الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا بين التهديدات الإقليمية والخلل الداخلي
e2b191b749e2a6fcadc658283d40fef4

ليبيا بين التهديدات الإقليمية والخلل الداخلي

تمر ليبيا مثل باقي دول الربيع العربي بمرحلة “ما بعد الثورة”، وهي المرحلة التي تشهد حالة من عدم الاستقرار والتغير العشوائي علي الأصعدة السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية. وتعتمد مرحلة “ما بعد الثورات” علي عدة عوامل تتحكم في مخرجاتها النهائية مثل هيكل الدولة، ونمط الثورة، وحجم التدخل الدولي وطبيعته، والنخب السياسية الفاعلة في المجتمعات والدول المختلفة. ونظراً لاختلاف هذه العوامل في ليبيا عن سائر دول الربيع العربي، نجد أن ليبيا في مرحلة فريدة نوعاً ما، لم تشهدها الدول المجاورة لليبيا والتي شهدت ثورات وانتفاضات اجتماعية وسياسية كمصر وتونس.
وفي سياق التعامل مع الأوضاع غير المستقرة في ليبيا، والتي بدأت في تشكيل تهديدات إقليمية تتزامن مع سائر المشكلات السياسية والأمنية علي الصعيد الإقليمي، عقدت دول جوار ليبيا اجتماعاً لوزراء الخارجية في مدينة الحمامات في تونس حضره وزراء خارجية (أو ممثلين عنهم) كل من تونس، والجزائر، ومصر، والسودان، وتشاد، والنيجر، وممثلين عن جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي. وكالعادة، جاءت الدعوة لهذا الاجتماع لمواجهة الخطر الإقليمي الناتج عن عدم استقرار الأوضاع في ليبيا، ووقف عمليات العنف التي تهدد وحدة التراب الليبي وسلامة المواطنين. وكعادة الدول المجاورة لليبيا، لم تختلف النتيجة النهائية لهذا الاجتماع عن الاجتماعات المشابهة التي سبقته.
وجاء البيان الختامي للاجتماع بالكثير من الديباجة السياسية المعتادة، كالتأكيد علي ضرورة احترام وحدة ليبيا وسيادتها وسلامتها الترابية، ووقف كافة العمليات العسكرية التي تقوم بها الميليشيات المختلفة، ودعوة كافة الأطراف السياسية في ليبيا إلى حل خلافاتها عبر الحوار وانتهاج مسار توافقي. كما نص البيان الختامي للاجتماع علي ضرورة مساهمة دول جوار ليبيا في الاجتماعات والمؤتمرات التي تتناول الشأن الليبي، ودعم كافة الجهود الهادفة إلى توفير أفضل الظروف لعقد مؤتمر الحوار الوطني الليبي ومساندة المبادرات العربية والإفريقية المتعلقة بهذا الشأن. وبالرغم من البلاغة التي تميزت بها الحلول المطروحة في البيان الختامي للاجتماع، إلا أنها لم تتعدى كونها عبارات غير فعالة لا تُترجم إلى مواقف سياسية مؤثرة، أو لحلول فعلية للمشكلات التي عُقد من أجلها الاجتماع في المقام الأول.
ولكن الديباجة السياسية المعتادة لم تكن النتيجة الوحيدة التي انتهى إليها هذا الاجتماع، ففي محاولة للتغيير، اتفق وزراء الخارجية المجتمعون علي وضع خطة عملية للمساهمة في حل الأزمة الليبية، ومن ثم تقرر تشكيل فريقي عمل برئاسة وزير الشئون الخارجية التونسي، أحدهما أمني على مستوى الخبراء الامنيين تتولى الجزائر تنسيق أشغاله، والثاني سياسي على مستوى كبار الموظفين وتتولى مصر تنسيق أشغاله. والهدف من تشكيل فريقي العمل هذه المرة هو تمكين دول الجوار من التدخل بشكل فعلي، من خلال آليات الحوار، في الأزمة الليبية سعياً لإيجاد حلاً لها.
وبالرغم من استمرار الوضع الداخلي في ليبيا علي ما هو عليه، بل أنه، ومما لا شك فيه، يزداد سوءاً علي الأصعدة المختلفة يوماً بعد يوم، إلا أن القلق الإقليمي من الوضع في ليبيا بدأ يتزايد، وراح يتزايد معه القلق الدولي إزاء الأوضاع في ليبيا ومدى تأثيرها علي الدول المجاورة لها وعلي الوضع الإقليمي في شمال غرب إفريقيا بشكل عام. فمن ناحية هناك مشكلة أمن الحدود، والتي تشكل ضلعاً أساسياً في التهديدات الأمنية لدول الجوار، سواء تعلق الأمر بتهريب السلاح أو تسهيل دخول المخدرات أو المساعدة في الهجرة غير الشرعية والاتجار في البشر. ومن ناحية أخرى هناك تخوف من تحول ليبيا إلى بؤرة داعمة ومساندة للتهديدات الأمنية التي تواجه دول الجوار، كالتنظيمات الإرهابية الجديدة في دول شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وجماعة أنصار بيت المقدس في مصر، والتخوف العام من الربط الإقليمي بين هذه التنظيمات وتنظيم “داعش” في كل من سوريا والعراق، وهذا بالطبع بالإضافة للمتمردين من الطوارق في كل من مالي والنيجر.
ولعل كل هذه التهديدات الأمنية هي المحرك الرئيسي لدول جوار ليبيا، والتي بدأت ترى في الوضع في ليبيا تهديداً أمنياً لا يمكن إغفاله أو السكوت عليه، ولهذا نلحظ سعي هذه الدول للتواجد بشكل فعلي في الأزمة الليبية من خلال السعي للتحاور مع الأطراف الليبية المختلفة خاصة علي الأصعدة الأمنية والسياسية، وهو ما يفسر تشكيل فريقي العمل برئاسة مصر والجزائر.
ولكن الأزمة الحقيقية في ليبيا ليست أزمة تهديدات إقليمية، أو اتفاقات سياسية وأمنية بين ليبيا وبين دول الجوار، فالأزمة الحقيقية في ليبيا هي أزمة غياب الدولة المؤسسية، وعدم تمكن نُخب ما بعد الثورة من التوصل إلى اتفاق حول الشكل النهائي للكيان السياسي الشرعي، وبالتالي يتغير المعنى المؤسسي لشرعية الدولة بشكل مستمر، وهو ما يترتب عليه الغياب المتواصل لمفهوم “هيبة الدولة”، ومن ثم تظل ليبيا في مرحلة “السيادة المتعددة” multiple sovereignty فتصبح الدولة غير قادرة علي تطبيق القانون أو علي اتخاد وصناعة القرار السياسي بشكل كامل وغير منقوص. ويترتب علي ذلك عدم تمكن الدولة في ليبيا من تنفيذ ما توصلت إليه وما أبرمته من اتفاقات مع دول أخرى.
ولذا فالتعامل مع الأزمة الليبية لا يمكن أن يتم من دون التواصل مع كل الأطراف الفاعلة، وهذا نظراً لعدم وجود جهة واحدة تنفرد بصناعة القرار في ليبيا. فبالرغم من التهديد الأمني الذي باتت ليبيا تشكله إقليمياً، إلا أن الحلول المعتادة لمثل هذه المواقف كتوقيع الاتفاقات، وعقد المؤتمرات لن تكون ذات نفع كبير. ولعل الحل الأكثر فاعلية هو فرق العمل التي تشكلت بقرار من مؤتمر وزراء خارجية الدول المجاورة الأخير الذي عُقد الأسبوع الماضي بتونس. وقد ألقت هذه الفرق بعبئاً ثقيلاً علي كاهل كل من مصر والجزائر. فيجب أن تنظر الدولتين لما هو أبعد من مصالحهما الشخصية، كما يجب أن تدرك كل من مصر والجزائر أن الهدف الحقيقي من كونهما مسئولان عن تنسيق أشغال الملفان الأمني والسياسي ليس ببساطة رفع التقارير لوزير الشئون الخارجية التونسي، والذي سيقوم بدوره برفع تقرير آخر لوزراء خارجية دول الجوار والذي اقترحت مصر أن تستضيفه في أغسطس القادم، فالمسألة أكبر بكثير من كونها عملية بيروقراطية تنتهي برفع التقارير. فالهدف الحقيقي لفرق العمل هو تحديد الفاعلين علي أرض الواقع، وتمكين الدولة الليبية من احتواء الفاعلين غير المنتمين لها، أو التوصل لصيغة حوار فاعلة بين الدولة الليبية وبين الفاعلين السياسيين والعسكريين غير المنتمين للدولة.
وفي النهاية، تظل حالة عدم الاستقرار في ليبيا تشكل تهديداً أمنياً وسياسياً لمصر. فالمسألة ليست قضية العلاقة الحدودية وحسب، ولا هي قضية التهديدات الأمنية التي يشكلها غياب الدولة بمفهومها المؤسسي في ليبيا، بل هي أيضاً قضية الفرص التنموية، والاقتصادية، والسياسية التي تستطيع مصر أن تخلقها لنفسها داخل ليبيا وبالتعاون معها بعد التوصل لحل فعال للأزمة السياسية الليبية.
“الدستور”