الرئيسية / وجهات نظر / غزة لن تغرق في البحر! ولن تركع
da44a84d589d07fc7f2467eeb8e0c0a1

غزة لن تغرق في البحر! ولن تركع

لو يستيقظ “بنيامين نتنياهو” ذات يوم من أجمل أحلامه، التي راودته أنه هو وحكومته يتخلصون من عقدة وكابوس غزة، بأنها ستغرق في مياه البحر للتخلص منها، لكن مثل هذه الأحلام تبقى أحلاماً بعيدة المنال، فغزة بشعبها ومقاومتها لن تحقق لـ “نتنياهو” أحلامه، فقد سبقه في هذه الأحلام رئيس الوزراء السابق “إسحاق رابين” قبل نحو عقدين، الذي كان له السبق في هذه المقولة، لكن غزة لم ولن تغرق رغم الظلم اللاحق بها، وبقيت وستبقى صامدة، بعد أن حققت قوة الردع، وتوازن الرعب، وأنهكت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، فبعد ثلاث حروب على غزة خلال ست سنوات، كان أخرها ما أطلق عليه “عمود السحاب”، قبل العدوان الحالي الذي أطلقت عليه “الصخرة الصلبة”-أو”الجرف الصامد”، فلتسمي هذه الحروب ما تشاء، فإسرائيل التي تنادي بالهدوء مقابل الهدوء هي التي خرقت تفاهمات 21-11-2012، باعتداءاتها المتواصلة، وقيامها بتصفيات لكوادر المقاومة، وباعتراف العدو فإن المقاومة ضاعفت قدراتها التسليحية (20) مرة منذ عملية “عمود السحاب”، حسب مصادر الاستخبارات، فقد طورت مدى مسافة صواريخها، ونوعية أسلحتها، مما سبب الذعر في إسرائيل، ودفعت نحو مليوني مستوطن من سكان الجنوب لالتزام الملاجئ، وأصابت نحو خمسة ملايين إسرائيلي في جميع أنحاء البلاد بالذعر، بانتظار صفارات الإنذار للإسراع إلى الملاجئ، فقد زجت إسرائيل بنحو (60) ألف جندي لاجتياح القطاع، بعدما لم تحقق لها صواريخ طائراتها ما تصبو إليه، فاللواء احتياط “غيورا عنبر”، نفي الإدعاء بأن الجنود يرغبون بتنفيذ اجتياح بري ووصف هذا الإدعاء بأنه مجرد هراء.
إن أهداف هذا العدوان المعلنة وهي تأمين الهدوء لسكان الجنوب، وتدمير صواريخ المقاومة وبنيتها التحتية، تحتاج إلى اجتياح القطاع بالكامل، الذي يعترف العدو بأنه مكلف لقواته وأسلحته ومدرعاته، حتى أن قرار الحرب أتخذ بعد تردد وجدل وأخذ ورد داخل الحكومة الأمنية، وأصبح أولوية “نتنياهو” مستقبله ومستقبل حكومته، بعد انفصال حزب إسرائيل بيتنا- برئاسة وزير الخارجية “أفيغدور ليبرمان”- عن تحالفه مع حزب الليكود،مما أدى إلى انكماش عدد نواب الليكود إلى (19) نائبا فقط فالمزايدات خاصة في أوساط اليمين الإسرائيلي، أصبحت ظاهرة مألوفة، فاليمين الإسرائيلي ووزراؤه، ولاعتبارات حزبية للإعداد للانتخابات القادمة للكنيست، دفعوا لارتكاب هذا العدوان بعد أن نجحوا في القضاء على مصطلح المسيرة السلمية من القاموس الإسرائيلي، ومن يتابع النقاش الدائر في إسرائيل يدرك أن من أهداف هذا العدوان توريط “نتنياهو” والتخلص منه، وضمن هذا الصراع، أقال “نتنياهو” نائب وزير الجيش “داني دنون” لانتقاده مسلكية الحكومة، واعتباره القبول بوقف النار صفعة بوجه الإسرائيليين، مع أن “دنون” من حزب “نتنياهو” –الليكود- وكل هذه الصراعات على حساب الدماء الفلسطينية.
إسرائيل وللمحافظة على معنويات شعبها، وضمن حملاتها النفسية، فإنها تكرر في بياناتها أعداد شهداء وجرحى الفلسطينيين، مع أن أغلبيتهم من المدنيين الأطفال والنساء، كما تعطي إحصائية لأعداد الصواريخ الفلسطينية التي دمرتها “القبة الحديدية”، كذلك حجم الدمار الذي لحق بالفلسطينيين بتدمير منازلهم وأحيائهم وتشريدهم، لكنها لا تتحدث عن خسائرها، فجريدة هآرتس نقلت عن شعبة الاستخبارات الإسرائيلية، أن سلاح الجو الإسرائيلي دمر 50% من صواريخ المقاومة، لكن الصواريخ مستمرة بالسقوط شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وبشكل مكثف في أنحاء إسرائيل، مما يفند الادعاءات الإسرائيلية، في المقابل تحاول إسرائيل التعتيم على خسائرها، حتى أن “نتنياهو” اتهم بعض وزرائه بتسريب المعلومات عن خسائر إسرائيل لوسائل الإعلام، وقام بإحالة هؤلاء الوزراء إلى الفحص في آلة كشف الكذب، فالقناة التلفزيونية العاشرة “13-7-2014″، وموقع “واللا العبري” 14-7-2014، نقلاً عن المصادر العسكرية، الإعلان عن إحدى البلدات الواقعة شمال القطاع دون السماح بنشر أسمها، بأنها منطقة عسكرية أمنية مغلقة، ولن يسمح لسكانها من المستوطنين الدخول إليها إلا حسب بطاقة الهوية، ومنع الدخول إليها من غير سكانها، دون الإعلان عن الأسباب، مما فسر بأن خسائر فادحة أصيبت بها هذه البلدة يريدون إخفاءها، ودون وصولها إلى وسائل الإعلام.
لقد صدرت الأوامر للجيش بالقيام بعملية برية في القطاع، تحت ذريعة رفض الفلسطينيين للمبادرة المصرية بوقف النار، وعملية النفق الكبير التي جرت صبيحة (17-7-2014)، هذا النفق الذي بلغ طوله ثلاث كيلومترات، ممتداً من القطاع، مخترقاً الشريط الحدودي، وصولاً إلى مستوطنة “سوفا” للقيام بعملية كبيرة، فكان موضوع الأنفاق من ذرائع العدوان البري، و”نتنياهو” يبحث عن صورة نصر للحفاظ على ماء الوجه، فسلاح الجو استنفد مقدرته، وليس بمقدوره حسم المعركة، وعملية الاجتياح البري بدباباته وسلاح بحرية وبغطاء جوي، فإن فشل هذا الاجتياح، قد يطيح برئيس الحكومة “نتنياهو”.
حركة حماس التي رفضت المبادرة المصرية لوقف النار، كان من أسباب هذا الرفض، تجاهلها وعدم التنسيق معها من قبل مصر، بينما لديها قناعة بأن المبادرة المصرية نسقت مع إسرائيل، وأكدت ذلك جريدة “هآرتس 16-7-2014″، فرفضها لوقف النار وبعد ذلك يجري التفاوض على المطالب والشروط، اعتبرته حماس للتهرب من إلزام إسرائيل بمتطلباتها، وأهمها رفع الحصار عن القطاع، وفتح المعابر وخاصة معبر رفح، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على القطاع، والسماح بإيصال الأموال، وعدم مطاردة المزارعين بالقرب من الشريط الحدودي، وتوسيع منطقة الصيد، والسماح لسكان القطاع الصلاة في المسجد الأقصى، والإفراج عن الأسرى الذين تحرروا في صفقة “شاليط” وأعادت إسرائيل اعتقالهم، إلى غير ذلك من المطالب، وحسب حماس فإن هذه المطالب إذا لم تشملها المبادرة المصرية، فإن إسرائيل ستتجاهلها، لكن حماس بالغت بوصفها المبادرة المصرية، التي صيغت من وراء ظهرها، بوعد بلفور مصري.
إن إسراع “نتنياهو” بعقد جلسة لمجلس الوزراء الأمني، الذي أقر المبادرة، وعارضها كل من الوزيرين “ليبرمان” و “بينت”، يدل على أنه في مأزق من جهة، أو أنه كان يقدر بأن حماس سترفضها، مما يعطيه مداً إعلامياً على الصعيد الدولي، وذريعة لشن العملية العسكرية البرية، بينما اعتبر وزراء اليمين بأن المبادرة المصرية وصمة عار لإسرائيل، حتى أن أحد الوزراء طالب الحكومة بالاعتذار لسكان إسرائيل عن افتقارها للشجاعة ورفض المبادرة، وأن موافقة إسرائيل تصب في صالح حركة حماس حسب الوزير، فالغضب يتفاعل حتى وصف اليمين الإسرائيلي أن الموافقة عليها بموافقة الخائنين، ويتساءلون: لماذا خرجنا إلى هذه الحرب بعد أن وضعت المقاومة كل إسرائيل تحت نيران الصواريخ؟، متهمين “نتنياهو” بالمسؤول المباشر عن هذا التخبط وهذا الفشل، وأن الموافقة الإسرائيلية على المبادرة خطأ استراتيجي، ويمس بمقدرة إسرائيل على الردع، وحسب شروط إسرائيل لوقف العدوان كما نشرتها “يديعوت احرونوت 13-7-2014”: التوقف عن صنع الصواريخ، وحرية الجيش بشن غارات على ورشات صناعة الصواريخ والصناعات العسكرية الأخرى في القطاع، ويد طليقة لمهاجمة الأنفاق، وأن يتعهد الوسطاء بوقف تعاظم قوة حماس، ومنح إسرائيل حرية العمل العسكري إذا تعذر على الوسطاء الشروط الإسرائيلية.
إسرائيل بالغت بقدرة “القبة الحديدية” على إسقاط صواريخ المقاومة، رغم عدم التقليل بقدراتها، وأن كل صاروخ تطلقه يكلف ما يقارب (100) ألف دولار، لكن “د. موتي شيفر” خبير إسرائيلي في هندسة الطيران والفضاء اعتبر بيانات الجيش عن قدرة “القبة الحديدية” تهويلا، وأنه لا صحة بأنها أسقطت أكثر من 90% من صواريخ المقاومة، فهذا العدوان يندرج ضمن الإعداد لمعركة الانتخابات المقبلة، إضافة لحماية سكان الجنوب من الصواريخ، إذ أن هؤلاء السكان بأغلبيتهم يصوتون إلى جانب اليمين الإسرائيلي، وأن أكثر ما يخشاه “نتنياهو” بأن يفقده هذا العدوان منصبه، حيث أن “أيهود أولمرت” فقد رئاسة الوزراء في أعقاب فشله في حرب لبنان 2006، والعدوان على غزة 2008، وأن “نتنياهو” يخشى من تشكيل لجنة تحقيق عن الفشل في هذا العدوان، وإذا كان سكان الجنوب يريدون حلاً جذرياً لأمنهم، فهذه المعادلة يحتاجها أيضاً سكان القطاع، وهذا لن يتحقق إلا من خلال الحل السياسي، وهذا وحده الذي يعيد الأمن والهدوء للجانبين، وأن من يعتقد بأن الحروب تحقق الانتصار مخطئ، وأن دعوتهم للجيش بأن ينتصر كلام في الهواء، فالقوة العسكرية لن تستطيع القضاء على حركات التحرر الوطنية، التي تعمل من أجل إزالة الاحتلال، والحرية والاستقلال، فغزة لن تغرق، وذلك بفضل شعبها ومقاومته وصموده وتضحياته ومعاناته.