الرئيسية / وجهات نظر / الجبهة الشعبية ومستقبلها في تونس
السبسي

الجبهة الشعبية ومستقبلها في تونس

مضت ثلاث سنوات ونصف السنة على تأسيس ائتلاف الجبهة الشعبية يوم 7 أكتوبر 2012 بتونس. ولم تتشكّل الجبهة من أحزاب جديدة وإنّما من أحزاب بعضها عريق كحزب العمال وحزب الطليعة وحركة الديمقراطيين الاجتماعيين والبعض الآخر ناشئ. كما ضمت الجبهة عند تأسيسها العديد من المنظمات ومن الشخصيات المستقلة وغير المتحزبة.
ويتكون العمود الفقري للجبهة المصنفة يسارية من أحزاب ماركسية وأخرى قومية. وترفع الجبهة منذ تأسيسها شعارا مركزيا لا تحيد عنه هو شعار العدالة بكل وجوهها وتفريعاتها. وتنبني أطروحات الجبهة السياسية وبدائلها الاجتماعية ومشاريعها التنموية حول هذا الشعار.
وكانت بوصلة الجبهة موجهة نحو أهداف الثورة ترغب في الدفع لتحقيقها وفاء للشهداء والتزاما بفكرة العدالة، إذ أن أغلب شعارات ثورة الشعب التونسي كانت تدور حول العدالة في التنمية وفي توزيع الثروة وفي الجباية وفي الحقوق وفي الرقي الاجتماعي وفي المناصب.
ولهذا تصادمت الجبهة مع الإسلاميين الذين جاءوا محملين بطموحات كبيرة للالتفاف على ثورة الشعب التونسي واستلابها وتحويل وجهتها نحو غايات أخرى تفرغها من محتواها وتعطل مسيرتها نحو العدالة والحرية والتقدم. واعتبرت الجبهة الشعبية طموحات الإسلاميين هذه معادية لتونس، وقادت حركة التصدي لها بمعية الاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات الوطنية الكبرى والقوى التقدمية والديمقراطية الاجتماعية.
ولقد حاولت الأطراف المنتمية إلى الإسلام السياسي في تونس لا سيما من النهضويين والسلفيين، بكل تشكيلاتهم، تشويه الجبهة وزعمائها ومناضليها رغبة في إزاحتها. وعملوا على إكساء الخلاف معها زيّا دينيا وإفراغه من محتواه السياسي.
فتحركت كل أذرعهم الإعلامية والدعائية والمسجدية للانحراف بالصراع السياسي المجتمعي المدني نحو مستنقع الفتوى والشريعة والتكفير الذي يلوح ببحر من الدماء. وبدأت فتاوى تكفير الجبهويين وإباحة دمائهم تنتشر علنا لا سيما في عهد الترويكا بتواطؤ معلوم من حكومتي حمادي الجبالي وعلي العريض.
ودفع الإسلام السياسي في تونس بهذا الانحراف إلى أقصاه ودفعت الجبهة الشعبية والشعب التونسي الثمن غاليا، إذ خسرت الجبهة قائديها الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وخسرت تونس فرصتها الذهبية في التنمية والتقدم وبناء النموذج الذي كان يتراءى للعرب وللأمم النامية متجسدا في الشعب التونسي.
ونتيجة لمخططات الإسلام السياسي المعادية غرقت تونس في مشاكل لن يسهل عليها تجاوزها ولو بعد عقود. فلقد نفذت حركة النهضة بوفاء كبير أجندا الإسلام السياسي في تونس، فاستولت على الإدارة وزرعت الأجهزة الموازية وأغرقت الوظيفة العمومية ومؤسسات الدولة بالانتدابات العشوائية للعناصر المتمتعين بالعفو التشريعي العام، وأحلت احتلال المساجد وجعلها أوكارا للتشدد والتطرف والعنف، وبدأت تعد للمخطط الكبير القاضي بتحويل طبيعة المجتمع التونسي وبمراجعة مكاسبه المدنية التاريخية لإلحاقه بدولة الخلافة المزمع إنشاؤها. وبدأ ينتشر في تونس التردد والخوف بعـد أن كـانت ممتلئـة حماسا وأملا.
لئن نجحت الجبهة في تكوين كتلة برلمانية منيعة صلبة في البرلمان وفي مؤسسات السلط التنفيذية، فإنه ينتظرها الكثير لتضمن استمرارها وتثبّت وجودها في المشهد السياسي والاجتماعي التونسي.
كما عملت حركة النهضة على تأبيد المجلس الوطني التأسيسي الذي تحظى فيه بالأغلبية المطلقة. ورفضت التخلي عن الحكم بعد نفاد المدة القانونية لحكمها وهي سنة واحدة لا غير. وبدأت ملامح الاستبداد النهضوي المدعوم من تيارات وأنظمة إخوانية تظهر بجلاء على الساحة السياسية.

إقرأ أيضا: بماذا دخلت تونس السنة السادسة للثورة

استطرادنا حول النهضة والإسلام السياسي في تونس الغاية منه إبراز أنه بسبب هذه المخططات تعطل كل شيء في تونس بما في ذلك نضال الجبهة من أجل تحقيق أهداف الثورة، ذلك أن جهود الجبهة انصبت حول حماية تونس من المخططات العدوانية للإسلام السياسي بقيادة حركة النهضة وتنظيم أنصار الشريعة الذي انقلبت عليه النهضة مكرهة في ما بعد، وصنفته حكومتها إرهابيا بضغوط دولية خشية التورط في تهمة الإرهاب.
فبسبب هذه المخططات المعادية وجدت الجبهة نفسها في صراع جدلي بين التقدمية والرجعية فانخرطت فيه قائدة للقوى التقدمية عموما نحو التصدي الأعنف في تاريخ تونس. فلقد تعاملت الجبهة مع المخطط الإخواني السلفي تعاملا تاريخيا ووجوديا يعي أن إفشال مخطط الإسلام السياسي هو مسألة وجود، لأن نجاحه يعني القضاء على كل نفس تقدمي وتحرري وديمقراطي في تونس.
وقدّمت الجبهة من أجل ضمان إنقاذ تونس من ذلك المخطط ما يكفي من التنازلات، بما في ذلك التغاضي عن توثب الدستوريين مدعومين بالنظام القديم لاقتناص الفرصة واستلام السلطة. وهو ما حدث في صفقة باريس في أغسطس 2013 بين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي.
وخلافا لحركة نداء تونس التي تسرعت في عقد مؤتمراتها فحصدت الفشل والانقسامات، تتعامل الجبهة مع ندوتها الوطنية الثالثة بكثير من التأني وذلك بسبب طبيعة الجبهة المتشكلة من ائتلاف أحزاب تعلمت التعايش والتنازل بالحوار والنقاش. ورغم أنها تعيش بهيكل قيادي واحد هو مجلس الأمناء فإنها نجحت في تطويق خلافاتها الداخلية وفي إبراز ما يكفي من التضامن والانسجام في المواقف وفي وحدة الرؤية.
هذا الانضباط الذي مثل سر نجاح الجبهة في الحفاظ على ائتلافها ووحدتها هو ما يسبب لها المشاكل من الأطراف التكفيرية نفسها وبالأساليب نفسها. والنتيجة أن أغلب أعضاء مجلس أمناء الجبهة وأغلب نواب كتلتها البرلمانية وصلتهم إشعارات من الداخلية تحذرهم من مخططات لاغتيالهم بعد حملات التشويه والتكفير التي طالتهم من قبل أجهزة الدعاية التكفيرية لحزبي النهضة والمؤتمر ومن والاهما.
ولئن نجحت الجبهة في تكوين كتلة برلمانية منيعة صلبة في البرلمان وفي مؤسسات السلط التنفيذية، فإنه ينتظرها الكثير لتضمن استمرارها وتثبّت وجودها في المشهد السياسي والاجتماعي التونسي. من ذلك ضرورة وضع هيكلة متينة تقوم على مؤسسات متشابكة وإدارة حركية فاعلة تبنى بطريقتين أفقية وعمودية، تتولى وضع استراتيجياتها وتنفيذ برامجها والدعاية لها للنفاذ إلى المجتمع لا سيما تلك البؤر المستعصية عنها المستلبة من قبل الإسلام السياسي.
كما تحتاج الجبهة الشعبية إلى تقديم نماذج فعلية تجسدها في المجتمع تشرح بها أطروحاتها في إنتاج الثروة، أي لا بد أن تقدم للشعب التونسي أمثلة ملموسة تقنعه بأنه قادر على إنتاج الثروة وليس مرتهنا بالاقتراض والتبعية للخارج. وعلى الجبهة أن تقدم ما يلزم من المساهمات للمساعدة في الملفات الاجتماعية الكبرى مثل الانقطاع المدرسي وأطفال الشوارع والتسول والأمهات العازبات والبطالة وتعثر الفعل الثقافي الجاد.

كاتب وباحث سياسي تونسي/”العربي الجديد”