الرئيسية / وجهات نظر / السلاح الأعمى
264d8a2d12b255492c0a14e0e8210b28

السلاح الأعمى

الانتخابات وحدها لا تنهي الأزمات، جرت في العراق وليبيا في ظروف مغايرة، ولم تفلح في وقف الاقتتال والتفجيرات، وقبلها كانت الجزائر عاشت على وقع الدم الذي أعقب أول انتخابات نظمت في إطار التعددية، ما يعني أن الدول الخارجة من سيطرة الحزب الوحيد أو النظام الشمولي تواجه صعوبات هائلة في التأقلم مع التحولات.
ليس لأنها لم تُعد شروطاً موضوعية في الانتقال الديموقراطي تصبح عرضة للاضطرابات، لكن لأن صراع السلطة يدور على نطاق جديد، وتصبح حرب المواقع والنفوذ أكثر أهمية من احترام إرادة الناخبين إن لم تكن بدورها خاضعة لضغوط وإكراهات تفرغها من محتواها المتمثل في ممارسة سياسة الأمة. وأي سيادة تكون في غياب القانون الذي يرمز إلى الدولة وفي فقدان الأمن الذي ينفصل عن واجباتها.
معركة مطار طرابلس تبخس جهود الحوار والمصالحة ورهان الانتخابات. كما في التجربة السابقة لم تسلم المؤسسة الاشتراعية والسلطة التنفيذية الانتقالية من حصار التنظيمات المسلحة التي تعتقل الرهائن وتحتجزهم وتفاوض لنيل خدمات سياسية أو مالية أو ممرات آمنة لتهريب النفط، فإن معركة طرابلس تعتبر امتداداً لتلك الضغوط، بما في ذلك أن ليبيا في عهد العقيد معمر القذافي تعرضت لحصار يحظر تحليق الطائرات في الأجزاء، فيما التنظيمات المتناحرة تمنعها على الأرض، كأنما قدر الشعب استخدام سمائه في غير طلب الغيث وانتظار الفرج.
الثورة ضد القذافي جاءت لرفض الاستبداد والهيمنة واحتكار السلطة والثروة.
وتداعيات الأزمة القائمة لا تختلف كثيراً عن ممارسات كانت وراء الانتفاضة، مع فارق أن الأخطاء والقمع كان يصدر عن سلطة حاكمة، كثيراً ما زعم قائدها أنه مجرد «ثائر» وأن الحكم تسلمته اللجان الثورية، بينما يصدر الآن بدرجة أقل، عن ميليشيات مدججة بسلطة السلاح، بات قطاع واسع من الشعب الليبي يطلب الخلاص من سطوتها، ولا يمانع في أن يأتي ذلك من خارج البلاد، عبر الأمم المتحدة أو أصدقاء ليبيا أو مبادرات إنسانية. بل إن الحلف الأطلسي قد يصبح مرحباً بقصفه، تماما كما يحدث في العراق، الذي بات يحن إلى تدخل قوى خارجية تنقذه من بطش وتطرف «دولة الخلافة».
لم يعد الحديث عن الانقلاب والثورات بالزخم الذي رافق وقائع الإطاحة بحكم «الإخوان المسلمين» في مصر، ولم تعد الاستعانة بقوى خارجية «خط أحمر»، فالبحث عن الأمن والاستقرار أصبح عملة نادرة لا توضع الشروط أمام حيازتها. السبب في ذلك يعزى إلى أن بعض الثورات لم تعرف ماذا تفعل بانتصاراتها، وبدل أن تحولها إلى مكاسب ديموقراطية تعاينها الشعوب في الواقع، من خلال النهوض بأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وتجاوز الاختلالات التي عمقت الفجوة بينها وبين الحكام، انعطفت بها في اتجاه مناوئ لهذه الرغبات.
بات الاستقرار مطلباً قومياً، وأضحى الأمن عملة مفقودة في الشارع، وبعدما كانت المخاوف تأتي من قوى استخدمت الديموقراطية للاستئثار بالسلطة، زاد منسوب القلق حيال سيطرة قوى أكثر تطرفاً وعنفاً ومغالاة، فالتربة التي لا تنتج الاعتدال وتترك لفراغ الطبيعة، يمكن أن تنتج نباتات سامة وقاتلة، ومن غير المستبعد في حال استمرار الانسداد أمام الأفق الليبي أن تفتح العيون يوماً على مخاطر أكبر، طالما أن اللغة الوحيدة التي يتخاطب بها الفرقاء المتصارعون هي السلاح الأعمى.
لقد ترك العراق لحاله فغرق في مستنقع الطائفية والعرقية والحروب الاستئصالية التي اتخذت صراع المذاهب ومبررات للتصفية على الهوية. لم تخلق دولة الخلافة، وقبلها «داعش» وكل التنظيمات التي حملت السلاح من فراغ، كانت نتاج سوء تدبير السلطة، قبل أن تتحول الأجزاء الشمالية في بلاد الرافدين إلى ملاذات لـ «القاعدة» وفروعها المتناسلة بأسماء وأمراء وطقوس وولاءات مختلفة.
تركت الثورة السورية بلا حاضنة داعمة تجنبها فتك النظام، فزحفت التنظيمات المتطرفة التي تنبت داخل بؤر التوتر وتجلب المتطوعين والانتحاريين بخلفيات دينية، أبعد ما يكون عن استيعاب المقاصد المثلى للوعي الروحي. ولم يكن مصير الثورة اليمنية مختلفاً إلا بالقدر الذي تمكنت فيه البلاد من إقرار شكل من أشكال السلطة الانتقالية التي تواجه تحديات متعاظمة.
من يذكر أنه كانت هناك دولة وسلطة وحياة شبه طبيعية في بلد اسمه الصومال، ثم انهار كل شيء، لأن هذا البلد العربي ذي الموقع الاستراتيجي الجذاب ترك أيضاً يواجه أزماته وحيداً، إلى أن استنفد أمراء الحرب خزائن ذخائر السلاح، وفي كل هذه الحالات تبدأ «دولة القاعدة» حين تسقط دولة القانون والسيادة وحماية الحدود وضمان الاستقرار. من يذكر وعود الإعمار التي انهالت أرقاما ضخمة في مؤتمرات المانحين، ولم يبق منها إلا انقطاع التيار الكهربائي وشح مياه الشرب وتناقص أبسط الخدمات الاجتماعية.
كوارث الحروب المفجعة تكون مقبولة مثل الأقدار، لكن حروب ما بعد الثورات أشد بأساً وإحباطاً، كونها تخلق مناخا قوامه عدم الثقة والاطمئنان، إذ تصبح الأرواح والممتلكات عرضة للاستباحة والزندقة والعصبية التي تحاول الانتصار للباطل. ولأنه لا يزال هناك متسع من الوقت أمام الليبيين لتلافي الانزلاق لما هو أخطر، يفرض تمكين الديموقراطية المترددة من فرصة تغيير العقليات والواقع نفسه على الجميع، عسى أن يقتربوا إلى شاطئ الحوار السلمي الذي يستخدم الأفكار والمبادرات الاقتراحية بديلاً لأصوات الرصاص وفرقعات الصواريخ.
“الحياة” اللندنية