الرئيسية / وجهات نظر / الحرب والهدنة في فلسطين: التباس في المواقف والأهداف
41317eb0dfaf92e94f2294c64fbac846

الحرب والهدنة في فلسطين: التباس في المواقف والأهداف

ملاحظات وانتقادات كثيرة يمكن توجيهها لحركة حماس والجهاد وبقية فصائل المقاومة التي تقود المعركة الدائرة في غزة، ويمكن طرح تساؤلات حول هدف حماس من الانزلاق نحو حرب هيأت لها إسرائيل وأرادتها،وهل من مصلحة وطنية فلسطينية في الدخول بحرب في هذا التوقيت بالذات ؟ أم إنها حرب لصالح أطراف خارجية، على الأرض الفلسطينية وبالدماء الفلسطينية ؟. وقد يختزل البعض ما يجري بأنه معركة حماس فقط لتستعيد شعبيتها وحضورها وتعود لحكم غزة ، أو القول بأن إسرائيل استدرجت كتائب القسام للمعركة ، وكتائب القسام استدرجت القيادة السياسية للحركة ،وحماس استدرجت كل فصائل المقاومة في غزة إلى المعركة : حركة حماس،الجهاد الإسلامي،الجبهة الشعبية،الجبهة الديمقراطية ألوية الناصر صلاح الدين،كتائب شهداء الأقصى ، وغيرها ؟  و لكن كيف نفسر الهبة الشعبية العارمة في الضفة والقدس وداخل الخط الأخضر ضد الاحتلال وممارساته، ونصرة للمقاومة في غزة ؟ .
حتى مع افتراض وجود نوايا وأهداف خاصة لحركة حماس من هذه الحرب قد تتقاطع مع أهداف إسرائيلية ، إلا أن استهداف المقاومة للعدو الإسرائيلي الذي يحتل الأرض ويدنس المقدسات ،ويرفض الاعتراف بالحقوق السياسية المشروعة للفلسطينيين حتى في حدود ما تقره الشرعية الدولية ، ومنظر الأشلاء والجثث الممزقة ونظرات الرعب في عيون الاطفال والنساء والبيوت المهدمة فوق رؤوس ساكنيها … تختزل معاناة شعب وتاريخ قضية وتستحضر كل يوم من أيام السنوات الست والستين للنكبة ، مما يُكسب المقاومة تأييدا ودعما شعبيا دون أن تقف الجماهير كثيرا أمام الحسابات المشار إليها أعلاه.
يبدو أن البعض من فلسطينيين وعرب يوظفون فوبيا حركة حماس والإخوان ،أو المواقف العدائية المسبقة منهما،كذريعة ومبرر لإخفاء عجزهم وفشلهم في تحمل المسؤولية والقيام بالواجب تجاه شعب فلسطين ومعاناة أهل غزة على وجه الخصوص . هؤلاء غير قادرين على التمييز بين الخصم السياسي والعدو الإستراتيجي ، وبين التناقض الثانوي والتناقض الأساسي والاستراتيجي،وانه في حالة المواجهة مع العدو الرئيس يجب تجاوز التناقضات والخلافات الداخلية ، وخصوصا أن إسرائيل لا تستثني أحدا في عدوانها الإجرامي على أهلنا في القطاع ، ولا تميز في الاستيطان وسرقة الأراضي في الضفة الغربية بين أرض أصحابها من حركة فتح وأخرى أصحابها من حماس أو الجهاد الإسلامي.
لا يجوز الوقوف على الحياد في معركة بين كل الشعب الفلسطيني ودولة الاحتلال ، كما لا يجوز الاختفاء وراء المواقف المُسبقة من حماس  لتبرير حالة التردد في إدانة العدوان وفي المشاركة في التصدي له . ما يجري اليوم في فلسطين أصبح يتجاوز كثيرا حركة حماس أو قطاع غزة ليضع القضية الوطنية الفلسطينية برمتها تحت الضوء ، ويُعيد القضية الوطنية إلى أصولها كقضية شعب خاضع للاحتلال ودولة احتلال ،لا تمارس الاحتلال فقط بل تنفي أنها دولة احتلال حيث تتعامل مع الضفة والقدس كأراضي إسرائيلية يشغلها أو يحتلها الفلسطينيون ، ومع قطاع غزة ككيان معاد ! .
 ولكن في نفس الوقت فإن المقاومة أو الحرب ليست سلاحا أو صواريخ فقط ، بل رؤية وإستراتيجية عمل وطنية وأهداف قابلة للتحقيق،وليس من البطولة في شيء توظيف معاناة وعذابات المدنيين وكثرة عدد الشهداء والمصابين وغالبيتهم من المدنيين للزعم بأن المقاومة انتصرت، فالانتصارات تُحسب بعد نهاية المعركة وانطلاقا من النتائج السياسية والمادية للحرب ، كما تُحسب من خلال القدرة على تحقيق الاهداف الوطنية بأقل عدد ممكن من الخسائر ، وللأسف فإن فصائل المقاومة اختزلت المقاومة بالعمل العسكري والصواريخ وهو المجال الذي يتفوق فيه العدو بشكل كبير ولهذا السبب يقع هذا العدد الكبير من الشهداء ومن الدمار في الجانب الفلسطيني ،دون خسائر تذكر عند الإسرائيليين .
عندما تمس الحرب كل الشعب الفلسطيني، ومآلها يمس مستقبل القضية والمشروع الوطني وعلاقة الضفة الغربية بقطاع غزة، في هذه الحالة لا يكفي أن تتحدث  حركة حماس وبقية الفصائل المقاتلة عن إطلاق صواريخ والمدى الذي وصلت إليه الصواريخ ، وعن استعدادها لمواصلة الحرب حتى النصر دون تحديد مفهوم النصر ، بل عليها أن تنظر لواقع الشعب والخراب والدمار الذي يوقعه العدو بالبشر وغالبيتهم من المدنيين،وبالممتلكات،وإن كان بدء الحرب فعل شجاعة ،فإن اختيار الوقت المناسب لوقف الحرب فعل شجاعة وعقل أيضا ، خصوصا أنها مجرد جولة من جولات حرب ستطول .
لا يعني ذلك الاستسلام لإرادة إسرائيل والقبول بهدنة مذلة،لأن إذلال المقاومة إذلال لكل الشعب ،وإذلال غزة إذلال لكل فلسطين ،ولكن الحفاظ على أرواح المواطنين وممتلكاتهم  وعلى مقدرات الصمود التي يحتاجها الشعب لمعارك قادمة لا محالة، مسؤولية ومهمة وطنية أيضا . يجب توظيف انجاز المقاومة للمصلحة الوطنية العامة وليس لمصلحة هذا الحزب أو ذاك من خلال تنسيق وطني ما بين إنجاز فصائل المقاومة، والعمل السياسي والدبلوماسي الذي عنوانه الرئيس ومنظمة التحرير والسلطة ،وجعل كل منهما داعم للآخر . كلما زادت الخسائر البشرية والمادية كلما زادت تبعيتنا للخارج . فبعد الحرب سنستجدي الكريم واللئيم من الحكام والأنظمة لإغاثة غزة وبناء ما دمرته الحرب ، وكل دعم خارجي له ثمن سياسي .
كل حرب تنتهي بوقف إطلاق نار وهدنة ، ولكن في حالة المعركة الدائرة في غزة حيث حالة ملتبسة ومعقدة تحكم الحرب وأطرافها فإن الهدنة لن تكون مجرد وقف إطلاق نار بل لها ابعاد سياسية خطيرة . هناك التباس ما بين السياسي والعسكري وهل هي حرب بين دولة غزة ودولة إسرائيل ؟ أم حرب بين حركة تحرر وطني ودولة الاحتلال ؟ وما هي الأهداف السياسية لكل طرف ؟ والتباس ما بين الوطني والعربي والإقليمي ، دور مصر وتركيا وقطر ، والتباس في العلاقة ما بين السلطة والرئيس أبو مازن وحكومة التوافق من جانب وحركات المقاومة في غزة من جانب آخر ، وما بين غزة والضفة ، وغزة وإسرائيل الخ .
لكل الالتباسات والتعقيدات السابقة كان يفترض تشكيل غرفة عمليات فلسطينية لمتابعة مجريات الحرب وللبحث في الهدنة . نقول بكل وضوح إن خللا شاب تعامل كل القوى الفلسطينية مع مقترح الهدنة الذي قدمته مصر،وهو خلل يكشف خللا أكبر يكمن في المصالحة ذاتها. لو كان هناك مصالحة حقيقية وتصفية للنفوس ،لبدت في التعامل مع الحرب منذ يومها الاول . إن توافقا داخليا على متطلبات وشروط هدنة تنقذ الشعب من الدمار والحرب ، أجدى بالتوافق من تشكيل حكومة تكنوقراط . كان من المفترض قبل أن يقبل أو يرفض أي طرف فلسطيني الهدنة أن يتصل ويتشاور مع الأطراف الفلسطينية الأخرى، لا يجوز أن تذهب حركة حماس لتركيا وقطر لتبحث في أمر الهدنة وما بعدها ، ولا نعلم إن كان الرئيس أبو مازن تشاور أم لا مع الفصائل شركائه في الحكومة والمصالحة، قبل أن يعلن قبوله بالهدنة ؟ .
إن كانت بعض الأطراف غير الفلسطينية لا تمانع بالتعامل مع حالة الانقسام،واللعب على الخلافات الفلسطينية الداخلية وخصوصا بين العناوين الثلاثة : الرئيس أبو مازن والسلطة من جهة ، وحماس وحلفائها من جهة ثانية ، ومحمد دحلان من جهة ثالثة ،  فيجب علينا كفلسطينيين أن نكون حذرين ونفرض رؤيتنا المشتركة للهدنة وما بعد الهدنة لأن القضية قضيتنا والدماء التي تسيل دماء شعبنا ولا نريد هدنة تعزز من الخلافات الداخلية وتثير فتنة داخلية وخصوصا في قطاع غزة ، ثم بعد الاتفاق الداخلي على الهدنة  نتفاوض مع الوسطاء حولها بما يحافظ على كرامة المقاومة وعلى وحدة الشعب والأرض .
نتفهم أن تخوفات حركتي حماس والجهاد الإسلامي من المبادرة المصرية حول الهدنة لا تكمن بأن المبادرة تطالب بوقف الأعمال (العدائية) بين الطرفين ،فهذا أمر حدث في الهدنة السابقة في عهد الرئيس الإخواني محمد مرسي، بل الخوف من الخطوة التالية لوقف إطلاق النار، والتي قد تذهب إلى درجة وضع سلاح المقاومة على طاولة المفاوضات والمطالبة بالتخلص منه ، أيضا نتفهم مطلب حركتي حماس والجهاد بربط الهدنة برفع الحصار عن غزة ،لأن الحصار جاء نتيجة سيطرة حماس على قطاع غزة وما تعتبره إسرائيل أعمال عدائية من غزة تجاه إسرائيل ،والهدنة ستوقف هذه الأعمال (العدائية) كما أن غزة ستعود لسلطة حكومة التكنوقراط والرئيس أبو مازن فلماذا يستمر الحصار؟ ،أيضا نتفهم غضب حماس والجهاد لتجاهل الوسطاء لهم ،وهما العنصر الرئيس في الحرب ؟  أيضا يمكن إثارة أسئلة مثل: كيف يتم التوقيع على هدنة تقول بوقف الأعمال (العدائية) بين دولة احتلال وشعب خاضع للاحتلال قبل نهاية الصراع وقيام الدولة الفلسطينية ؟ ألا يعني ذلك إخراج قطاع غزة من الحالة الوطنية وجعله شاهد زور على جريمة الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس ؟.
مع ذلك كنا نتمنى لو أن حركة حماس والجهاد لم تتعجلا برفض الهدنة مما أعطى إسرائيل المبرر لتقول للعالم بأنها تجاوبت مع المطلب المصري والدولي وقَبِلت الهدنة وأوقفت الحرب ، وأن الفلسطينيين هم الذين رفضوا الهدنة ، حيث كنا نتمنى لو أن حركتي حماس والجهاد نسقوا مع الرئيس على رد مرن كالقول : نعم نقبل الهدنة ولكن هناك أمور وشروط علينا أن نبحثها بعمق، أو كلفوا الرئيس بالتفاوض على شروط مشرفة للهدنة ،أو طالبوا بتشكيل وفد مشترك للبحث في تفاصيل الهدنة ، وخصوصا أن هذه الهدنة إما أن تعزز الوحدة الوطنية بما ينهي الانقسام ،أو تكرس الانقسام نهائيا.
ما يجري في غزة والضفة والوتيرة المتسارعة للعدوان يشير لمرحلة جديدة من المواجهة مع إسرائيل تتطلب أن تتعالى حركة فتح وحركة حماس وكل من يدور في فلكيهما عن خلافات وأحقاد الماضي، فالكل اخطأ في حق الآخر وفي حق الوطن، واقتناص هذه اللحظة التاريخية بما يخدم المصلحة الوطنية المشتركة. نتمنى من الرئيس توظيف الحالة الشعبية غير المسبوقة في تصديها ورفضها للاحتلال والهدنة القادمة ليُعيد ترتيب الوضع الفلسطيني الداخلي من جديد، ويغير من قواعد التعامل مع القوى السياسية الفلسطينية ، ومع إسرائيل ، ويعزز من مكانته الدولية وليخوض معركة الدولة الفلسطينية وهو أكثر قوة ، وخصوصا أن الذين يطلقون الصواريخ من غزة والذين يثورون في الضفة والقدس ، كذا الذين يعانون من العدوان على غزة ومن ممارسات المستوطنين في الضفة، كل هؤلاء ينتمون للشعب الذي هو رئيسه.
ونتمنى على  حركة حماس أن تستوعب وتقرأ جيدا سلبية الانظمة العربية والإسلامية وعجز الجماهير عن فعل شيء للشعب الفلسطيني ، وأن تستوعب وتقرأ بطريقة صحيحة حالة التأييد والتعاطف الشعبي مع ما يجري في قطاع غزة ، فموقف الجماهير يعبر عن تعاطف مع معاناة الشعب ورفض الاحتلال وممارساته ، وليس تأييدا لمشروع ديني ايديولوجي .