الرئيسية / وجهات نظر / الليبي الذي يحكم عراقيين
ac40915babebfd455f71401a83987905

الليبي الذي يحكم عراقيين

هنيئاً للعراق، أو لبعضه على الأقل، دولة الخلافة الممتدة أيضاً على أرض «شامية»، ووجه التهنئة هو أمر من الخليفة «المقدس» بأن يكون أبو أسامة المصراتي والياً على ناحية السعدية في ديالى. ولكن، كيف لعراقي عاش في دولة مدنية أو شبه مدنية أن يتقبل (أي يلبي أوامر) الوالي وهو لا يعرف اسمه الحقيقي، إذ لا تكفي الكنية النضالية للتعريف بالشخص واسم أبيه والعائلة أو القبيلة، التعريف الضروري في التعاملات المدنية بما في ذلك رفع دعوى على الشخص إذا خالف القانون.
وإذ تؤكد تولية المصراتي على منطقة عراقية أنّ دولة الخلافة الجديدة أممية لا وطنية، فهي تؤكد من باب أولى نهاية «النظرة العراقية» للمجتمع التي تراعي تنوع السكان اثنياً ودينياً وطائفياً كما تراعي عاداتهم الموروثة والموزّعة على تقاليد زراعية ومدينية وبدوية، حيث تتداخل المعتقدات في وجهيها النخبوي والشعبي. لا يهتم المصراتي بهذه الشؤون التي لا يألفها أهل مصراتة الليبية وامتدادهم في شمال أفريقيا. هناك يقسمون العالم إلى قسمين، مستعمرين أوروبيين، وتحديداً إيطاليين وفرنسيين وإسبان، يجري تعريفهم بأنهم «المسيحيون»، والقسم الآخر هم السكان الأصليون الثائرون على الاستعمار، ويعرّفون بأنهم «المسلمون».
لا يعرف أبو أسامة المصراتي حاضر العراق والمشرق العربي وتاريخهما، ولا يريد أن يعرف أن هذه المنطقة متعددة الأقوام والديانات والطوائف، وأنها ثارت على الاستعمارين البريطاني والفرنسي لانتزاع الحرية والاستقلال وليس لإلحاق الهزيمة بالمسيحيين الذين يعتبرونهم مواطنين كاملي المواطنة، ولا علاقة لهم بالبريطانيين والفرنسيين، فالصراع وطني أو قومي أو إنساني وليس دينياً في أي حال.
المسيحي العربي المشرقي ثار على المستعمر المسيحي الأوروبي مثلما ثار شريكه في الوطنية والقومية المسلم العربي على المستعمر المسلم العثماني، بعدما تحولت السلطنة إلى عصبية طورانية تعادي العرب وتتخلى عن التسامح الذي وسم مراحل نهضتها.
وربما يتذكر والي ناحية السعدية أو يتذكر أهله في مصراتة، أن العقيد معمر القذافي منع هبوط طائرة سورية في مطار طرابلس تقلّ وفداً حكومياً وأعادها من حيث أتت، والسبب أن الوفد الحكومي السوري يرأسه الوزير جورج صدقني، فكأن العقيد الليبي يصر على أن جورج صدقني ضابط إيطالي مستعمر وليس كاتباً وسياسياً سورياً تقلّدَ الوزارة في وطنه مرات عدة.
لا محل لهذه التفاصيل، فـ «المقدس» بحسب ترجمة «الخليفة» أبو بكر البغدادي وواليه أبو أسامة المصراتي، يعلو على اجتماع الناس وتدينهم واقتصادهم وثقافتهم الشعبية، كما على تاريخهم القريب والبعيد. وهذا الاستعلاء، بدعوى التسامي الديني المعولم، يعتبر، من الناحية العملية، تحقيراً للرعايا المحكومين، وقسرهم على ولادة جديدة من الصفر، أي من الأبجدية الأولى في لغة الخليفة.
وليسمح لنا الخليفة المستجدّ بالقول إن أركان دولته، بمن فيهم والي ناحية السعدية في ديالى، يجهلون البلاد التي يحكمونها بالقوة، جهلاً يليق بغزاة يستعيدون سيرة المغول، وما شاب غزو المغول من انقسامات حقيقية أو مفتعلة، هي المرجع المفضل لناشري الفتن وناهبي الثروات.
“الحياة” اللندنية