا تحصى من المشاريع الصغيرة والذي يتكلم لغة التنمية ويظهر معرفة عميقة بتفاصيلها والعوامل المساعدة لها. أضف إلى ذلك، أن تصريحاته التي يعبر فيها عن خيبة أمله الشديدة من سوء الإدارة والفرص المفوتة لم ينطق بها تقريباً أي زعيم دولة آخر.
إنها القضية التي يتصدر فيها المغرب دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بناء الديموقراطية من خلال التنمية بحيث يزدهر كلاهما مع بناء المؤسسات، ويتم ذلك عبر المراكز الحضرية و11 ألف قرية في المملكة. ومن الصحيح أيضاً أنه لن يتم التوصل إلى نتائج «القصص القصيرة» إلا بعد أن يتم التنفيذ بشكل أكثر فعالية وبدرجة كبيرة.
تضم هذه العملية الفكرية والإستراتيجية عدداً كبيراً من المبادرات.
أولاً، عالج الملك قضية المصالحة السياسية مدركاً أن الوحدة كانت شرطاً مسبقاً للتنمية المشتركة في المستقبل. واحتواء وشمول جميع الفصائل ووجهات النظر هو أيضاً شرط أساسي. وهنا يعتبر تعديل قانون العائلة وتعزيز مكانة النساء المغربيات ضمن العائلة والمجتمع من القضايا الضرورية والمهمة. والحفاظ على تراث المغرب المتعدد الحضارات وتوازنه المستقر من حيث وحدة وتنوع أتباع الديانات السماوية الثلاث هو وجه آخر لتطبيق هذا المبدأ. وتعديل القوانين التي تحكم مؤسسات المجتمع المدني قد بسط وساعد في عملية تشكيلها ومكنها من الحصول على دعم ٍمحلي ودولي.
لقد وُضعت الأرضية بعد ذلك لانطلاقة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في 2005، إذ يقدم هذا البرنامج الدعم المالي للمشاريع المحلية في المجتمعات الحضرية والريفية الأكثر تهميشاً. أضف إلى ذلك، أن المبادرة انطوت على رؤية الملك لمفهوم التنمية الدائمة على أنها ليست مجرد قضية تعتمد على البيئة، بل عملية واسعة النطاق مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمجال واسع من وجهات النظر والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتقنية والمالية. وقد فهم أيضاً أن التنمية الناجحة يجب أن تكون مسيرة بطريقة التخطيط التشاركي بغية دمج جميع وجهات النظر ذات الصلة بالموضوع وتلبية احتياجات الناس في شكل مباشر.
والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية شرط أساسي مسبق للامركزية ناجحة قد تساعد في معالجة قضايا اجتماعية – اقتصادية وقضايا أخرى تتعلق بالجنسين.
وأخيراً، فإن التزام الملك الثابت بوحدة المغرب العربي وتعاون الجنوب – جنوب هو جزء مهم من الرؤية الشاملة لأنه يدرك أن الروابط والتجمعات الإقليمية هي ضمن مفهوم العولمة أمر حيوي تجاه بناء الإنتاج البشري والقدرات التنظيمية التي بدورها ستعزز الروابط الدولية وتحميها من القوى المهيمنة.
ويتمثل التحدي للمغرب في تنفيذ هذه المبادرات البعيدة المدى، غير أن تنفيذها ضعيف بشكل ٍيدعو للإحباط كما أقر به الملك نفسه.
إن معظم الـ40 ألفاً إلى 50 ألف منظمة ومؤسسة التي أنشئت منذ عام 2002 غير منتجة. ويبقى عدم مواصلة البنات الريفيات تعليمهن ما بعد المرحلة الابتدائية هو القاعدة. والمجتمعات تكون قادرةً فقط على الاستفادة بشكل كامل من مشروع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وغيرها من المبادرات في حال وضع التعليم وبناء القدرات على قمة سلم الأولويات. وهذا ينطبق على الموظفين والمسؤولين المحليين الذين يفتقدون المعرفة والمهارات اللازمة لتسيير التخطيط التشاركي الجماهيري. فاللامركزية ينبغي أن تتجاوز المفاهيم المجردة إلى التنفيذ كواقع فعال ومرن يضم في طياته الاستقلالية من السيطرة المركزية الجامدة.
وعليه، فإن هذه الذكرى الخامسة عشرة للجلوس على العرش هي لحظة للثناء من ناحية، وللدفع إلى الأمام بعزمٍ وتصميم من الناحية الأخرى. هذا يعني توفير برامج تدريب تجريبية لتأهيل أعداد كبيرة من الميسريـــن والمسيريـــن المجتمعييــن الضروريين لتحفيز التنمية البشرية المحلية. وهذا يتطلب الإسراع أيضاً في تنفيذ اللامركزية لنقل السلطة إلى الجماهير بدايةً من الصحراء الغربية، وهي منطقة حيوية للمملكة كمسألة استمرارية وطنية.
وينبغي هنا الإشادة بما نسميه نموذجاً فريداً يضم أفضل الأفكار العصرية لتغيير اجتماعي تقدمي. وتنفيذه ينبغي أن يتم بالعجلة والاستثمار والكفاءة التي يستحقها لرخاء الشعب المغربي وليكون نهجاً بديلاً لدول أخرى.
* رئيس مؤسسة «الأطلس الكبير» ومتخصص في علم الاجتماع
“الحياة” اللندنية