الرئيسية / وجهات نظر / لكي تنجح معاركنا ضد الإرهاب
التفجيرات الإرهابية

لكي تنجح معاركنا ضد الإرهاب

التفجيرات الإرهابية التي هزت عاصمة الاتحاد الأوروبي مدانة بجميع المقاييس الدينية والسياسية والأخلاقية، وبقدر حجم الإدانة والرفض المعبر عنها من طرف الجميع بقدر ما نحتاج إلى إعمال صوت العقل لفهم الجذور الحقيقية لهذه الأفعال الإجرامية ووضعها في سياقها السياسي والفكري.
الأمر لا يتعلق بحادث معزول ولكن بحلقة جديدة من حلقات الإرهاب المنظم الذي ضرب باريس وإسطنبول وأنقرة وتونس وفلسطين المحتلة وأستراليا والسعودية واليمن وسوريا..
لقد كشفت مصادر استخباراتية لصحيفة «لاراثون» الإسبانية أن الأمر في الحقيقة يتعلق بجيش من الجهاديين والانتحاريين، يبلغ عددهم 80 جهاديا، يحملون جنسيات أوروبية وهم من أصول عربية وإسلامية.
وقالت «لاراثون» الإسبانية إن هذا الجيش من الجهاديين انتقل من سوريا إلى مجموعة من العواصم الأوربية، خصوصا بروكسيل، وهناك حديث على تواجد مجموعة من الخلايا، تضم كل واحدة منها ما بين 5 و10 «جهاديين»…
قد تكون هذه المعطيات صحيحة وقد تكون خاطئة، لكن في جميع الأحوال فإن المؤشرات السياسية الكبرى على الصعيد الدولي تدل على أن الإرهاب المعولم سيرتفع مادام يتغذى على الكثير من التناقضات التي تعج بها الساحة الدولية.
إن موجة الرعب والخوف التي سادت في بروكسيل خلال بداية الأسبوع مرشحة للارتفاع في انتظار حل الأزمات المتراكمة في كل من سوريا والعراق وليبيا وقبل ذلك مشكلة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وحل مشكلة مشاريع التحول الديمقراطي المجهضة في العديد من البلدان العربية
الذين قاموا بهذه التفجيرات ينتمون إلى داعش التي اعترفت رسميا بوقوفها وراء هذه العمليات، وهم يبعثون برسائل مختلفة إلى صناع القرار في قلب العاصمة الأوربية، أبرزها دفع الرأي العام الأوربي إلى الضغط على حكوماته من أجل الانسحاب من التحالف الدولي الذي يحارب داعش في سوريا، مستغلة حجم الفراغ الأمني والاستخباراتي الذي لم يكن مهيئا لمثل هذه الضربات التي تعتمد بدرجة أساسية على شباب يحمل أرواحه على أكتافه ليخوض بها حربا مقدسة لا يبتغي من ورائها انتصارا على الأرض بقدر ما يبحث عن مكان في السماء يسجل به اسمه في لائحة «الشهداء».

إقرأ أيضا: هجمات بروكسيل تتسب في أزمة سياسية ببلجيكا

إن هؤلاء الانتحاريين الذين يستعدون لشن غزوات في مختلف دول العالم نشؤوا في جو من الإحباط والحرمان ووسط بحر من التناقضات المرتبطة بإشكالية الهوية والصراع الثقافي وضعف التأطير الديني السليم المقرونة بظروف الفقر والحرمان والانسداد السياسي.
وبغض النظر عن مَنْ دعم داعش وكيف نجحت، فإن الأمر الواقع أمامنا هو أن هذه الظاهرة موجودة، وباتت تمثل جاذبية للعديد من الشباب المتحمس في المنطقة العربية، بل تجاوزها للاستقطاب من داخل أوروبا وسط أبناء الجالية ووسط حاملي الجنسيات الأوروبية من أصل عربي وغيرهم..
المفارقة أن العالم يشن حربا على الإرهاب دون أن ينتبه إلى العلاقة الوطيدة بين انتكاسة المسارات الديمقراطية وانتعاش خطاب الإرهاب والتطرف.. ففي الوقت الذي يئن فيه رئيس منتخب من ظلم السجن ويشكو رفاقه من عذابات السجون وويلاتها، تُفاخر داعش وأخواتها بإنجازاتها على الأرض وتتهكم من ديمقراطية الوهم التي جاء بها الغرب وشارك فيها الإسلاميون لتوصل بعضهم إلى السجن، وتضع بعضهم الآخر على هامش السلطة وتقنع البعض الآخر بالفتات..هذا المنطق البسيط هو الرائج اليوم في دعاية الدواعش..
ولذلك، فإن الحرب على الإرهاب تمر عبر مقاربة شمولية لا مفر فيها من عودة المسار الديمقراطي للمنطقة..آنذاك يمكن أن تنجح عمليات الحرب على الإرهاب..
الخلاصة أن إرهاب اليوم لم تعد له حدود وهو قادر على الضرب في أي مكان وزمان، وهو إرهاب لا وطن له ولا جنسية وإنما هو إحدى تجليات العولمة المفتوحة التي يستفيد منها الإرهاب العابر للقارات..
إن معركتنا ضد الإرهاب تمر بالضرورة عبر نجاحنا في معركتنا ضد الاستبداد والجهل والفقر والحرمان.

كاتب من المغرب/”القدس العربي”