الرئيسية / وجهات نظر / الرئيس السبسي وتصور النهضة لحاجيات السوق السياسية
السبسي

الرئيس السبسي وتصور النهضة لحاجيات السوق السياسية

أجرى فريق صحافي من مؤسسات إعلاميّة عمومية وخاصة مؤخرا حوارا صحافيا مطوّلا دام أكثر من ساعة مع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي . ولم يخرج حوار السبسي عن المألوف من حيث الأثر والضجة اللذين يحدثهما في الساحة السياسية والإعلامية، وذلك بسبب طريقته في التعبير وفي توصيف الواقع وتقييمه، وفي وصف الآخرين سواء من المعارضة أو حتى من الحكومة والحلفاء.
الملاحظ أن السبسي بقدر ما حاول دفع تهمة استيلائه على كل السلطات بما في ذلك سلطة رئيس الحكومة فإنه لم يفعل إلا تأكيدها. فالرجل بدا باسطا نفوذه على كل دواليب الدولة، موجها لسياساتها الداخلية والخارجية، محددا لكل خياراتها وتوجّهاتها. ولكم كان في حديثه مدافعا عن الحكومة، رادّا على خصومها، مشهرا بمعارضيها.
ورغم أن السبسي ردد في أكثر من مرة بأنه واع بصلاحياته الدستورية وبحدودها، إلا أن كلامه كله يستشف منه أنه الحاكم بأمره في تونس بمباركة من حليفه الرئيسي راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة. من ذلك أنه قال أكثر من مرة بأن الشعب انتخبه لإنقاذ تونس اقتصاديا واجتماعيا، والحال أن الدستور التونسي يضع هذه الصلاحيات بيد الحكومة ورئيسها. فليس لرئيس الجمهورية وضع الخيارات الاقتصادية ومناويل التنمية. وإنما له وضع الاستراتيجيات الدفاعية والأمنية والدبلوماسية بالاشتراك مع رئيس الحكومة.
المفهوم من كلام رئيس الجمهورية أن الحكومة لا تضع الخيارات ولا تفكر في الحلول لمعالجة المشاكل، وإنما تنفّذ ما يطرح عليها. وهذا الدور هو الذي كانت تلعبه الحكومات التونسية في نظامي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، إذ الوزير المجتهد ليس الذي يبتكر ويفكر وإنما ذاك الملتزم بتنفيذ التعليمات بحذافيرها.
إن وضعية الأحزاب الأربعة المتحالفة في الحكومة لا سيما النداء والنهضة باعتبار خصوصياتهما الداخلية تمنعهما من أن يكونا مؤثرين فعلا وبشكل مباشر في سياسات الحكومة. فحزب نداء تونس الذي اختار رئيس الحكومة بوصفه كان صاحب الأغلبية النيابية فقد أغلبيته وصار ممزقا بين ثلاثة أحزاب وكتلتين برلمانيتين وربما أكثر مستقبلا. وحركة النهضة عجزت عن إقامة مؤتمرها العاشر قبل انتخابات 2014 ولم تنجزه إلى حد الآن بعد سنة ونصف السنة من الانتخابات. وهو المؤتمر الذي تستعد فيه الحركة لتغييرات وتحولات كبرى ربما تمس جوهرها وهيكلتها.
ولقد بدا السبسي مطمئنا بشكل كامل لحركة النهضة حليفته في الحكم ومبعث استقراره واستقرار الحكومة التي يوجهها. ولكن لا الرئيس ولا المحاورون الثلاثة تعرضوا لمناقشة الأطروحات السياسية لحركة النهضة لا سيما التي تتردد مؤخرا. وهو ما يطرح أكثر من استفهام فإن كان الرئيس يعلم ولا يناقش هذه الأطروحات فهذا خطير. وإن كان لا يتابع ولا يعلم فهذا أخطر.
لقد حاول رئيس الجمهورية الإيهام بأنه على اطلاع على كل شيء في تونس. ولكنه بدا غافلا عن التنظيرات الأخيرة لمنظر النهضة عبد الحميد الجلاصي في سلسلة مقالات ينشرها على صفحته الرسمية على فيسبوك. فالجلاصي نائب رئيس حركة النهضة ومسؤول التفكير الاستراتيجي والتّخطيط بها، ينظّر، بصفته تلك، لما يسمّيه “حاجيات السوق السياسيّة” ويحدد التموقع السياسي بالنظر إلى حاجيات تلك السوق. يقول “التموقع إمّا أن يكون انسياقا وراء حراك الماضي، أما استسلاما لطلبات السوق السياسية، أو اختيارا يزاوج بين الاستمرارية وما تفرضه الحاجة المجتمعية. ما دعونا إليه هو التفكير العقلاني لاختيار تموقعات تأخذ بعين الاعتبار الحاجيات الشاملة للسوق السياسية، مع الوعي بألا أحد يمكنه، بمفرده، أن يلبي هذه الحاجيات”.

إقرأ أيضا: السبسي وخيارات السياسة العربية لتونس

لا أحد في تونس تحدّث بهذا المنطق قبل الجلاصي منظر النهضة. فالسياسة مازالت في تونس شأنا وطنيا عاما تتطلب ممارستها جملة من القيم أهمها الصدق والوفاء والنضالية ونظافة اليد وحسن السيرة والكفاءة. وهي ليست شروط السوق التي تقوم أساسا على عمليّتي البيع والشراء، وهما عمليتان مرفوضتان في السياسة، باعتبار أنهما توحيان ببيع الذمم وشراء الأصوات وغيرهما من الممارسات السياسية المدانة.
إن اعتبار السياسة سوقا لها حاجيات وفيها يتم البيع والشراء والتعامل معها على هذا الأساس جدير بأن يلفت انتباه واضع السياسات في تونس، لا سيما أنه حليف صاحب الرأي في الحكم. ربما يمكن أن يطمئن هذا الطرح الرئيس إلى أن تحالف النهضة معه ليس تحالفا عاطفيا، وإنما هو إقرار منها برواج بضاعته في السوق السياسية. ولكن المنطق نفسه يجب أن يخيفه لا سيما وأن بضاعته بدأت تكسد وانشطار حزبه وتشظيه دليل على ذلك.
الحقيقة أن هذا التصور يمكن أن نفهم منه أن حركة النهضة تعدّ الأرضية الفكرية اللازمة استعدادا لبدء حملة شرعنة المال السياسي، والمال هو صوت السوق وسلاحه وغايته. وهو ما قد يشتم منه نوع من التصدي للجهود القائمة المبذولة من قبل الهيئات الوطنية والدستورية، ومن قبل الكتابة العامة في رئاسة الحكومة، ومن قبل القضاء في مقاومة المال السياسي المتدفق على الجمعيات وبعض الأحزاب.
لقد أغفل رئيس الجمهورية الحديث عن الأطروحات الخطيرة لحليفه في الحكم وطفق يردّد بأنه رئيس كل التونسيين، والحال أنه يجتهد في خطابه نفسه في أن يبدو متحاملا على شقّين من التونسيين تحاملا كبيرا. الشق الأول هو الجبهة الشعبية التي كان متحالفا معها وأعادته إلى الحكم ونصرته على تهجمات النهضة والإسلاميين لمّا كان في موقف ضعف، ولمّا كانت حركته نداء تونس شبه سرية لا يجرؤ حتى قياديوها على أن يشهروا انتماءهم إليها. والشق الثاني هو الإدارة التونسية التي اتهمها بتعطيل التنمية في تونس بعد أن كان هو نفسه في 2011، لما كان رئيسا للحكومة المؤقتة، يعتبرها درع تونس وضامنة استمرار الدولة.
لقد كان حديث رئيس الجمهورية انفعاليا عجز فيه عن إخفاء حنقه على المعارضة مقابل عدم إلمامه بما يدور عند حلفائه. وفشل مرة أخرى في دفع اتهامه بكونه الحاكم الوحيد في تونس وبأن الحكومة ورئيسها ينفذان تعليماته.

كاتب وباحث سياسي تونسي/”العرب”