الرئيسية / وجهات نظر / الرباط والاتحاد الافريقي ومشكلة الصحراء
54a9086dd5b197cb2a51df677a8aa05a

الرباط والاتحاد الافريقي ومشكلة الصحراء

تدحرجت قضية الصحراء إلى المربع الإفريقي الذي غادرته منذ أكثر من ربع قرن. تنبهت قمة الاتحاد الإفريقي في ملابو إلى أن ضم «الجمهورية الصحراوية» المعلنة من طرف واحد لم يحل المشكل، فأقرت إيفاد مبعوث عنها إلى المنطقة، على غرار الجولات الاستكشافية للموفد الدولي كريستوفر روس الذي تراوح مساعيه مكانها، من دون إحراز التقدم المطلوب.
من حيث المبدأ لا خلاف على تضافر جهود منظمات إقليمية ودولية، لولا أنه في حالة الصحراء أبعدت المنظمة الإقليمية نفسها عن البحث في التسوية السلمية، من منطلق أنها ليست طرفاً محايداً. ففي أقل تقدير يحول اعترافها بـ «الجمهورية الصحراوية» دون التزام الحياد المطلوب. إضافة إلى ان انسحاب المغرب من المنظمة الإفريقية منذ العام 1984، يجعل الحوار بينه وبين الاتحاد الإفريقي معلقا.
عملياً لم ينتقل ملف الصحراء إلى الأمم المتحدة، إلا بعد انهيار جهود منظمة الوحدة الإفريقية يوم اختارت فرض الأمر الواقع من خلال ضم «الجمهورية الصحراوية» إلى عضويتها، فيما جوهر النزاع يرتبط بتقرير المصير من خلال التعبير الحر عن إرادة السكان المعنيين، أكان ذلك من أجل إضفاء شرعية دولية على الانضمام النهائي للإقليم المتنازع عليه إلى المغرب أو دعم خيار الحكم الذاتي الذي يمنح السكان صلاحيات واسعة في تدبير شؤونهم المحلية، بخاصة في ضوء استبعاد خيار الاستقلال الذي رأى الموفد الدولي السابق إلى الصحراء بيتر فالسوم أنه «ليس واقعياً». ولولا هذه القناعة التي يتم التعبير عنها بشكل شبه محتشم لما استقر رأي الأمم المتحدة على صيغة «الحل السياسي» الذي طرح بديلاً من خيار الاستفتاء.
في هكذا سباق إقليمي ودولي، من المستبعد اضطلاع الاتحاد الإفريقي بدور محايد، إلا في حال التزامه وضع مسافة محددة حيال الأطراف كافة، كما كان الوضع في بداية تعاطي منظمة الوحدة الإفريقية مع النزاع. وعندما كادت تصل إلى نقطة الحسم، بعد تشكيل لجنة حكماء عهد إليها بالبحث في آليات رعاية الاستفتاء، حدث الانزلاق المتمثل في الاعتراف بـ «الجمهورية الصحراوية» الذي جاء في غضون تطورات لم تكن بعيدة عن تداعيات الحرب الباردة وموازين القوى في القارة السمراء.
تزيد الأزمة التي تفجرت بين المغرب والاتحاد الإفريقي عن حمولتها التي طفت على السطح. فلا المنظمة الإقليمية في وارد أن تفرض شروطها على الرباط، وقد استنفدت آخر ما كان بيدها من أوراق منذ حوالى أربعة عقود. ولا المغرب مستعد لأن يتقبل أي مظهر للتدخل الإفريقي في نزاع خرج عن دائرة نفوذ الاتحاد. لكن لماذا عاد ملف الصحراء إلى دائرة الاهتمام الإفريقي؟
المأزق واقع على الصعيد الدولي، بالنظر إلى تعثر جهود الأمم المتحدة التي تكتفي بالتمديد لولاية بعثة «المينورسو» كل سنة. غير أن ما استحال على مجلس الأمن أن يحقق فيه الاختراق المطلوب، لا يمكن توقع أن ينجزه الاتحاد الإفريقي. ثمة استقراءات أكبر من مجرد التلويح بدور للمنظمة الإقليمية. أنها تشمل الترتيبات المتداخلة بشأن التعاطي مع أزمة الساحل جنوب الصحراء، كونها تحولت إلى مصدر مناقشات وصراعات عند مشارف الجوار المالي بين الجزائر والمغرب وموريتانيا، من دون استبعاد الدور الفرنسي الذي يراقب التطورات عن كثب.
كانت الرباط تعوّل في قمة ملابو على طرح ملف الصحراء من منطلق آخر، يهم البحث في مستقبل استعادتها لدور مرتقب في الساحة الإفريقية، في غضون إلغاء الأسباب التي أدت إلى انسحابها، أي الاتجاه نحو تعليق عضوية «الجمهورية الصحراوية» انطلاقاً من سوابق شملت ما يقارب ثلثي الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي الذين علقوا إعترافاتهم في إطار ثنائي. ومن أجل الالتفاف على هذا التحول يغلب الاتجاه الذي يروم البحث عن دور للاتحاد الإفريقي، من دون المساس بالوضع الراهن. لكن الأمر لا يعدو أن يكون تمارين سابقة لاستحقاق موعد القمة الأميركية – الإفريقية التي تستضيفها واشنطن الشهر القادم. ففي تجربة مماثلة أن أول قمة أوروبية – إفريقية التأمت في القاهرة، ألغت حضور جبهة «بوليساريو»، على أساس أن الاتحاد الأوروبي لا يحاور إلا الدول التي يرتبط معها بعلاقات دبلوماسية. وكذلك كانت الحال بالنسبة للحوار العربي – الإفريقي في قمة الكويت.
لكن الرباط رفضت قبول مبعوث عن الاتحاد الإفريقي إلى نزاع الصحراء. وفي خلفيات ذلك أن القبول بالأمر الواقع، قد يفسح في المجال أمام نوع من مشاركة جبهة «بوليساريو» في قمة واشنطن. عدا أن تداعيات الخلافات الإقليمية في التعاطي مع أزمة مالي تلقي بظلالها على الصراع الدائر حول إفريقيا. ومع أن نفوذ المغرب الاقتصادي يظل محدوداً في الساحة الإفريقية، فإن انفتاحه الروحي والسياسي خلّف ردود أفعال، قد تكون الأزمة الحالية بين الرباط والاتحاد الإفريقي بعضاً من مبررات ما يجري من استقطاب.
“الحياة” اللندنية