الرئيسية / وجهات نظر / “إسرائیل” والأزمات الأخلاقیة الُمتجذرة ..
3051057666cf5f9d8191d03af3298760

“إسرائیل” والأزمات الأخلاقیة الُمتجذرة ..

” لقد ذهبت “إسرائيل” في وحشيتها هذه المرة الى إبادة عائلات كاملة، بالعشرات على شواطىء بحر غزة وداخل أحيائها المكتظة بالسكان، لمجرد رغبتها في التخلص من عضو في حركة حماس أو من أي من فصائل المقاومة، فهل هؤلاء الشهداء، الذين لم يخجل البعض من اعتبارهم مجرد قتلى، هم تعبير إنساني عن شعب فلسطين،”
عززت الأحداث الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة من صورة الفاشية “الإسرائيلية” الصهيونية، ومن سقوطها الأخلاقي، ومن صورة المجتمع “الإسرائيلي الصهيوني” على امتداد أرض فلسطين التاريخية، وهو المجتمع المُشبع بروحية النزعات النازية، والسلوك الفاشي ضد عموم المواطنين العرب الفلسطينيين، أصحاب الأرض الأصليين، مجتمعٍ بات مُشبعاً بروح الغطرسة، ومؤمناً حتى نخاع العظم بمنطق القوة وحدها لاغيرها في عصر السوبرمان الأميركي.
وجاءت حادثة اغتيال الفتى المقدسي الفلسطيني، محمد أبو خضير، حرقاً بالنار وهو حي، لتُجسد تلك الحادثة “أزمات اجتماعية وأخلاقية عميقة داخل إسرائيل”، ولتنقل للعالم بأسره الصورة الحقيقية لـ “إسرائيل”، وهو ما أشار اليه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، الذي أطلق تصريحاتٍ علنية ومباشرة خلال الأيام الماضية، وقد اعتبر فيها “أن قطاع غزة فضح إسرائيل أمام العالم والمجتمع الدولي، وزاد من عزلتها”.
وفي جريمة حرب جديدة استشهد أربعة أطفال من عائلة واحدة جراء استهدافهم من قبل الزوارق البحرية “الإسرائيلية” بالقرب من استراحة الشراع على شاطئ بحر غزة ، بينما كانوا يلهون ببراءة في المكان. الشهداء الأطفال هم : عاهد عاطف بكر (10) سنوات، زكريا عاهد بكر (10) سنوات، محمد رامز بكر (11) سنة، إسماعيل محمد بكر (9) سنوات.
لقد ذهبت “إسرائيل” في وحشيتها هذه المرة الى إبادة عائلات كاملة، بالعشرات على شواطىء بحر غزة وداخل أحيائها المكتظة بالسكان، لمجرد رغبتها في التخلص من عضو في حركة حماس أو من أي من فصائل المقاومة، فهل هؤلاء الشهداء، الذين لم يخجل البعض من اعتبارهم مجرد قتلى، هم تعبير إنساني عن شعب فلسطين، وقضية فلسطين “أم أنهم مجرد أفراد إرهابيين ينتمون الى حركة حماس أو الجهاد الإسلامي او حركة فتح أو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” ..؟
لقد أثبتت الوقائع الراسخة خلال السنوات الأخيرة، أن إرهاب الدولة الصهيونية إرهاب مُتجذر، وأن عنجهية القوة وغطرستها مازالت هي السائدة في المنطق “الإسرائيلي”، وقد أمسى معها إرهاب المستوطنين وعصابات الاستيطان مُتفشياً في المجتمع.
وهنا، حتى بطل مجزرة (قانا) التي راح ضحيتها العشرات من المدنيين اللبنانيين صيف العام 2006، الرئيس “الإسرائيلي” السابق، شمعون بيرس وفي تصريحاته الأخيرة في اليوم الثامن للعدوان على القطاع لوكالة وكالة الأنباء الأميركية (الأسوشيتد بريس)، كان قد وصف قصف قطاع غزة بالطائرات بأنه مُعضلة أخلاقية، كنه بدا مبرراً ماوقع بقوله “البدائل لدينا محدودة طالما استمرت حركة حماس بإطلاق الصواريخ على الإسرائيليين”. مضيفاً بأن “الوضع في غزة أمر فظيع ومأساوي، ولا يمكن أن تبقى الأمور معلقة في الهواء”.
إن عقيرة أصوات اليمين “الإسرائيلي” بشقيه العلماني والتوراتي العقائدي، وحتى أصوات الجزء الكبير من مايسمى بـ “اليسار الصهيوني” ترتفع وتنادي الآن حتى في ظل السقوط الأخلاقي المدوي لحكومة نتنياهو، لالتقاط الفرصة والفتك بقطاع غزة، وتوسيع عمليات الاغتيالات ضد القادة والكوادر السياسية والعسكرية وذات الشأن العام في قطاع غزة وحتى في الضفة الغربية. ولعل الموقف الأميركي الصامت يلعب دوراً في تصعيد الموقف “الإسرائيلي” إلى سياسة أكثر عنفاً ضد قطاع غزة وضد الفلسطينيين بشكلٍ عام.
ومع هذا، فقد أظهر الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وبانتفاضاته وصموده الذي هز العالم بأسره طوال السنوات الماضية، الاحتياطي الهائل للشجاعة والجرأة والإقدام والاستعداد للتضحية من أجل حرية الوطن، والذي اعتقد أعداؤه أنه أخُمِدَ أو استكان تحت طبقات من اليأس والتراجعات المتكررة الناجمة عن الاتفاقيات البائسة المتلاحقة وسياسات البطش والابتـزاز “الإسرائيلية” والتدهور العام في الأوضاع الحياتية، واستمرار تفكك وتراجع الوضع العربي المحيط.
الآن يصمد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، مؤكداً بأن إرهاب الدولة الصهيونية وانحطاطها الأخلاقي والقيمي، سيلقى مصير عمليات الارهاب السابقة التي مارستها حكومات وعسكريون “إسرائيليون” تعاقبوا على مواقع السلطة وسعوا لإخماد إرادة التحرر الفلسطينية، لكنهم اصطدموا بجدار الصمود الفلسطيني الشعبي.
إن المجتمع الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية وداخل دولة “اسرائيل” بات اليوم أكثر تطرفاً ويمينية من الماضي القريب، وأكثر انحداراً أخلاقياً وقيمياً، بحيث أصبحت أجزاء كبيرة منه ترضى عن عملية بشعة كعملية قتل وحرق الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير، كما ترضى عن حزبٍ كحزب المستوطنين من اليهود الروس، الذي ينضح بفجاجة شعاراته وممارساته ومواقفه البالغة في التطرف من المسائل المطروحة في المنطقة ومايتعلق منها بالقضية الفلسطينية. فحزب الصهيوني المتطرف أفيغدور ليبرمان المسمى بحزب “اسرائيل بيتنا” بات اليوم حزباً فاشياً بامتياز، وذي عقلية وتفكير شموليين، في مجتمع يتحول من يوم الى يوم الى أكثر تمزقاً وتعدداً في جذوره القومية المتأتية من بقاع المعمرة الأربع. وكان عالم الاجتماع “الإسرائيلي” النقدي (باروخ كيمرلينج) قد لفت قبل وفاته بأعوام، إلى أن أغلبية “اليهود الإسرائيليين، يمينيين ويساريين، صقوراً وحمائم”تفضّل أن تستفيق صبيحة ذات يوم صافٍ وتكتشف أن الفلسطينيين قد اختفوا أو تبخّروا بطريقة عجيبة.
حزب أفيغدور ليبرمان، يمثل اليوم واجهة عنصرية ساطعة في سماء الدولة الصهيونية، فيما يتربع قائد هذا الحزب في الموقع الأكثر أهمية في صناعة القرار في “اسرائيل” كوزير للخارجية في حكومة ائتلافية يسيطر عليها تحالف قوى اليمين واليمين المتطرف بقيادة حزب الليكود الوريث الشرعي الوحيد لحزب حيروت الصهيوني الذي أسسه المتطرف فلاديمير جابتونسكي (اسمه الحقيقي جوزيف ترمبلدور، مؤسّس صهيونيّة العرق الفاشيّة والتي يتحدّر منها حزب الليكود، وحزب كاديما) وقد أنجب عتاة المتطرفين كمناحيم بيجن والمجرم القاتل اسحق شامير الذي أطلق النار بنفسه ومن مسدسه على الوسيط الدولي في فلسطين السويدي (الكونت برنادوت) فأرداه قتيلاً، قبيل الاعلان عن قيام دولة “اسرائيل” بفترة قصيرة. ان الرد العربي على ضوء مايجري في ظل العدوان الصهيوني البشع على قطاع غزة، لايكون بانتهاج السياسات الرخوة المهيمنة على الساحة العربية الآن عملياً وواقعياً، ولايكون باللغة الطرية الناعمة والمخملية التي يطلقها بعض القادة العرب من حين لآخر تجاه ممارسات “اسرائيل” بل يكون عبر إعادة بناء إستراتيجية عربية جدية وفعّالة، وقبل كل شيء باعادة النظر بحال مايجري في بلادنا حيث غطس الجميع في “مستنقع” وأزمات وأوحال لم يعد فيها الربيع ربيع، ولم يعد فيها الشتاء شتاء.