الرئيسية / وجهات نظر / رمضان والقرآن وحياتنا السياسية
d67d0ee6933a73b73283515c44446d9f

رمضان والقرآن وحياتنا السياسية

يصوم المسلمون شهر رمضان، وينقطعون فيه عن شهوة الأكل والشرب ومعاشرة النساء ابتداء من الفجر إلى غروب الشمس..
هل هناك علاقة بين شهر الصيام وبين حياتنا السياسية؟ هل صوم شهر رمضان إيمانا واحتسابا يهم علاقة الإنسان بربه فقط أم إن آثار الصيام تمتد لتنعكس على سلوك الأفراد في علاقتهم ببعضهم البعض وفي علاقتهم بالشأن العام؟
شهر الصيام هو شهر التفرغ للعبادة والامتناع عن ارتكاب المحرمات والابتعاد عن الغيبة والنميمة وتصفية النفس من براثن الحقد والكراهية وغرس معاني الخير والحب للناس وإشاعة قيم التعاون والتآزر والتعاضد..
أول تحول يحدث في سلوك الصائم هو علاقته بالقرآن، فهناك علاقة وطيدة بين القرآن وشهر الصيام، وهي علاقة نلمسها منذ اليوم الأول في رمضان، فترى الناس يقبلون بشغف كبير على القرآن الكريم يتدبرون آياته ويتأملون قصصه ويتدارسون أحكامه، وتلاحظ امتلاء المساجد بالمصلين ويزداد عدد المقبلين على قراءة الحزب بعد صلاة العصر وصلاة الفجر.. كان أئمة المسلمين الكبار إذا دخل رمضان يتركون قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويُقْبِلون على قراءة القرآن من المصحف..
قراءة القرآن ليست مقصودة لذاتها، وليست بغرض الختم «الشكلي» للستين حزبا، ولكنها مطلوبة بغرض التدبر والتأمل في كتاب الله المسطور.
المعجزة الكبرى لخاتم الأنبياء والرسل، والكتاب الخالد لهذه الأمة..القرآن الكريم يعالج بناء الإنسان، بناء شخصيته وضميره وعقله وتفكيره، ويضع العديد من التشريعات التي تحفظ كيان الأسرة لكي تظللها السكينة وتحفها المودة والرحمة، كما يعالج بناء المجتمع ككيان اجتماعي عبر قيم التعاون على الخير والتضامن والتآزر، وككيان سياسي عبر قيم الشورى والعدل والمساواة والحرية..
القرآن الكريم مليء بالتوجيهات والإرشادات في مجال الأخلاق والمعاملات، من يسترشد بها ينجح في تجاوز الكثير من الصعوبات والإشكالات، قال تعالى في سورة الإسراء: إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، ومن يعرض عن هدي القرآن تواجهه صعوبات ومحن لا يستطيع الخروج منها، قال تعالى في سورة طه: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى.
ورد في أحد الأحاديث النبوية عن علي بن أبي طالب قال: «سمعت رسول الله يقول: «ستكون فتن». قلت: «وما المخرج منها؟» قال: «كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا «إنا سمعنا قرآنا عجبا». هو الذي من قال به صدَق، ومن حكم به عدل، ومن عمِل به أجِر، ومن دعا إليه هُديَ إلى صراط مستقيم».
هذه جملة من المعاني التي نحتاج إليها في حياتنا اليومية، ليس فقط كأفراد ولكن أيضا كجماعات ومؤسسات..
شهر رمضان مناسبة للتذكير بهذه المعاني النبيلة التي تسمو بالروح وتهذب الذوق، ليس فقط في المساجد ولكن أيضا في عالم السياسة والسياسيين..
لقد تأثر مفهوم السياسة بالكثير من معاني الصراع والتنافس على السلطة وعلى مراكز النفوذ باستخدام مختلف الأساليب المشروعة منها وغير المشروعة.
إن المذهب الواقعي في السياسة الذي أسسه ميكيافيلي ولازال حاضرا في الحياة السياسية المعاصرة يجرد السياسة من أي اعتبارات أخلاقية، ولازالت نصائحه المدونة في كتاب «الأمير» ملهمة لكل من يريد أن يمارس السياسة بغرض الحصول على السلطة والمحافظة عليها ويسعى لممارسة القوة والنفوذ، غير أن ميكيافيلي الذي نجح على صعيد الفكر والتنظير فشل فشلا ذريعا في عالم السياسة والسلطة، وهذا هو الجانب المجهول عند كثير من الناس في حياة الرجل..
في التراث العربي الإسلامي نعثر على تعريفات للسياسة من قبيل أن «السياسة هي ما كان الناس معه أبعد عن الفساد وأقرب للصلاح..» (بن عقيل الحنبلي) أو أن «السياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه» (ابن خلدون). هذه التعريفات تقرن مفهوم السياسة بمفهوم الإصلاح، أكثر منه بمفهوم السلطة والتحكم..
رمضان هو مناسبة لتقريب مفهوم الأخلاق من عالم السياسة والسياسيين..
في حديث نبوي صحيح، قال عليه السلام:»أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا…»..الملفت للانتباه في هذا الحديث هو الربط بين الإيمان والأخلاق، وإذا سمحت لنفسي باستنباط بعض التفسيرات لهذا الحديث فإني أزعم أن الأخلاق الحقيقية هي التي تتأسس على الإيمان، وكلما اكتمل إيمان الفرد وتعمق فهمه لقضاياه كلما تحسنت أخلاقه وارتقت إلى درجة أحسن..
والمقصود بالإيمان ببساطة هو الإيمان بالله وكتبه ورسله وملائكته والإيمان بالغيب وبالقدر خيره وشره..
الخلاصة التي نريد أن نصل إليها في هذه المقالة وهي أن الأخلاق بعمقها الإيماني هي أساس الممارسة السياسية بمفهومها الإصلاحي، أي أن السياسة التي تقترن بمفهوم الإصلاح لا يمكن أن تتطور إلا بالاستناد على الأخلاق، والأخلاق بدورها لا يمكن أن تكون أخلاقا حقيقية ومتينة إلا إذا ارتكزت على الإيمان العميق..ورمضان مناسبة عظيمة لتجديد الإيمان وتقوية العلاقة مع الله.
وتبعا لذلك فإن علاقة الإنسان المسلم بالسياسة لا يمكن أن تكون ناجحة إلا إذا كانت علاقته بربه علاقة سليمة، وهذا المعنى يتأكد في الكثير من السياقات الأخرى..
حاجتنا إلى تعميق الأخلاق بعمقها الإيماني في الممارسة السياسية حاجة مستعجلة، خصوصا عندما وصلت درجة الانحطاط في السياسة إلى درجة تهدد بخراب العمران، بعدما استشرى الجشع في النخبة السياسية وأضحت تختزل مفهوم السياسة في اللهث وراء المنصب والغنيمة، وأصبح التعبير عن الخلاف السياسي لا يخضع لأية ضوابط أخلاقية..قال ابن خلدون في سياق لا يختلف كثيرا عن واقعنا: «صارت الدول لاباع لها إلا في تسخير الناس بغير حق، وتصريف الآدميين طوع الرغبات والشهوات، وإرهاق التجار بالمغارم والمكوس الجائرة، وغير ذلك من آيات الظلم الذاهب بأسباب الرجاء والانشراح، المؤذن بخراب العمران، العائد بالوبال على دوائر السلطان».
لعل واقعنا لا يختلف كثيرا عن الصورة التي رسمها ابن خلدون عن زمانه… إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
رمضان كريم وكل عام وأنتم بألف خير..
“القدس العربي”