الرئيسية / وجهات نظر / الثورة الثانية في تونس!
الثورة

الثورة الثانية في تونس!

في تونس٬ سوف تكتشف أن وجوه الشبه بيننا في القاهرة٬ وبينهم هناك٬ فيما بعد 25 يناير (كانون الثاني) ٬2011 كثيرة للغاية٬ ولكن وجًها واحًدا من هذه الوجوه٬ قد عرفوه هم٬ ولم يحدث أن عرفناه نحن!
من وجوه الشبه٬ مثلاً٬ أن الإرهاب الذي يتربص بنا٬ في كل يوم٬ لا يزال يتربص بهم أيًضا٬ وأنه يضرب اقتصادهم٬ كما يضرب اقتصادنا٬ أكثر مما يضرب أي شيء آخر.. وإلا فما معنى أن يختار شاب تونسي مدينة سوسة الساحلية السياحية تحديًدا٬ لينفذ عمليته الإرهابية ويقتل عدًدا من سياحها قبل أن يقضي عليه رجال الأمن٬ في رمضان الماضي؟!
إن الذين زاروا سوسة٬ أو قرأوا عنها٬ يعرفون أن بها عدًدا من الفنادق٬ ومن القرى السياحية٬ لا يكاد يوجد في أي مدينة عربية ساحلية٬ ولذلك٬ فإن اختيارها من جانب الذين وقفوا وراء الشاب الانتحاري٬ ودفعوه إلى ما فعل٬ كان مقصوًدا تماًما٬ وبدقة لها ما بعدها من أهداف. ويمكنك أن تقول إن عملية هذا الشاب الإرهابي نفسه٬ في سوسة٬ مماثلة٬ من حيث عواقبها على الاقتصاد التونسي عموًما٬ والسياحة خصوًصا٬ لعملية تفجير الطائرة الروسية عندنا فوق سيناء٬ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي٬ بعد إقلاعها من شرم الشيخ!
ولذلك٬ لم يكن واحد من سائقي التاكسي التونسيين٬ مبالًغا٬ عندما قال في لحظة غضب٬ رًدا على سؤال له من صحيفة٬ عن الأحوال الآن٬ في تونس٬ إن محمد البوعزيزي الذي أحرق نفسه٬ فكان ذلك مقدمة للثورة٬ في يناير ٬2011 قد: أحرقنا معه!
ولكن.. هناك وجه آخر٬ لا يدخل في وجوه الشبه٬ لأنه لا وجود له عندنا.. وهذا الوجه هو أننا إذا كنا قد مررنا بعد ثورة 25 يناير ٬2011 بثورة ثانية في 30 يونيو (حزيران) ٬2013 على الإخوان٬ فإنهم هناك قد مروا٬ بعد ثورتهم على نظام زين العابدين بن علي٬ بثورة ثانية أيًضا٬ ولكنها مختلفة تماًما.. إنها ثورة قام بها إخوان تونس٬ الذين هم حركة النهضة الإسلامية٬ على أنفسهم٬ ولم ينتظروا حتى يقوم بها التوانسة عليهم!

إقرأ أيضا: هل الجيش التونسي مؤهل لمواجهة الإرهاب؟

ثورتهم الثانية قامت٬ في اللحظة التي استوعبت فيها حركة النهضة٬ معنى 30 يونيو 2013 في مصر٬ فاقتنع راشد الغنوشي٬ رئيس الحركة٬ ومن ورائه عبد الفتاح مورو٬ نائب الرئيس٬ ومن ورائهما قادة الحركة كلهم٬ أن الحكم مسؤولية ضخمة٬ وأن الذي يريد أن يتصدى له٬ لا بد أن يكون مؤهلاً٬ ومستعًدا٬ وإلا٬ فإنه ينكشف٬ وأن الظرف العام في البلد٬ وفي الإقليم٬ وفي العالم٬ إذا لم يكنُمهيًئا٬ ومساعًدا٬ ومسانًدا لها٬ كحركة نهضة إسلامية٬ ولوجودها على رأس السلطة٬ فالابتعاد٬ ولو مؤقًتا٬ أفضل بكثير٬ لأن الثمن يكون فادًحا٬ كما حدث مع الإخوان في 30 يونيو 2013!
لقد جاء وقت على قادة حركة النهضة هناك٬ وكان ذلك قبل انتخاب الرئيس الحالي٬ الباجي قائد السبسي٬ كانوا فيه٬ أصحاب غالبية في البرلمان٬ ومع ذلك٬ لم يكن عندهم أي مانع٬ في ألا يحكموا هم٬ مع أن غالبيتهم كانت تعطيهم هذا الحق بسهولة٬ فكانوا يتنازلون عن رئاسة الحكومة على الفور٬ إذا ما أحسوا بأن الرأي العام ضد رئيس الوزراء المنتسب إليهم٬ أو أن وجود رئيس وزراء من خارجهم٬ على قمة الحكومة٬ سوف يكون أفضل للبلد٬ قبل أن يكون أفضل لهم٬ أو أن هذا ليس وقتهم٬ أو.. أو.. إلى آخر ما حدث على هذا النحو فعلاً!

ولماذا نذهب بعيًدا؟! إن حزب حركة نداء تونس٬ الذي يرأسه الباجي قائد السبسي٬ كان عند انتخاب الرجل رئيًسا٬ هو صاحب الغالبية في البرلمان٬ وكانت «النهضة» تحل ثانًيا بعده٬ ولذلك٬ كان من الطبيعي٬ أن يختار رئيًسا للحكومة٬ من خارج «النهضة».
غير أن ما جرى٬ خلال أشهر قليلة مضت٬ هو أن انشقاًقا طرأ على «نداء تونس» خرج به نواب من غالبيته البرلمانية٬ ليشكلوا حزًبا وحدهم٬ ثم كتلة برلمانية وحدهم أيًضا٬ تحت قبة البرلمان٬ بما أدى إلى أن يفقد الحزب أغلبيته٬ وتصبح حركة النهضة٬ التي كانت تالية له٬ هي صاحبة الأغلبية المتقدمة عليه!
وكان المتوقع٬ في ضوء وضع جديد كهذا٬ أن يعاد تشكيل الحكومة٬ التي تشارك فيها «النهضة» طبًعا٬ وأن ترأسها هي٬ لا أن تكون مجرد مشاركة في عضويتها.
شيء من هذا٬ لم يحدث٬ ولا يزال رئيس الحكومة الذي اختاره الرئيس السبسي٬ هو رئيس مجلس الوزراء٬ ويبدو أنه سوف يستمر لفترة٬ ولم تطالب «النهضة» بأن تترجم غالبيتها البرلمانية الطارئة سياسًيا٬ ولم تفكر في الاستحواذ على رئاسة الحكومة! «لماذا»؟! لأن الثورة التي قام بها المصريون على الإخوان٬ قامت بها «النهضة» على نفسها٬ بشكل٬ أو بآخر٬ واستوعبت الدرس!.. أو هكذا أظن.
لم يستوعب إخوان مصر٬ طبيعة المصريين٬ فكان ما كان٬ من 30 يونيو ٬2013 إلى اليوم.. ولكن إخوان تونس استوعبوا٬ ليس فقط طبيعة التوانسة٬ وإنما استوعبوا كذلك٬ في ضوء ما نراه أمامنا على الأقل٬ حقائق الوضع من حولهم٬ في الإقليم٬ وفي العالم٬ فكان ما كان٬ مما نرصده هناك٬ ونتابعه منذ فترة٬ وعندما ينعقد المؤتمر العام العاشر٬ لـ«النهضة»٬ آخر هذا الشهر٬ سوف يتبين لنا حدود هذا الاستيعاب وآفاقه٬ كما سوف نرى شيًئا من ملامحه وامتداداته.

صحافي وكاتب مصري/”الشرق الأوسط”