الرئيسية / وجهات نظر / أسبانيا وحروب الاسترداد
الصحراء المغربية

أسبانيا وحروب الاسترداد

يبدو أن حروب الاسترداد والنزعة الاستعمارية لا تزال طرية في الذاكرة الجماعية بأسبانيا، ففي الوقت الذي تجتاز قضية الصحراء المغربية مرحلة حرجة، عقب التصريحات التي أدلى بها الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قبل أسابيع، واصفا المغرب بالدولة المحتلة للصحراء، قرر البرلمان الأسباني خلط الأوراق مجددا، من خلال طرح مشروع لتعديل قانون الجنسية، يخوّل بموجبه للصحراويين إمكانية الحصول على الجنسية الأسبانية بعد سنتين فقط من الإقامة الدائمة؛ وذلك جنبا إلى جنب مع مواطني بلدان شبه الجزيرة الإيبيرية، إمارة أندورا والبرتغال وغينيا الاستوائية وجمهورية الفلبين، وهي كلها مستعمرات أسبانية سابقة، بالإضافة إلى أحفاد اليهود السافارديم.
مشروع القانون الذي تقدم به أحد الفرق البرلمانية داخل البرلمان الأسباني، ونال إجماع باقي الأحزاب السياسية الممثلة في المؤسسة التشريعية، يطرح أكثر من تساؤل حول توقيته والنوايا الخفية التي تقف وراءه؛ إذ الواضح أنه يرمي إلى التأثير على السياسة المغربية في الأقاليم الصحراوية، التي باتت مصدر إزعاج لكل من الجزائر وجبهة البوليساريو الانفصالية والدولة الأسبانية، خصوصا بعد المبادرة التي أطلقها الملك محمد السادس في الفترة الأخيرة بشأن تسريع وتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بتلك الأقاليم، واعتبار مبادرة الحكم الذاتي التي كان المغرب قد أعلنها عام 2007، كإطار فعلي لحل النزاع الطويل، ناجزة وقيد التنزيل.
من الناحية السياسية، لم تعد أسبانيا طرفا في النزاع الدائر حول الصحراء، ذلك أن اتفاقية مدريد لعام 1975 أنهت الواقع الاستعماري الذي كان قائما، عبر تنازل أسبانيا عن المناطق الصحراوية المحتلة لفائدة المغرب وموريتانيا.
وإذا كان هناك من عامل يجعل مدريد حاضرة بشكل غير مباشر في ملف النزاع، فهو يرتبط فقط بالإحصاء الذي كانت قد أجرته وسط السكان الصحراويين قبل انسحابها، إذ تصر جبهة البوليساريو والجزائر على أن ذلك الإحصاء يشكل مرجعية لأي استفتاء حول تلك المناطق، بينما كان المغرب يرى أن ذلك الإحصاء كان مصطنعا، وأن السنوات التي مرت غيرت الطبيعة الديمغرافية لتلك الأقاليم. بيد أن هذه المسألة أصبحت في حكم الماضي بعد مبادرة الحكم الذاتي.
النزعة الاستعمارية الكامنة في هذا المشروع، الذي ينتظر تشكيل الحكومة الجديدة من أجل المصادقة عليه، تتبين من خلال طريقة تعامل أسبانيا مع قضية منح الجنسية. فمنذ عقود عدة وأحفاد الموريسكيين، الذين يعيشون في المغرب وفي أسبانيا، يطالبون باعتذار الدولة الأسبانية عن جرائمها في حق أجدادهم، وبمنحهم الجنسية الأسبانية كنوع من رد الاعتبار، لكن أسبانيا ظلت تغلق آذانها وتتهرب من مواجهة حقائق التاريخ.
وفي عام 2013 بادرت إلى منح أحفاد اليهود الأندلسيين حق الحصول على الجنسية، ما فضح الازدواجية في التعامل مع الحقائق التاريخية من لدن دولة كانت رائدة في حروب الصليب والحملات التبشيرية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

إقرأ أيضا: المغرب وأسبانيا والشراكة ضد الإرهاب

اعتمد مشروع القانون المذكور على مبرر يستند إلى واقع استعماري قديم، وهو أن الصحراء كانت تعد الإقليم الـ53 لأسبانيا قبل عام 1975. وبمقتضى هذا الواقع القديم جرى منح هذا الامتياز للصحراويين، في محاولة لإعادة إحياء النزعة الاستعمارية السابقة.
ولكي يتم تمهيد السبل أمام تمرير هذا المشروع قفزت الأحزاب الأسبانية على حزمة من الضوابط القانونية التي كانت تمنع الصحراويين سابقا من الحصول على جنسية بلدها. فقانون الجنسية الحالي ينص على ضرورة توفر أي مرشح لنيل الجنسية الأسبانية على وثيقة رسمية من البلد الأصل بخلو سجله من السوابق العدلية، بعد أن يكون قد أنهى عشر سنوات من الإقامة فوق التراب الأسباني؛ والحال أنه لا وجود لشيء اسمه “الدولة الصحراوية” في قوائم الدول التي تعترف بها منظمة الأمم المتحدة، كما أن مدريد نفسها لا تعترف بما يسمى”الجمهورية الصحراوية”، التي لا وجود لها خارج الورق، ثم إن غالبية المسؤولين في هذه الأخيرة متابعون في جرائم ضد الإنسانية أمام المحاكم الأسبانية؛ كل هذه الضوابط القانونية تم القفز عليها من طرف أحزاب في بلد ينتسب إلى الديمقراطيات الأوروبية، من أجل لعبة سياسية قذرة تسعى إلى خلق المزيد من الإرباك في ملف الصحراء الذي طال أكثر من اللازم.

كاتب مغربي/”العرب”