الرئيسية / وجهات نظر / تونس .. حتى لا تكون مصالحة مغشوشة
تونس

تونس .. حتى لا تكون مصالحة مغشوشة

سأل المذيع، في مكر بليغ، ضيفه خالد الكريشي، نائب رئيس هيئة الحقيقة والكرامة في تونس (الهيئة التي فوض لها الدستور إدارة ملف العدالة الانتقالية): انتهى دوركم، فمن انتخبوكم (يقصد حركة النهضة إبّان المجلس التأسيسي) سيعقدون قريباً مصالحة مع جلاديهم، وقد أصبحوا، منذ أشهر، حلفاءهم في الحكم. فماذا أنتم فاعلون؟ تضعنا مبادرة زعيم “النهضة” الشيخ راشد الغنوشي أمام وضعيةٍ درامية، تربكنا بشكل مثير، وتطرح السؤال الأشرس: ماذا يكون موقف المنتصرين للعدالة، حين يعمد الضحية إلى معانقة جلاده، غير عابئٍ بمشاعر التعاطف معه، بل ويذهب بشكل انفرداي مع “خصمه”، غير عابئ بمن يؤازره، إلى عقد إبرام ضرب من “الصفقات التاريخية” معه.
أكد الغنوشي، في تصريح له، إثر لقائه الرئيس الباجي قائد السبسي، نهاية الأسبوع الماضي، أن المصلحة الوطنية، وقد غدت من الضرورة، تقتضي عفواً وطنياً شاملاً، من شأنه أن يطهر التونسيين من مشاعر الثأر والحقد، حتى يتخففوا من تلك الأعباء، ويتفرغوا لبناء المستقبل. تعرضت اللقاءات الأخيرة التي جمعت بدايةً بين الرجلين، وتبعهما حزباهما لاحقاً تعرّضت إلى الملامح الكبرى لهذه المبادرة، وقد تكون تطرقت، أيضاً، حتى إلى بعض التفاصيل.
على خلاف بعضهم الذي يرى أن هذه المبادرة تأتي مفاجئة للجميع، وفي غير سياقها، فإننا نعتقد أنها ترد في سياقها “الأمثل”. فعلى الصعيد السياسي، يتابع التونسيون، منذ أسابيع، أزمة مؤسسات الحكم التي يبدو أنها بدت، في أحيانٍ كثيرة، مفككة فاقدة للانسجام والترابط، وقد عدّ بعضهم ذلك انعكاساً للتصدع الذي بات عليه تحالف الحكم الرباعي، خصوصاً إثر امتناع حزب آفاق على التصويت لفائدة مشروع القانون الأساسي للبنك المركزي الذي نجا بأعجوبةٍ من الإسقاط، وقد مرر بمجموع 82 صوتاً، أي بفارق صوتين، حيث تحظى الحكومة، نظرياً على الأقل، بما لا يقل عن 160 صوتاً. كان هذا التصويت بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس. وبدا لحركة النهضة وحليفها “نداء تونس” أن حزب آفاق تلميذ مشاغب، لا يمكن التعويل عليه، فهو فاقد، أحياناً كثيرة، المسؤولية السياسية. وقد رد الأخير على تلك المؤاخذات بشكل عنيفٍ وقوي، حين أكد أنه يرفض أن يلعب دور حزب التكتل الذي تحالف مع “النهضة” إبّان حكومة الترويكا.
كان هذا الاختبار العسير قد دفع بالحزبين الكبيرين إلى قرار إنزال حليفهم المغشوش من القاطرة في أول المحطات المقبلة.
على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، تأتي هذه المبادرة عقب تصاعد نسق الحراكات الاحتجاجية، فبعد أن ظننا أن أزمة مدينة القصرين طويت، عرفت جزيرة قرقنة أحداثاً مشابهة، ويبدو أن الاتهامات التي وجهها رئيس الحكومة مباشرة إلى حزب التحرير والجبهة الشعبية ستؤدي الى مزيد من التعقيدات. لذلك، يبحث الحاكمون عن حلفاء اجتماعيين، قدّروا أن يجدوا ضالتهم تلك في رجال الأعمال المتهمين بقضايا سطو على المال العام، فقد يكونون طوق النجاة لسفينة الحكم المترنحة.
تخشى الحكومة انهيار السلم الاجتماعي، وفتح الباب على مصراعيه أمام العفريت الأهوج للتحركات الاجتماعية، حيث ستكون الدولة برمتها، آنذاك، في خطر، خصوصاً وأن جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تنذر بالكارثة.
ويتعلق السياق الثالث والأخير بملف العدالة الانتقالية، فقد تعطل برمته، حتى غدا أمر إنجازها، بكل مراحلها وشروطها، من باب المعجزات، ولم يبق من عمر الهيئة سوى عامين بالكاد. يبدو أن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة لم تكن لها من الإرادة والقوة الكافيين لإنفاذ المشروع، لا شك أن الدولة العميقة الساكنة في خلايا الإدارة قد عملت على إجهاض كل المبادرات. ولكن، علينا ألا نتغافل أيضاً عن المطبخ الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة الذي ساهم في هذا التأخير، غير أن كل تلك المبرّرات لا تحجب أيضاً رفض بعض أجهزة الدولة، إلى حد الآن، التعامل مع الهيئة، وتمثل وزارة الداخلية النموذج الأبرز لهذا التنطع.

إقرأ أيضا: هل شهدت تونس بدورها ثورة مضادة ؟

دفعت هذه السياقات مجمعة شريكي الحكم، في اعتقادي، إلى اتخاذ أكثر المبادرات السياسية جرأةً وشجاعةً، على الرغم مما في ذلك من مجازفةٍ، بحثاً عن أقصى درجات المردودية الاقتصادية والسياسية الممكنة. لا يستطيع حزب نداء تونس أن يطرح مشروع المصالحة الوطنية، وهو الذي تلقى صفعة مؤلمة، حين تم رفضه، وقد قدمته رئاسة الجمهورية في شكل مبادرةٍ تشريعيةٍ، تحت مسمى المصالحة الوطنية في المجال الاقتصادي والمالي. وعدّه نشطاء حقوق الإنسان ومكونات المجتمع المدني، ناهيك عن المعارضة، مخالفاً للدستور، والتفافاً على صلاحيات هيئة الحقيقة والكرامة، وسطواً على العدالة الانتقالية، حين يتم إفراغها وهدر أركانها، على غرار كشف الحقيقة وعدم الإفلات من العقاب والمحاسبة .. إلخ. كما أن تلك المبادرة جاءت على مقاس رجال الأعمال الذي قايضوا الدولة بين الاستثمار والعفو عليهم بهذا الشكل السافر.
يتدارك الشيخ راشد الغنونشي أخطاء حليفه في الحكم، وهي أخطاء بيداغوجية وأخلاقية وسياسية، حين يشمل بالعفو (وقد تجنب استعمال لفظ مصالحة) شقي العدالة الانتقالية: السياسي، أي ضحايا التعذيب والنفي والتشريد، والاقتصادي، وهم رجال الأعمال الذين اعتدوا على المال العام بأشكال عديدة.
سيكون لهذا المشروع، بقطع النظر عن مسمياته، إن قدّر له أن يرى النور، تبريرات عديدة، وكلها صالحة لأن تمده بالشرعية الممكنة. ولكن، لن ينال في اعتقادنا المشروعية الأخلاقية، بما هي قبول طوعي به، إذا لم يستحضر من سيقدمونه حقيقة أن نبل المشاعر التي تقف وراءه لا تجيز لهم أن يكونوا ضمير المجتمع، وأن التاريخ لا يعني الضحايا فقط، فهو تاريخ الضحايا والجلادين والمجتمع برمته، وهو ليس تاريخ الحاضرين، إنما أيضاً تاريخ القادمين من بعدنا، أجيالاً وفئاتٍ، حتى يستوعبوا الدرس، ويتجنبوا عدم تكراره. خشيتنا أن المعالجة المتسرعة لهذا الملف، تحت أسمى المسوغات، ولو كانت “المصلحة العليا” للوطن، لا تجوز لنا مطلقاً أن نطوي صفحة الماضي، وحروف الصفحة لم تكتب بعد، حتى نقرأها جميعاً.
علينا أن نقرأ في كتاب ثورتنا في تونس، وفي فصل العدالة الانتقالية، كل الصفحات وبأحرف بارزة، الأجوبة الواضحة عن الأسئلة التالية: من عذّب من؟. ولفائدة من؟ كيف ولماذا حدث ما حدث، وما ضمانات ألا يتكرّر ذلك. طي صفحة الماضي بهذا الشكل الذي يمنع من معرفة الحقيقة وكشفها ستكون طمساً لحقيقةٍ، تسرعنا في خنقها، تحت شهوة التقبيل “بوس خوك/ بس أخاك لأن هناك من يتربص بنا”.

وزير تونسي سابق/”العربي الجديد”