الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر وإشكاليات الدستور “التوافقي”
7e7426b369e858674a3ef4221eb83e4b

الجزائر وإشكاليات الدستور “التوافقي”

بعد أن أدى اليمين الدستورية في 28 إبريل/نيسان 2014 لتولي ولاية رابعة، أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، مبادرة لتعديل الدستور أطلق عليها “الشركاء في التشاور”، كما جاء في رسالة الدعوة الموجهة إلى عدد من الشخصيات والأحزاب والفعاليات السياسية والمدنية، ودعا إلى حوار وطني “كي يتم التناغم ما بين أجهزة الدولة، بما فيها رئاسة الجمهورية والمجتمع الجزائري بمختلف شرائحه ومكوّناته” كما جاء في الأسباب الموجبة للمبادرة .
وكان علي بن فليس رئيس الحكومة الأسبق قد دعا إلى استبدال الدستور النافذ بدستور توافقي، وذلك في إطار الحملة الانتخابية الأخيرة، والتي شهدت دعوة من بوتفليقة نفسه على لسان رئيس حملته الانتخابية عبد المالك سلال، لصياغة “دستور توافقي” لمجرد فوزه في الولاية الرابعة، وهو الأمر الذي وجد طريقه إلى الحوار لاحقاً .
جدير بالذكر أن الجزائر منذ استقلالها في العام 1962 اعتمدت دساتير عدّة تم الاستفتاء الشعبي عليها، والدساتير هي على التوالي: الدستور الأول العام 1963 في ظل رئاسة أحمد بن بلّة الذي قام على فكرة الحزب الواحد “جبهة التحرير الوطني” وهو دستور لنظام شمولي من حيث التوجهات وقضايا الحريات والحقوق، ولاسيّما في وحدانية التنظيم السياسي وعدم الإقرار بالتنوّع والتعددية، وهو ما كان سائداً في مصر وسوريا والعراق والعديد من البلدان الاشتراكية .
وكان الدستور الثاني هو دستور العام 1976 في ظل رئاسة بومدين الذي حكم الجزائر من 19 يونيو/ حزيران العام 1965 ولغاية 27 ديسمبر/ كانون الأول العام ،1978 وهذا الدستور عزّز التوجهات الاشتراكية واعتمد سياسة اقتصادية صناعية وزراعية بتعزيز دور الدولة، وكذلك في ميدان التجارة الخارجية، وأنشأ نظاماً طبياً وطنياً وأكّد على حق العمل . ويعتبر دستور العام 1989 الدستور الثالث، وذلك بعد التوجّه نحو التعددية في نهاية عهد الشاذلي بن جديد الرئيس الرابع للجزائر (9 فبراير/ شباط 1979 إلى 11 يناير/ كانون الثاني 1992) وبعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانخفاض أسعار النفط وبروز مشكلات سياسية واقتصادية عديدة في الجزائر، حيث اتجهت البلاد للانفتاح الاقتصادي والتجاري بعد أزمات مستفحلة، وذلك بسن دستور جديد أكّد حرية تأسيس الأحزاب وضرورة إجراء انتخابات ديمقراطية .
وتطلبت المرحلة الجديدة تغييرات دستورية، جرت محاولة أولية لاستيعابها ضمن الدستور الرابع العام 1996 الذي لا يزال نافذاً، وتكرست في الانتخابات الذي أعقبته رئاسة بوتفليقة العام ،1999 الذي تم التجديد له لولاية رابعة في العام الجاري 2014 .
اليوم بعد أن تحققت رئاسة بوتفليقة على الرغم من المحاولات لإعاقة ذلك التوجّه، إلاّ أن الدستور كان يقف إلى جانبها، ناهيكم عن توجهات الحزب الأكبر في البلاد “حزب جبهة التحرير الوطني”، الأمر الذي يحتاج إلى تفكير جديد لإحداث التوافق الوطني أولاً، باتجاه دستور توافقي ولتطبيع الحياة السياسية، وقد تكون سياسة الأمر الواقع أوصلت القوى الحاكمة في الجزائر إلى التفكير بإجراء تعديلات جوهرية على دستور العام ،1996 وصولاً إلى صياغة دستور توافقي، وهو ما كانت تطالب به وتدعو إليه المعارضة .
وكان بوتفليقة قد اقترح في إطار الاصلاحات التي ينشدها العودة إلى إحدى مواد دستور العام 1996 التي تحدد العهدة (الولاية) الرئاسية باثنين لا غير، كما اقترح منح رئيس الحكومة سلطات موسّعة بترخيص من رئيس الجمهورية، أي استبدال مهمته من “منسق الحكومة” إلى جهاز تنفيذي له صلاحيات محددة ومشاركة لصلاحيات رئيس الجمهورية، وذلك تفادياً لتداخل الصلاحيات، وهذه كلّها من مطالب المعارضة . ومن ضمن الاصلاحات المقترحة رفع التجريم القضائي للكتابة الصحفية، وحصر عقوبتها بصلاحيات المجالس العليا للاعلام وما شابهها من الهيئات .
وأعلنت جلسات المشاورات والحوارات على الدستور المقترح في 1 يونيو/حزيران 2014 لمناقشة مبادرة الرئيس بوتفليقة، لكن بعض القوى المعارضة قاطعتها، معتبرة أن النظام يستهدف كسب الوقت، لمنع “الربيع” الجزائري من الحدوث، في حين كانت هي تريد التغيير الحقيقي، وطالبت القوى المعارضة ب”حكومة انتقالية ودستور جديد عبر استفتاء شعبي وهيئة مستقلة دائمة لتنظيم الانتخابات والإشراف عليها” . وقد عبّر عن هذا التوجّه الأحزاب والشخصيات الإسلامية والعلمانية، بمن فيهم حزب الجبهة الإسلامية للانقاذ (المحظورة)، إضافة إلى ثلاثة رؤساء حكومة سابقين .
لعلّ واحداً من الإشكالات التي يعانيها النظام الدستوري والقانوني والقضائي والأمني الجزائري، هي قطاع العدالة الذي يحتاج إلى إصلاحات جذرية، خصوصاً وأنه لم ينل قسطه من التعديلات المقترحة في مبادرة بوتفليقة والفريق الحاكم، وهو ما يعتبر بيت الداء الحقيقي، الذي من دونه لا يمكن الحديث عن إصلاحات .
ربما يتعلق الأمر بالخوف المستحكم من الانتهاكات والتجاوزات التي تمسّ حقوق الإنسان، ومن التغيير الحقيقي، نظراً لثقل ملفات الفساد المالي والإداري والرشا، التي قد تعصف برؤوس كثيرة، لذلك فإن استقلال القضاء يعتبر المدماك الأساسي لإصلاح الوضع الدستوري والقانوني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي في الجزائر، لأنه الضمانة الكفيلة للأمن والطمأنينة وتحقيق العدالة ومساواة المواطنين أمام القانون وحماية حقوق الإنسان .
وقد شارك العديد من القوى المعارضة لاحقاً بحضور الحوار، وقدمت مقترحاتها على هذا الصعيد، كما تم اقتراح استحداث منصب نائب للرئيس، وهو الأمر الذي لا يزال مطروحاً في الكواليس وفي العلن أيضاً، خصوصاً وأن الهدف منه هو تجنّب أي فراغ دستوري في حالة وفاة الرئيس بوتفليقة الذي لا يزال يعاني المرض منذ عامين ونيّف، واضطرّ خلال هذه الفترة إلى الغياب عن البلاد لبضعة أشهر .
وإذا كان بوتفليقة قد نجح في مسألة القضاء على الإرهاب وإنجاز مصالحة وطنية، فإن هاتين المسألتين لا تزالان تفعلان فعلهما في الجزائر في ظل محيط مضطرب بالمشاكل والتحدّيات وبحر هائج بالعواصف والمخاطر، فليبيا تشهد نشاطاً مسلحاً وإرهاباً يومياً من جانب الجماعات الإسلامية، وانهارت مؤسسات الدولة فيها لدرجة مريعة وتنذر بالتمدّد، والنيجر ومالي يعانيان أعمالاً إرهابية وتحركات للجماعات الإسلامية، وهناك مواجهات مسلحة مع الجماعات الإسلامية على الحدود مع تونس، ولا تزال مسألة الصحراء الغربية ومشكلة البوليساريو مستعصية مع المغرب، حيث أغلقت الحدود الجزائرية المغربية منذ عشرين عاماً ولا تزال لحد الآن منذ العام ،1994 إضافة إلى ما حصل في مصر حين هيمن “الإخوان” على الحكم، يضاف إلى ذلك نفوذ الحركات الإسلامية في اليمن وسوريا والعراق، بما فيها جماعات إرهابية مسلحة!
وإذا كان الوضع الإقليمي متفجراً، فإن كسب السلم الأهلي يحتاج إلى إرادة سياسية وقناعة مشتركة وإشراك حقيقي للمعارضة والإصغاء إلى مطالبها المشروعة وتلبيتها،لتحقيق التنمية الشاملة والمنشودة ورفع مستوى المعيشة والقضاء على البطالة التي هي البيئة الحاضنة للإرهاب، إضافة إلى التعصب والتطرف، الوجه الآخر للإرهاب الذي يغذيه الفقر والحرمان والجهل والأمية، كما يحتاج الأمر إلى المزيد من العمل لحماية الوحدة الوطنية وتطوير النظام السياسي والدستوري الجزائري، إضافة إلى تعزيز دور الجيش الجزائري الذي يقوم بعمليات مشتركة مع قوى إقليمية ودولية لمواجهة الجماعات المسلحة في ليبيا على الحدود الجزائرية الليبية، وفي التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب، خصوصاً وأن عقد الإرهاب الجزائري التسعيني (1990-2000) كان مخيفاً بكل ما تعنيه الكلمة، حيث راح ضحيته نحو مئة ألف إنسان .
وطرحت لأول مرة ضمن المناقشات لتعديل الدستور وعلى هامشها مسألة التنوع المذهبي في الجزائر وهو ما حاولت وزارة الشؤون الدينية تنظيم لقاء حوله على مسائل فقهية في غرداية (600 كلم جنوب العاصمة)، خصوصاً وأن أغلبية سكانها من أتباع المذهب الإباضي، خلافاً للمذهب المالكي المتبع لدى أغلبية سكان الجزائر وشمال إفريقيا، ويأتي هذا الأمر بعد مواجهات عنيفة بين إباضيين ومالكيين وسقوط قتلى وجرحى من الطرفين . كما أن تطوير وتعزيز الاهتمام بالتنوّع اللغوي والسلالي في الجزائر وبمشاكل الأمازيغيين الثقافية والإدارية يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، خصوصاً، وأن تلبية الكثير من حقوقهم ومطالبهم كان قد تحقق خلال العقد الجاري .
لقد شمل الحوار نحو 150 تشكيلة سياسية وشخصية وطنية جزائرية حول تعديل الدستور الجزائري التي قادها مدير ديوان رئاسة الجمهورية وزير الدولة أحمد أويحيى، واستمرت 38 يوماً وسيتم تقديمها إلى رئيس الجمهورية بوتفليقة، طبقاً للمادة 174 من الدستور النافذ التي تنص “لرئيس الجمهورية حق المبادرة بالتعديل الدستوري، وبعد أن يصوّت عليه مجلس الشعب الوطني ومجلس الأمة (غرفتا البرلمان) بالصيغة نفسها، حسب الشروط نفسها التي تطبق على نص تشريعي، يعرض التعديل على استفتاء الشعب خلال ال 50 يوماً الموالية لإقراره” وذلك إذا لم يتعارض التعديل مع المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري وحقوق الإنسان والمواطن وحرياتهما طبقاً للمادة 176 من الدستور .
لقد فتح موضوع الدستور التوافقي الشهية لحوارات ضرورية، وذلك بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني التي يمكن أن تلعب دوراً إيجابياً واقتراحياً فاعلاً للوصول إلى ما هو مشترك، بحيث يجنّب الجزائر الكثير من المشكلات والمنزلقات ويمكّنها من التصدّي للتحديات التي تواجهها، لاسيّما بتعزيز الوحدة الوطنية .
* باحث ومفكر عربي
“الخليج” الإماراتية