الرئيسية / وجهات نظر / ندم أوباما
باراك أوباما

ندم أوباما

وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما التدخل العسكري الغربي، ومن ضمنه الولايات المتحدة الأمريكية، في ليبيا لإطاحة الزعيم الليبي معمر القذافي في 2011 كان واحداً من أكبر الأخطاء التي ارتكبها في مسيرته السياسية، معتبراً أن هذا التدخل كان سوء تقدير لما ستؤول إليه الأوضاع في هذا البلد، الذي في الوقت نفسه لم يكن ممكناً التخلص من ديكتاتوره من دون هذا التدخل، لأن القادة العرب وطدوا أنفسهم على أن يبقوا في السلطة مدى الحياة وأن من يقترب من كرسي الحكم سيكون مآله الضياع.
لم تكن هناك دراسة حقيقية للأوضاع في ليبيا وغيرها عند اندلاع ثورات «الربيع العربي»، ولم تساعد الدول الغربية شعوب العالم العربي خلال سنوات ما قبل الاحتجاجات في التحول نحو الديمقراطية، بل إنها بالغت في دعم بعض الديكتاتوريات ومنحتها «شهادة جودة» بأنها ديمقراطية، كما كانت الحال في اليمن، التي كان الغرب يرى فيها مثالاً للديمقراطية الناشئة في العالم الثالث، وهي تدرك أن رئيسها يعد واحداً من أكبر رموز الفساد والديكتاتورية في العالم.
يقول أوباما إن أكبر الأخطاء التي ارتكبها تكمن في عدم «ملء الفراغ» في بلد تدخلت في تغيير نظامه العشرات من الدول الغربية والعربية لاقتلاع حاكمه بالقوة، بمعنى أن الغرب تدخل عسكرياً بما أحدثه من دمار وخراب، ثم ترك الناس يواجهون مصيرهم لوحدهم، وسط فوضى عارمة استغلتها قوى التطرف الديني التي تمكنت من الهيمنة على مناطق واسعة من البلاد مترامية الأطراف.

إقرأ أيضا: أوباما يخلق الحيرة مجددا بشأن حملة الناتو على ليبيا

حال أوباما كحال بقية رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية الذين تصحوا ضمائرهم قبل أن يغادروا البيت الأبيض بانتهاء ولاياتهم الرئاسية، وأوباما لم يخرج عن هذا الإطار، فمع اقتراب خروجه من البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني المقبل، يعلن الكثير من المواقف اللافتة، من أجل «تبييض» صورته كرئيس كان يراهن عليه الكثير من الناس في تغيير الصورة النمطية للرؤساء الأمريكيين، الذين انحازوا ضد القضايا العربية وأبرزها القضية الفلسطينية.
لا يحتاج أوباما إلى إعلان ندم، فهو ندم متأخر ولا يفيد بشيء، فقد كان عليه وعلى إدارته التصرف بحكمة في لجم العنف والتطرف الذي ساد العالم العربي في فترة الاحتجاجات خلال عام 2011 وما بعدها، والتخلي عن الديكتاتوريات التي أذاقت شعوبها الويلات خلال سنوات حكمها الطويلة.
يجتهد أوباما في الآونة الأخيرة في أن يتخلص من تركة الإدارة السيئة التي خلفتها ثماني سنوات من حكمه، لكن دلائل الفشل لا تزال تحاصره، إذ إن الرجل لم يكن، مثله مثل بقية الرؤساء الذين سبقوه، يملك قرار نفسه، بل يخضع لسياسة إدارة تتحكم بمواقفه وتصريحاته وفي كثير من الأحيان عواطفه، ومن استمع إلى أوباما قبل انتخابه رئيساً للولايات المتحدة عام 2008، اعتقد أن تاريخاً جديداً ستشهده الولايات المتحدة وسياساتها حيال قضايا العالم، لكن أوباما، رغم العديد من المواقف التي أظهرته زعيماً قوياً، سار على نفس الطريق الذي سار عليه بقية الرؤساء الأمريكيين خلال العقود الماضية، والندم الذي أبداه حول عواقب التدخل العسكري في ليبيا لن يكون الأخير، وقد يضيف إليه ندماً حيال قضايا أخرى، لكنه يأتي بعد فوات الأوان.

كاتب صحفي/”الخليج”