الرئيسية / وجهات نظر / المغرب العربي بين التطرف والاعتدال
8b45614112b96d22d0b70e6619b348bd

المغرب العربي بين التطرف والاعتدال

تعيد إلى الأذهان عملية اختطاف بعض أئمة المساجد المعتدلين في ليبيا، من قبل بعض المجموعات المسلحة المرتبطة بتنظيمات جهادية متشددة، وضعية النشاط الديني والدعوي في دول المغرب العربي، التي تميزت طوال قرون من الزمن بسيادة مطلقة للمذهب المالكي الوسطي . فقد كانت المنظومة الفقهية المغاربية السائدة تتكون من عنصرين لا ثالث لهما، أولهما عنصر تقليدي شبه رسمي ترعاه المجامع الفقهية المرتبطة بجامعة الزيتونة في تونس وجامعة القرويين في فاس بالمغرب الأقصى، وثانيهما عنصر متصل بالتصوف السني المالكي الذي أوجد طرقاً صوفية متعددة من أبرزها الطريقة السنوسية في ليبيا والطريقة التيجانية في الجزائر والمغرب وبعض دول غرب إفريقيا جنوب الصحراء .
والحقيقة أن ما يحدث في ليبيا من استهداف لرموز الفقه المالكي المعتدل ولأضرحة الأولياء الصالحين، وما يجري أيضاً من تصاعد غير مسبوق للعنف من قبل أنصار التيار السلفي المتشدد في تونس، إضافة إلى التجاوزات التي قام بها أتباع الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر المحسوبين على التيار السلفي في التسعينات من القرن الماضي، كل ذلك يعبِّر في مجمله عن حالة الإخفاق التي وصلت إليها السياسات الرسمية لمعظم دول المغرب العربي في التعاطي مع الشأن الديني على مستوى المجال العمومي، وبخاصة بعد أن أدى التضييق على النشاط الديني المنطلق من المرجعيات التاريخية المحلية، إلى ازدهار نشاط ديني موازٍ في أماكن مغلقة ترعاه جمعيات خيرية سلفية تملك قدرات مالية هائلة .
وعليه فإنه وبالرغم من وجود اختلافات بسيطة بين الأقطار المغاربية، فإن هناك عناصر تشابه كثيرة، وتحديداً بالنسبة للحالات الليبية والتونسية والجزائرية . فقد أدت الفوضى المقننة في ليبيا، التي رعاها القذافي إلى تراجع المرجعية الدينية المحلية لأنها كانت مرتبطة بالطريقة السنوسية التي كان يتبناها الملك إدريس المعزول، حيث سعى نظام القذافي إلى محاصرة أتباع الطريقة والتضييق عليهم خوفاً من عودة النظام الملكي، واستغل التيار السلفي الجهادي هذا الفراغ من أجل نشر أفكاره التكفيرية في ربوع “الجماهيرية” لاسيما في المنطقة الشرقية، وبعد سقوط القذافي شرعت التنظيمات المتطرفة في إدارة نشاطها بكل حرية، نتيجة غياب مؤسسات الدولة من جهة، وضعف المرجعية الدينية المحلية من جهة أخرى . أما بالنسبة لتونس التي كانت تمثل إحدى قلاع الفقه المالكي في المنطقة من خلال الدور الريادي الذي كانت تضطلع به الزيتونة، فإن قيام النخب البورقيبية بالمراهنة، بعد الاستقلال، على “ديكتاتورية” الحداثة من أجل تطوير وعصرنة المجتمع التونسي، أدى إلى تراجع تدريجي للمؤسسة الدينية الرسمية، ومن ثمة إلى ارتماء الكثير من الشباب التونسي في أحضان التيار السلفي الجهادي المدعوم من أثرياء هذا التيار المنتشرين في كل أصقاع العالم، وهو التيار الذي كان ينشط في الخفاء على هامش التجمعات الدينية الرسمية التي كانت تعمل الدولة على تقنين ومراقبة نشاطها الدعوي . ومثلت ثورة الياسمين بداية العد التنازلي لتحول هذا التيار المتشدد من مرحلة النشاط السري إلى أفق النشاط العلني، من خلال قيامه بالتحريض على قتل الكثير من رموز المعارضة اليسارية في تونس .
ويمكن القول إن الحالة الجزائرية لا تختلف في جوهرها كثيراً عن الحالتين الليبية والتونسية، فقد عمدت السلطات الجزائرية بعد الاستقلال إلى التضييق على نشاط الطرق الصوفية في البلاد لأنها كانت تتهم بعض مشايخها بمحاباة الاستعمار، ودعّمت بشكل جزئي أفكار وتوجهات “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” التي كان بعض أتباعها ممن يتبنون منظومة فقهية غير متجانسة تلتقي في الكثير من عناصرها مع التيار السلفي والإخواني القادم من المشرق، تلك المنطقة الجغرافية التي كانت ومازالت تعج بالصراعات المستندة إلى خلفية طائفية ومذهبية، وذلك بالرغم من أن مؤسس الجمعية – الشيخ عبد الحميد بن باديس – لم يكن هو نفسه من دعاة الاستقلال، حيث كان يكتفي في الأغلب بدعوة السلطات الاستعمارية إلى الفصل بين شؤون المسيحيين الأوروبيين وشؤون المسلمين الجزائريين . وجاءت محاولات السلطات الرسمية من أجل إعادة الاعتبار للمرجعية الدينية المحلية وللزوايا الطرقية في مرحلة التسعينات من القرن الماضي من أجل مواجهة الجماعات المسلحة التكفيرية، متأخرة، لأنه ورغم سعي السلطات الجزائرية إلى تحجيم دور التيار السلفي، إلا أن أئمة المساجد وبخاصة في مناطق الوسط بالعاصمة الجزائرية والبليدة كلهم تقريباً من التيار السلفي، أما المساجد التي يؤمها شيوخ مالكيون من خرّيجي الزوايا فلا يزال عددها محدوداً، الأمر الذي يطرح الكثير من علامات الاستفهام بالنسبة لمستقبل الإسلام الوسطي والمعتدل في الجزائر، خاصة أن القسم الأكبر من الطلبة المتخرجين في كليات الشريعة في الجامعات الجزائرية يحملون أفكاراً متشددة ذات مرجعية عقائدية سلفية .
ونزعم في هذا السياق أن المغرب يمثل جزئيّاً استثناءً بالنسبة للحالة المغاربية، فقد استطاعت السلطات الرسمية أن تحافظ على غلبة تيار المرجعية الفقهية المحلية والمغاربية من خلال تكوين نخبة فقهية مالكية قوية وفاعلة إلى حد كبير، احتلت معظم المواقع الدينية الحساسة في المملكة، واعتمدت على فريق كبير من الإطارات التي تخرجت في جامعة القرويين بفاس وفي دار الحديث الحسنية التي تقوم الدولة برعايتها بشكل رسمي من أجل المحافظة على الخصوصية الفقهية للمملكة، الأمر الذي يُفسّر إلى حد كبير تواضع التأثير السلفي في المغرب . وحتى جماعة العدل والإحسان المحظورة التي أسسها عبد السلام ياسين، لم تكن سلفية خالصة بل جمعت إلى جانب ذلك بين البعدين السياسي والصوفي، وهدفت إلى منافسة التيار الديني المدعوم من قبل السلطة من خلال الدعوة إلى مرجعية دينية سياسية مطلبية . كما حاولت استثمار الفقر والبؤس الاجتماعي المنتشر في أحياء الصفيح في الحواضر والمدن الكبرى، من أجل اجتذاب المزيد من المنخرطين والأتباع، وذلك تعويضاً على عدم قدرة شيوخها على اعتلاء منابر المساجد بسبب ما وصفته ب” وصاية جائرة على الإسلام والمسلمين في شؤون تديّنهم، من خلال السيطرة على المساجد وتسييسها . .” ! وتشترك هذه الجماعة مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في الجزائر في اعتبار الوطن وثناً وفي إدعائها أن تحية العلم كفرٌ .
بالنسبة لموريتانيا التي حافظت بشكل كبير على مرجعيتها الثقافية والدينية المحلية التي تحمل عناصر تقارب كبير مع ما كان سائداً من الناحية التاريخية في الجزائر والمغرب، نلاحظ أنها تتعرض الآن إلى تأثيرات فقهية ومذهبية متعارضة قادمة من دول الجوار في الشمال ومن إفريقيا وتحديداً من السنغال ومالي، الذي شهد شماله – مؤخراً – انتشاراً غير مسبوق للتنظيمات الجهادية . ونستطيع التأكيد في الأخير على أن الحديث عن جدلية التطرف والاعتدال في دول المغرب العربي يستمد مشروعيته من منطلق أن هذه المنطقة العربية والإسلامية، تميزت عبر كل تاريخها بالوسطية والاعتدال نتيجة غلبة الفقه المالكي في صورتيه التقليدية والصوفية، مع غياب شبه تام للمذاهب السنية الأخرى، وغياب كامل للثنائية السنية – الشيعية وللثنائية الإسلامية – المسيحية، فكل السكان كانوا ومازالوا مسلمين سنيين مالكيين، يحملون تقديراً رمزياً لآل البيت بعيداً عن كل نزعة طائفية أو مذهبية .
“الخليج”