الرئيسية / وجهات نظر / ضربة موجعة في تونس
3e6a1238094aa7bd9e112ffbf1bf9aa2

ضربة موجعة في تونس

ضربة أخرى قوية، توجهها الجماعات الراديكالية إلى الجيش التونسي، حيث جاءت الحصيلة ثقيلة جداً في الأرواح، فسقوط خمسة عشر شهيداً في صفوف العسكريين دفعة واحدة، هزّ البلاد بقوة، وطرح أسئلة عديدة ومزعجة للجميع.
لأول مرة، منذ بدأت المواجهة مع التيار السلفي الجهادي، تتبنى جهة محددة الحادثة، حيث حملت عملية السابع عشر من يوليو/ تموز الجاري توقيع كتيبة عقبة بن نافع، وهو عنوان عاد بذاكرة التونسيين إلى التنظيم الذي اكتشفته أجهزة الأمن في عهد الرئيس السابق، زين العابدين بن علي، بالمصادفة، قبل ساعات من نهاية سنة 2005، واشتبكت مع عناصره في منطقة محيطة بمدينة سليمان، وقتلت 16 منهم. اليوم، يعود الذين يقفون وراء هذا التنظيم، لينتقموا ليس من نظام بن علي، ولكن من الجيش الذي حمى الثورة، ومن النظام السياسي الذي يتشكل تدريجياً، ومن بين نتائجه إطلاق سراح الذين شاركوا في تلك الحادثة المسلحة التي حصلت قبل حوالى عشر سنوات.
تمثلت المفاجأة الثانية في أن الهجوم المباغت نفذته كتيبة منظمة، وصفها وزير الدفاع بأنها جيش يتألف من خمسين إلى ستين مسلحاً، تسرّبوا من خارج الحدود، مدججين بمختلف أنواع الأسلحة، منها قذائف آر بي جي التي استُعملت أول مرة في هذه المواجهات. وعادوا إلى مواقعهم، من دون خسائر تذكر، باستثناء قتيل وحيد. وقد أحدث ذلك صدمة قوية لدى التونسيين، لأن ذلك حصل بحِرَفيةٍ عاليةٍ، في منطقة عسكرية بامتياز، ما فتح الباب أمام تأويلات واسعة، بما في ذلك العودة إلى افتراض أن هذه الجماعة مخترقة من إحدى أجهزة الاستخبارات الإقليمية. وهذه فرضية راجت، أيضاً، بقوة بعد اغتيال شكري بلعيد.
يوجد، اليوم، في السجون التونسية نحو ألف معتقل، بتهم لها صلة بالإرهاب. إذ لا يكاد يمر أسبوع من دون أن يحدث اشتباك مسلح أو اكتشاف لخليةٍ تتهيأ لتنفيذ عملية. وعلى الرغم من العمليات الاستباقية الناجحة التي قامت بها الأجهزة الأمنية، إلا أن ذلك لم يحدّ من قدرة هذه الجماعة، أو الجماعات، عن الاستمرار في استهداف مؤسسات الدولة، وفي استقطاب مقاتلين من داخل تونس، أو الاستعانة بآخرين من خارج البلاد، وخصوصاً من حاملي الجنسية الجزائرية. فكتيبة عقبة بن نافع ولدت، تاريخياً، من رحم تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. ولهذا، تفيد شهادات عديدة لعناصر مسلحة، جرى اعتقالها، بأنه، في مناسبات عديدة، تتحدث القيادات في هذه المجموعات باللهجة الجزائرية، في حين توكل للتونسيين مهاماً تنفيذية، ما من شأنه أن يزيد من إضفاء الغموض على هوية الطرف الرئيسي الذي يقود هذه المواجهة، هل هو تونسي ممثلاً في أنصار الشريعة، أم أنه تنظيم إقليمي؟
تجد النخبة السياسية، اليوم، نفسها أمام تحدٍ خطير، يتمثّل في مدى قدرتها على مواجهة الإرهاب، قبل أن يفتك بالقدرة على المبادرة، وينسف المسار الانتقالي، ويدخل البلاد في حالة من الفوضى العارمة. لكن المشكلة تكمن في أن هذه النخبة منقسمة على نفسها، ولا تتمتع بثقة عموم المواطنين. وبدل أن يوحّدها الخطر الإرهابي الذي لا يميّز بين مختلف هذه الأحزاب، بما في ذلك ذات الخلفية الدينية، فقد عادت من جديد لكي تتبادل التهم. هناك مَن يحمّل حركة النهضة والترويكا السابقة مسؤولية توفير المناخ الملائم الذي سمح لهذه الظاهرة بالتوسّع والتعقّد، ويطالبون بمحاسبتها الآن، في حين ترد حركة النهضة وحلفاؤها على ذلك بنفي التهمة، والقول إن الخصومة السياسية تدفع هؤلاء إلى توظيف أحداث الإرهاب لتصفية حساباتهم، وخصوصاً أن البلاد تعيش على وقع الاستعداد لخوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي ستجري قبل نهاية السنة الجارية.
كانت الضربة موجعة، لكنها لم تكن قاسمة للظهر. فالدولة لا تزال متماسكة، وهناك عزم جماعي على تنظيم الانتخابات في موعدها. فالاقتناع واسع بأن من بين أهداف رافعي السلاح في وجه الدولة العمل على نسف المسار الانتقالي في تونس، وذلك بإرباك الوضع العام، وإنهاك الجميع، وإحلال الفوضى في البلاد.    
“العربي الجديد”