الرئيسية / وجهات نظر / السلطـة في الجـزائـر : من إستراتيجية الإلهـاء الى إستراتيجية التخويـف
الجـزائـر

السلطـة في الجـزائـر : من إستراتيجية الإلهـاء الى إستراتيجية التخويـف

“الخطابات التخويفية التي نسمعها كلّ يوم من السُلطة الحَاكمةُ في الجزائر نابعةٌ أساسًا من تخوّفها من انتقال ما يسمى بـ “الربيع العربي” الى بلادها لأنّها ترى فيه خطرُ ُ على أمنه واستقراره، ولكن في الحقيقة هو خطرُ ُ يُهدّد وجودها على رأس السلطة وفق نظر مُراقبين وهذا هو السبب من وراء كل تلك الخطابات التخويفية”.
في ظل انتشار الفوضى في بعض الدول العربية كنتيجة حتمية لانتفاضة شعوبها عن الأنظمة الحاكمة السابقة وفق نظر بعض الأنظمة العربية الأخرى التي لم تشهد مثل هذا الحراك الشعبي والتي أصبحت هي أيضا تعاني من ظاهرة التهديدات الأمنية من بعض الدول التي شهدت موجات التغيير، كالنظام الجزائري مثلا الذي أصبح يخشى من انتقال عدوة كما يُسميه كبار مسؤوليه بـ “الربيع العربي” الى بلده الذي سَيُدخله في اللاأمن واللاإستقرار و”الإرهاب” على حسب ظنّه، وهو ليس كذلك وفق نظرتنا الخاصة، التي ترى أنّه في حالة حدوث “انتفاضة” أو “ثورة” شعبية سلمية داخل البلاد فلا ينعدم الأمن ولا يتكرر السيناريو السوري ولا الليبي إذا قامت الأجهزة الأمنية بكل واجبها المَنُوط بها في حماية الشعب وتحصين الحدود ولا تتدخّل في الشأن السياسي، إلاّ إذا حدث عكس ذلك، لأنّ الأجهزة الأمنية هي المُحدّد الرئيس لتوجّه أي ثورة أو انتفاضة شعبية داخل أيّ بلد، فهي تستطيع وبإرادتها أن تبقيها سلمية بعدم تدخلها لصالح أيّ طرف وخاصة منه الطرف الحاكم، أو تُحوّلها من الطابع السلمي الى المُسلّح في حالة تدخّلها المباشر والعنيف ضدّ الطرف الآخر – الشعب – الذي سيقابله بالعنف أيضًا بحجّة الدفاع عن النفس، وبالتالي هنا ستصبح البلاد أمام المُخططات الغربية الرامية نحو تهديمها وتحويلها الى ملاذ آمن للجماعات المُسلحة، وسنكون أمام تكرار للسيناريو السوري والليبي، وإذا أرادت السلطة الحاكمة في الجزائر تجنّب كل هذا فما عليها إلاّ العمل بشفافية وبشرعية ومشروعية مُستمدتان من الشعب مصدر كل السلطات، والعمل أيضا على نشر العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية بين الجميع.
الحاكم الوحيد الذي يتخوّف من ثورة الشعب ضدّ نظامه هو الذي يفتقد للشرعية الشعبية والمشروعية الدستورية، أمّا الحاكم الذي يستمد شرعيته من الشعب فلا يثور عليه هذا الأخير إلاّ إذا خالف إرادته، هذا التخوّف جعل من السلطة في الجزائر تلجأ الى إستراتيجيات التحكّم في الشعوب الشهيرة لتوجيه الرأي العام الجزائري بالطريقة التي تُريدها، والأخيرة التي إتبعتها تتمثل في إستراتيجية التخويف وهي سياسات مُمنهجة هدفها اكتساب المزيد من الوقت والتعاطف الشعبي.
وبناءا على ذلك، الأقلية الحاكمة في الجزائر ومنذ اندلاع ما يسمى بـ “الربيع العربي” إتبعت أهم إستراتيجيتين من إستراتيجيات التحكم في الشعوب لإطالة أمدها على رأس السلطة :
الأولى: إستراتيجية الإلهاء – التي كتبت عنها مقال مطوّل على هذه الصَحيفة – من خلال قراراتها المُتنوعة مثل قرار تحرير بيع الخمور الذي أثار ضجّة مُجتمعية كبيرة، و قرار تعديل الدستور الأخير الذي لم يُستشر فيه الشعب عبر استفتاء مباشرو بالتالي فهو يفتقد للشرعية، و الذي أرادت من خلاله السلطة إعادة هيكلة نظامها بالشكل الذي يضمن استمرارها لسنوات طويلة في الحكم و غيرها من القرارات الأخرى التي ألهت الرأي العام الجزائري عن القضايا الجوهرية.
الثانيـة: إستراتيجية التخويف التي نراها اليوم من خلال تضخيم خطر التهديدات الأمنية القادمة من دول الجوار من ليبيا مثلا، وذلك بإكثار الحديث عنها في الصحافة السمعية والبصرية و المكتوبة العامة والخاصة المُوجّهتين من الأوليغارشية الحاكمة، و توصيل فكرة جدّية خطر الجماعات المسلحة أو “الإرهابية” كما تسمّيها السلطة وعلى رأسها تنظيم ما يسمى بـ “داعش” وجعلها من يوميات المواطن الجزائري، وإعطاء انطباع للجميع بأنّ البلاد في خطر أمني كبير مُهدد لوحدتها واستقرارها.
الذي يمكن أن نقوله في هذه الحالة هو أنّ الجزائر فعلا تعيش على حدودها الجنوبية بعض من التهديدات المُتمثلة في التهريب المٌتنوع وأخطره السلاح، ولكن لم يصل بعد الى درجة العدوان الخارجي الذي من خلاله تتم تعبئة كل الشعب لمواجهته و الدفاع عن الوطن، وبالتالي هذا ليس مبررًا يجعل من السلطة الحاكمة تستغله للتشويش على الجزائريين وتخويفهم بالطريقة التي نراها اليوم.
تلك التهديدات هي نتيجة سقوط النظام الليبي السابق الذي سقطت معه الدولة، وهي أيضا نتاج فشل السياسة الخارجية الجزائرية آنذاك في الوقت الذي كان فيه مراد مدلسي وزيرا للخارجية الذي رفض التدخل في الشأن الليبي دبلوماسيا، لأن مبادئ الجزائر الثابتة تمنعه من ذلك، كان بإمكان الدبلوماسية الجزائرية في بداية انتفاضة الشعب الليبي ضدّ النظام تقوم بدورها المنوط بها وهو التوسّط بين الطرفين للوصول الى حلّ يُرضي الجميع فقط لوقف الأزمة عند حدودها قبل تطوّرها وحدوث الكارثة وهي سقوط الدولة.
والذي حدث فعلا بعد رفض تدخل الجزائر دبلوماسيا هو سقوط الدولة الليبية، ودفعت الجزائر من جراء ذلك ثمنا كبيرا وتضرّرت كثيرا من تهريب السلاح وشنّ هجمات على بعض منشآتها الحيوية في الجنوب، هذا هو السبب الحقيق في كل التهديدات الأمنية التي تشهدها الجزائر اليوم، لو كانت هناك فعلا نظرة إستشرافية لدى صانع القرار الجزائري في وقتها تجاه الأزمة الليبية في بدايتها لما وصلت إليه البلاد اليوم من خطر يُهدد استقرارها وأمنها كما تروج له السلطة.

إقرأ أيضا: السلطات الجزائرية تخشى من اندلاع مواجهات مع الحركة الانفصالية القبايلية

الخطاب التخويفي الذي نراه اليوم في الجزائر هو نابع بالأساس من تخوّف المسؤولين والمُتأثرين بخطاباتهم من ما يسمى بـ “الربيع العربي” الذي يُسَمّوه “بالثورات” وما هي كذلك بل كانت انتفاضات شعبية لم تصل إلى مرحلة الثورة لأنها بكل بساطة كانت عفوية بالرغم من أنها أطاحت برؤوس فاسدة، وعفويتها جعلتها تٌختصب من قوى الشرّ العالمية والإقليمية، ووقعت الشعوب التي انتفضت من أجل الكرامة في دائرة الاتهام من قبل نُخب مٌوجّهة من الحاكم الذي سعى ومازال يسعى على تحصين بلده من كما يسميه بـ “ثورات الربيع العربي “، التحصين الحقيق هو في نشر العدالة الاجتماعية والقضاء على التهميش والظلم وإرجاع السيادة للشعب.
سبب الانقضاض على تلك الانتفاضات وفشلها في التغيير نحو الأفضل هو في غياب آلية التخطيط والأهداف والرؤى المُستقبلية المُرتبطة بمشروع التغيير، وفي حالة ما إذا تحققت تلك الأهداف والرؤى الموّجهة نحو إعادة بناء الدولة بطرق صحيحة هنا يمكن أن نتحدث عن الثورة ونجاحها، الأهم الذي حقّقته “انتفاضات الربيع العربي” هو في قذف الرّعب في قلوب من تبقّى من الحُكّام الذين لم يَطلهم الحراك الشعبي، فأصبحوا يتخوّفون حتى من مَن يرفع شعار التغيير السلمي الهادئ ولو بالقلم.
النتيجة: الجزائر تعيش فعلا تهديدات أمنية على حدودها الجنوبية ولكنها لم تصل الى درجة الحرب، من يواجه هذه التهديدات هي الأجهزة الأمنية المكوّنة من الشعب التي هي من تقوم بواجبها المَنوط بها المُتمثل في حماية الحدود من كل شرّ وحماية الشعب الذي هو مصدر كل السلطات من كل أذى، ولا يجب التشويش عليها وإدخالها في الصراعات السياسية.
ولا يجب أيضا تخويف الشعب من خلال المنابر الإعلامية العامة والخاصة وجعل يومياته كلها يتحدث فيها عن خطر “الجماعات المسلحة” وينسى القضايا الجوهرية التي تهم مُستقبل البلاد السياسي والاقتصادي، لأنّه هناك فعلا أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية تعيشها الجزائر اليوم، فلا يجب التستّر عليها وإلهاء المواطنين بالتخويف، وإن لم تحلّ كلها خاصة منها الاجتماعية والأخلاقية ستظهر لنا عدّة “دواعش” داخل البلاد، لأنّ سبب ظهور “الإرهاب” وانتشاره هو الظلم والتعسّف وغياب الوازع الديني الأخلاقي.
في الأخير، الذي علّمتنا إيّاه الأحداث التاريخية وخاصة منها تلك المُتعلقة بالترويج للتهديدات الأمنية من قبل السُلط الحاكمة المُختلفة التي تفتقد للنزاهة والشفافية والشرعية داخل دول كثيرة وإظهارها للعلن من خلال إلقاء القبض على مُهربين وحجز أسلحة وغيرها ,, هو أنّا غالبية تلك التهديدات – سواء كانت صحيحة أم غير صحيحة – ما هي إلاّ سنفونية تتغنى بها تلك السُلط لإضفاء الشرعية عليها وإعطاء تفويض غير مشروط لها من قبل جماعة الشعب لإستمرارها واكتساب المزيد من التعاطف معها، يحدث كل هذا إذا شعرت فعلا تلك السُلط الفاقدة نوعا ما لشرعية الشعب بخطر داخلي سلمي وسياسي يُهدّد كيانها فتلجأ الى هذا النوع من الإستراتيجيات التي غالبية شعوب المنطقة لا تفهمها إلاّ المُثقفين منهم.

كاتب و باحث جزائري/رأي اليوم”