الرئيسية / وجهات نظر / قانون مكافحة الإرهاب والجدل الفضفاض
75121a258ca6a903c5f356a8856e7cda

قانون مكافحة الإرهاب والجدل الفضفاض

عندما يتحول الجدل إلى هواية في حد ذاتها، بلفت النظر عن موضوع الجدل ومدى مصداقيته وجدية مبرراته، فإن الجدل يتم إفراغه من مدلوله ويصبح أي شيء آخر لا قيمة له. وهذا ما يحدث تقريبا في خصوص مشروع قانون مشروع الإرهاب وغسيل الأموال الذي تقدمت به الحكومة التونسية منذ يناير (كانون الثاني) 2014، وتنظر فيه لجنة الحقوق والحريات ولجنة التشريع العام في المجلس التأسيسي الوطني بتونس. فقد عرف مشروع هذا القانون جدلا وتجاذبات وتصريحات متعددة المصادر حول مخاوف افتراضية. ويجري ذلك دون انتباه مخصوص بخطورة التحديات الراهنة في تونس، والتي من آخرها الهجوم الغادر الذي تعرض له جنود من الجيش الوطني التونسي في موعد الإفطار أول من أمس قرب جبل الشعانبي، وأسفر عن استشهاد مجموعة من الجنود.
فالجدل أشبه ما يكون بحوار الصالونات، حيث إن أصحابه يركزون على مخاوف وتوقعات مستقبلية دون اكتراث حقيقي بخطورة اللحظة السياسية والأمنية الراهنة. والملاحظ أن النقاش يطغى عليه الطرح الحقوقي العام والمبدئي، ويُهمش البعد القانوني الأساسي باعتباره قانونا لمكافحة الإرهاب من المهم أن يحتكم إلى مبدأ الردع تماما، كما نولي العناية اللازمة لمسألة الضمانات.
طبعا لا شك في أن دعوات تجاوز قانون ديسمبر (كانون الأول) 2003 والقيام بالتنقيحات اللازمة دعوات في محلها، وذلك من منطلق كونه تم استخدامه أداة لقمع الخصوم السياسيين وكل من كان النظام السابق يتهمه بـ«تعكير صفو النظام العام». فمن غير المعقول تبني نفس القانون الذي تضرر من بطشه وسوء توظيفه العديد من التونسيين.
لذلك، فإن الدعوة إلى تنقيح قانون 2003 قد حظيت بإجماع حتى بين الأطراف المختلفة. ولكن أن يتواصل نفس الجدل ويتم الترويج للمخاوف ذاتها بعد صياغة مشروع القانون الجديد وتركيز النقاش حول مسائل تتصل بالتعريف الفضفاض للإرهاب والجرائم الإرهابية وأيضا تخصيص الجزء الوافر من النقاشات لمسألة مدى توافر الضمانات للإرهابيين القابعين في جبال الشعانبي الذين يتصيدون الفرص للاغتيال ولقتل رجال الأمن والجيش وترويع المواطنين، فإن ذلك فيه ظلم للشهداء الذين قتلوا غدرا وبشكل بشع وفيه استهتار بأحزان عائلتهم وآلامهم، وفيه استخفاف بالأخطار المحدقة بتونس وبمسلسل الإرهاب الذي ما زلنا في أولى حلقاته.
المشكل أن المجادلين يريدون القيام بما عجزت عن تأمينه دول كبرى وعريقة في الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولقد رأينا عقب تاريخ أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 كيف أن مكافحة الإرهاب كانت على حساب الحقوق الشخصية، لأن الأمن القومي لأي دولة هو في الصدارة والأهم والذي تهون في سبيله حقوق لطالما اعتبرت مقدسة وممنوعة المساس. ألم تضطر الولايات المتحدة خدمة لأمنها القومي إلى التنصت بشكل سري على مكالمات الأشخاص الهاتفية ضاربة عرض الحائط بانتقادات المنظمات الحقوقية؟
إن كل التجارب الدولية أقرت بالتأثيرات السلبية لعملية مكافحة الإرهاب على بعض حقوق الإنسان. ومن ثم، فإن المخاوف المعلنة هي عالمية ودولية وليست تونسية، ولا معنى للتوقف عندها وتونس في معركة مفتوحة مع الإرهاب، والمجهول منها أكثر من المعلوم. فالإرهاب جريمة غير عادية وخاصة جدا، واللاعادي فيها يؤدي آليا إلى تجاوزات لا بد منها للقيام بعملية مكافحة الإرهاب.
من ناحية أخرى، فإن القول إن تعريف الإرهاب يفتقر إلى الدقة لا يخلو أيضا من مزايدات. فإذا كانت المفاهيم النظرية العلمية هي في حالة مراجعة ونقد دائمة على امتداد تاريخ البحث العلمي، فكيف يمكن لمفهوم مثل الإرهاب مع ما يتميز به من تعقيد وخطورة وتشعب يأتي على الرمزي والمادي والظاهر والمضمر.. كيف يمكن تحديده بدقة؟
ويبدو لنا أن التعريف الوارد في مشروع القانون يفي بالغرض حيث ينص: «يعد إرهابيا كل من حرض علنا بأي وسيلة كانت على ارتكاب الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بهذا القانون عندما يولد هذا الفعل بحكم طبيعته أو في سياقه أو يشكل خطرا ما باحتمال ارتكابها». إضافة إلى أن الإرهابي المقصود اليوم محدد بشكل واضح: هو من يحمل السلاح ضد وطنه ومجتمعه ويحكم عليهم بالقتل والتكفير باسم الجهاد والدين وادعاء إعلاء كلمة الله.
ولما كان الإرهاب شبكة كاملة، فإن كل العناصر المكونة لها والأطراف العاملة فيها مُدانة. ولا معنى للتنسيب في مسألة مبدئية ومع فئة يجمعها المشروع نفسه وتحركها شهوة القتل ذاتها.
أما ما يروجه البعض في إطار مزايدات وتجاذبات سياسية من أن هناك مخاوف سياسية من استخدام القانون الجديد لتصفية خصوم سياسيين، فإن هذه مواقف مردود عليها لأنها نتاج للاوعي سياسي لا يزال أسير مرحلة ما قبل الثورة. فالمشاركة السياسية اليوم مكفولة واقعيا ودستوريا، كما أن الواقعين السياسي والمدني هما في قطيعة عميقة مع مرحلة ما قبل الثورة. ومن ثم، فإن هذه المخاوف لا أساس لها من الصحة في الواقع الجديد.
إن التفكير في الضمانات الحقوقية وفي صياغة قانون مكافحة الإرهاب بلا ثغرات كلها مؤشرات تدل على قلق إيجابي، ولكن لا يجب أن يؤدي ذلك إلى أن نغفل عن أن الاسترسال في الجدل الفضفاض سيُمكن الإرهابيين من مخططاتهم.
“الشرق الأوسط”