الرئيسية / وجهات نظر / المالية العامة في ليبيا: إلى أين؟
a9562e4ef3ee185b2ccb955e188d5525

المالية العامة في ليبيا: إلى أين؟

ليبيا دولة غنية ومساحتها كبيرة وهي من البلدان القليلة في العالم العربي والعالم ككل الغير مدينة لصناديق مالية عالمية أو إقليمية. والأهم أن عدد سكانها يعتبر ضئيلاً إذا قورن بغيرها من الدول المنتجة والمصدرة للنفط، إذ لا يتجاوز ستة ملايين نسمة شخص من دون احتساب غير الليبيين. ووصل احتياط ليبيا قبل التغيير السياسي إلى 165 بليون دولار وعائداتها السنوية من النفط إلى 60 بليون دولار.
لكن هذه الاحتياطات تتبخر تدريجاً فيما لم يعلَن يوماً حجم احتياط الذهب. ويعود السبب إلى تراجع عائدات النفط إذ هبط الإنتاج من 1.6 مليون برميل يومياً في منتصف 2012 إلى اقل من 300 ألف برميل يومياً الآن نتيجة الإضرابات والاحتجاجات في المنشآت النفطية الرئيسة في البلاد والتي تسببت بإغلاق الموانئ النفطية الكبرى على رغم بوادر الحلحلة أخيراً، ناهيك عن تعطل محطات التكرير ما جعل ليبيا تضطر إلى استيراد الوقود من الخارج وعمليات تهريب النفط المستمرة منذ ثلاث سنوات.
وحضت الحكومة الليبية المصرف المركزي أخيراً على استخدام أموال من صندوق خاص للاحتياطات يزخر بالبلايين من الدولارات التي تراكمت من مبيعات نفطية سابقة، وذلك للمساعدة في التعويض عن الخسارة الكبيرة في عائدات النفط جراء تراجع الإنتاج وبالتالي الصادرات، ما أصاب المالية العامة للبلاد بشلل شبه تام.
ويُتوقع أن يطلب المصرف المركزي من المحكمة العليا توضيح القواعد التي يكون بموجبها ملزماً بحكم القانون بالإفراج عن مبالغ من صندوق الاحتياط، الأمر الذي يصر على رفضه العقيد المتقاعد خليفة حفتر وحلفاؤه الذين يشككون بهذه العملية ويعتبرون أنها تشكل استمراراً لتسيب أموال الدولة. ويؤكد رئيس حكومة تصريف الأعمال عبدالله الثني، أن هبوط عائدات النفط تسبب في خسارة العديد من المشاريع الإنمائية وعطل رواتب موظفي القطاع العام لأكثر من شهرين ما تسبب في احتجاجات واسعة في العاصمة طرابلس ومدن كبرى أخرى، وأدى إلى نوع من الفلتان الأمني، ما بات يهدد استقرار ليبيا ودفع بالمجموعات المسلحة التي لجأت إليها الحكومة لتأمين منشآت الدولة، إلى تطويق المصرف المركزي وبعض المصارف المحلية لتحصين مستحقاتها التي أقرتها الحكومات السابقة.
كل هذه العوامل جعلت من الضروري اللجوء إلى صندوق الاحتياط الخاص الذي أنشئ قبل 20 سنة. لكن وعلى رغم الضغوط الحكومية، يتمسك المصرف المركزي بموقفه لأن هذه الأموال العائدة للصندوق يجب أن تبقى محفوظة للأجيال المقبلة، ويجب زيادتها لا خفضها، والبحث عن مخارج لزيادة إنتاج النفط وصادراته ورفع العائدات التي هوت إلى اقل من ربع ما كانت تجنيه ليبيا في السابق.
وتفيد إحصاءات للمصرف المركزي بأن الاحتياطات هوت إلى 100 بليون دولار من 130 بليوناً في 2013، علماً بأن جزءاً منها مودع في الخارج أو مستثمر في أصول أجنبية مثل حيازات الأسهم أو في محافظ استثمارية ما يشجع محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير على تمسكه الرافض للمساس بالاحتياطات الخارجية لأنها بحسب قوله إذا تراجعت في الأشهر المقبلة ستدخل مالية ليبيا الخطوط الحمر، ما يصعب بالتالي عليها الاقتراض من الأسواق المالية العالمية، بغض النظر عن الإمكانيات الأخرى التي تملكها ليبيا والمصادر غير النفطية مثل الصيد البحري والزراعة والمناجم والصناعات البتروكيماوية.
وفي خضم التجاذبات الحاصلة حيال اللجوء إلى الاحتياط تحدث رئيس الحكومة السابق علي زيدان، عن وجود نحو 200 بليون دولار من الأموال الليبية المجمدة في الخارج، وهو أمر أثاره خلال زيارته للولايات المتحدة قبل استقالته ولجوئه إلى ألمانيا، ولم يتجاوب معه صندوق النقد الدولي الذي زاره ولم تتجاوز إجابته الوعد بطرح ملف استعادة أموال ليبيا المجمدة في الخارج على مجلس الأمن. لكن الصندوق اشترط في المقابل أن تقوم الحكومة الليبية بإجراءات إيجابية على مستوى حقوق الإنسان واستتباب الأمن وتدوير عجلة الاقتصاد وعودة الصادرات النفطية إلى مستوياتها السابقة أي 1.6 مليون برميل يومياً.
يمكن القول إن ليبيا تتقدم بسرعة نحو انهيار وضعها المالي إذا لم يُحسم الوضع السياسي والأمني على الأرض، وكذلك إيجاد قواسم مشتركة بين القوى المتصارعة تقوم على تثبيت الاستقرار كي تعود العجلة الاقتصادية ولو تدريجاً إلى الدوران. ويجب العزوف عن اللجوء إلى سحب أموال من الاحتياطات الأجنبية الموجودة لدى المصرف المركزي الأمر الذي لا يبدو متوقعاً في القريب العاجل.
وبادر المصرف المركزي إلى محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتلافي الانهيار المحتمل للمالية في حال بقي الوضع على حاله فاقترح إصدار سندات إسلامية (صكوك) لتمويل عجز الموازنة للسنة المالية 2014 – 2015 وتعويض خسائر إيرادات النفط التي قد تؤدي إلى عجز تبلغ قيمته 25 بليون دولار إذا طُبِّقت الموازنة الجديدة بالكامل، لكن إدارة المصرف لا تزال تتفاوض بهذا الخصوص مع الحكومة التي لم تحدد موقفها بعد.
“الحياة” اللندنية