الرئيسية / وجهات نظر / سيّاح الدرجة الثانية في تونس
90affd43fc58f041a6b803f6e924fc34

سيّاح الدرجة الثانية في تونس

وهي تجتاز بهو المطار للاطمئنان على ظروف استقبال السياح الاجانب فوجئت وزيرة السياحة التونسية بشخصين يتقدمان نحوها ليبادرانها بالشكوى من ضياع امتعتهما فور أن وصلا من احدى الرحلات الخارجية. يبدو الامر شبه عادي في ظل حالة من الفوضى بلغت حدودا قصوى اول ايام رمضان، لما فوجئ الركاب الذين وصلوا ساعة الافطار بغياب تام للعمال المكلفين بشحن الحقائب، ما تسبب في حدوث توتر دفع وزير النقل لان يسارع الى القيام بزيارة تفقدية للمطار، أعلن على اثرها اتخاذ جملة من الاجراءات العقابية الصارمة في حق العمال المستهترين.
موسم السياحة الذي يفترض ان يبلغ الان اعلى درجات الذروة لم يكن بحاجة لطعنات اضافية في الظهر مثل، تسيب وقلة انضباط بعض العمال بمطار العاصمة، او تراكم الفضلات بشوارع المدن الكبرى بعد اضراب عمال النظافة، فقد اقر المسؤولون اخيرا بعد ان ظهرت حصيلة النصف الاول من العام وانتهت حجوزات الصيف، بفشلهم وعجزهم عن تحقيق الاهداف التي رسموها منذ شهور قليلة، وهي الوصول الى جلب سبعة ملايين سائح بنهاية العام الحالي. اما الوزيرة الاكثر شهرة واثارة للجدل في تونس، أي وزيرة السياحة، فقد رأت في تخفيض سقف التوقعات الى 6.4 مليون سائح امرا اقرب للواقع، شرط استقرار الظرف الاقتصادي والامني والاجتماعي. في ظل الحملات الدعائية التي اشرفت عليها وقادتها بنفسها في معظم الاحيان والترويج الاعلامي المتواصل لنشاطاتها بالداخل والخارج، يبقى التساؤل ان كان الاقرار الاخير يعني في النهاية ان كل تلك الجهود ذهبت سدى وتبخرت معها الآمال بان تكون السياحة هي حبل النجاة الاكثر يسرا وسهولة لاقتصاد غريق ومنكوب؟
منذ شهور وقسم واسع من التونسيين ينتظر بتفاؤل حذر ومحسوب ان يتحول الموقف السياسي الجديد لفرنسا الى خطوات عملية ولو محدودة، تقطعها باريس وهي الشريك الاقتصادي الاول نحو بلد صار ينجذب يوما بعد آخر الى دوامة ازمة مالية طاحنة، ويحتاج لضخ الحياة من جديد في سياحة هشة محدودة السوق ضعيفة البنية، ظلت منذ ولادتها منتصف الستينات رهينة لتقلبات وكالات الاسفار الاوروبية واهوائها، لكن فرنسا تستمر في ادارة الظهر لهم وتتجاهل عن عمد كل انتظاراتهم، وحتى المجاملة اليتيمة التي اطلقها الرئيس اولاند اوائل هذا العام من تحت قبة المجلس التأسيسي، بدعوة الفرنسيين ليقضوا عطلتهم الصيفية بتونس لم تجد صدى لدى مواطنيه، فاعداد السياح الفرنسيين، وفقا لما تقوله الارقام، نزلت من 251 الف سائح العام الماضي الى 230 الف سائح فقط هذا العام، بالنسبة للشهور الخمسة الاولى من السنة. ومن الواضح ان تصريحات السفير الفرنسي لاحدى الاذاعات الخاصة منتصف الشهر الماضي حول توقعاته بعودة قوية للسياح الفرنسيين الى تونس هذا الموسم لم تكن سوى استمرار دبلوماسي ناعم لتلك المجاملة الرقيقة مثل، الاعلان عن قرار وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس قضاء اجازته السنوية بتونس، تشجيعا منه للسياحة واستجابة لدعوة اولاند المذكورة، اذ في الوقت نفسه الذي خرج فيه السفير بتلك التصريحات كان روني الطرابلسي، وهو واحد من اباطرة سوق السياحة في تونس، ومرشح سابق للوزارة عند بداية البحث عن فريق من التكنوقراط لتشكيل الحكومة، يصرح لاحدى الصحف المحلية بان الموسم السياحي قد انتهى. نهاية الموسم قبل ان يبدأ فسرها روني وهو يهودي تونسي اشرف على الاحتفالات السنوية لليهود بجزيرة جربة منتصف مايو/ ايار الماضي بان «قطاع السياحة قد دفع ثمن تصرفات لا مسؤولة وغير مفهومة». اما عن طبيعة تلك التصرفات فهي دوما، وحسب تصريح روني، مساءلة النواب بالمجلس التأسيسي لوزيرة السياحة على خلفية الضجة التي اثارها دخول اسرائيليين للبلد بجوازات سفر اسرائيلية، اذ انهم لم يفكروا بالعواقب الوخيمة لذلك الفعل، فحسب ما اكده اصحاب وكالات اسفار فرنسية وعدد من المسؤولين تحدث معهم في الموضوع فان «ما جرى للوزيرة في المجلس التأسيسي لا يشجعهم للعمل في تونس، وهو يعد تعبيرا عن رغبة سياسية لدى تونس في عدم التشجيع على السياحة»، والكلام دوما للمتحدث اليهودي نفسه.
العزوف الاوروبي يقابل بتدفق لافت لاعداد مهمة من الجزائرين والليبيين لقضاء عطلتهم بتونس، خصوصا في شهر رمضان ومعظم الحجوزات في الفنادق والمنتجعات السياحية خلال هذه الفترة قام بها هؤلاء اكثر من غيرهم من الجنسيات الاخرى. اما التناقض المر الذي يقطع اوصال تونس فيظل محصورا في تلك النظرة الدونية والعنصرية التي بقيت تلاحق الجيران العرب، رغم ان العوائد المالية من وراء زياراتهم الى البلد تعادل او تفوق في بعض الاحيان ما يجلبه السياح الاجانب والاوروبيون بالاساس من عملات صعبة. يبدو الامر اشبه بمفارقة غريبة، اذ يبدي التونسيون حرصا عجيبا على الظفر باموال العرب، لكن لا يرغبون او يرتاحون في الوقت نفسه لوجودهم بينهم.
وهذا ما قد يفسر الاسلوب الذي بنيت عليه السياحة التونسية منذ منتصف الستينات. فالفنادق والمناطق السياحية اشبه بـ»الغيتوهات» المغلقة التي لا اتصال لها بالناس، الا عبر ما يسمى بالمسالك السياحية اي طرق السير والتجوال داخل الاسواق ومحال الصناعات التقليدية.
لا النظرة ولا الاسلوب تغير، وحتى ابناء البلد ظلوا محرومين بدورهم ولسنوات طويلة من الفنادق الكبرى احيانا، تحت مبرر شكلهم او مظهرهم غير اللائق. ما يحصل هو ان العرب يجدون انفسهم سياحا من الدرجة الثانية مهما انفقوا من اموال او جلبوا من عوائد، بينما السادة الاوروبيون البيض هم سياح الصف الاول والضيوف المرحب بهم، على قلة الانفاق والمخاطر والتهديدات التي قد يمثلها البعض منهم على هوية البلد وثقافته وعاداته. حتى النشاطات الرياضية العربية باتت تمر في صمت محير، فاواخر الشهر الماضي نظمت باحدى المدن السياحية اول بطولة عربية في رياضة غير معروفة ابتكرها لبناني من صميم التراث العربي، وتعرف برياضات قوة الرمي. لم تحضر الوزيرة بالطبع ولم يلحظ لا حضور رسمي ولا اعلامي، ربما لانشغال الجميع بالمونديال او بشؤون اكثر اهمية من ذلك. لم يسبق ان تعرض السياح الاجانب الوافدون على تونس طوال المرحلة الصعبة التي يجتازها البلد الى اي اعتداء او تضييق، ورغم ذلك فلا انخفاض الدينار ولا الاسعار المتدنية تغريهم بالقدوم اليها. اما سياح الدرجة الثانية فلا يبدو انهم بحاجة الى اغراءات او محفزات. هم يحبون بلدا لا يراهم الا من خلال الدولارات التي يتركونها بعد مغادرتهم، ومع ذلك يواصلون القدوم اليه كل عام بحنين وشوق لا يفهم. هل تعدل الصورة يوما؟ من يدري فقد تكون مصائب الموسم السياحي فرصة نادرة واستثنائية لتعديل النظرة القديمة الجامدة والغاء الفارق في معاملة الشقيق والصديق وسائح الدرجة الاولى والثانية. اما كيف ومتى يحصل ذلك فلا احد حتى الان في تونس يملك الجواب، رغم ان الجميع يتفق على ان الحل ليس في كل الاحوال على مرمى البصر.
“القدس العربي”