الرئيسية / وجهات نظر / كيف حول «داعش» ربيع العرب خريفاً إرهابياً؟
الربيع العربي

كيف حول «داعش» ربيع العرب خريفاً إرهابياً؟

شكل الربيع العربي الذي انطلق من تونس ثم مصر في بداية العام ٢٠١١ تحدياً مهماً لتنظيم القاعدة. فهذا الأخير عجز، في ثلاثين عاماً من «الجهاد»، عن إسقاط نظام واحد في بلد مسلم، الأمر الذي نجح في إنجازه متظاهرون سلميون أسقطوا ديكتاتوريات راسخة في غضون أسابيع معدودة.
منذ بداية الثورة التونسية سارع أمير تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي» عبدالملك دروكدل إلى إعطاء توجيهات لمقاتليه بالسعي إلى كسب ود المتظاهرين عبر تأييدهم ومباركة حراكهم، وفي الوقت نفسه إضفاء شيء من الاعتدال على الخطاب الجهادي. كان الهدف هو الاستفادة من موجة الثورات الشعبية بنية مصادرتها لاحقاً أو على الأقل الاستحواذ على تأييد من سوف يشعرون بخيبة أمل من النظام الجديد الذي سيحل محل النظام البائد.
في تسجيل صوتي نشره بمناسبة الذكرى العاشرة لتفجيرات ١١ سبتمبر/‏أيلول ٢٠٠١ أعلن الظواهري، الذي حل محل بن لادن على رأس وتنظيم القاعدة، عن هزيمة الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وعن دعمه ومساندته للثورات العربية آملاً في أن تتبنى إسلاماً حقيقياً وتنتج حكومات تحكم باسم الشريعة، وتكلم تحديداً عن الحالتين السورية واليمنية. وبعد عامين على ذلك أضحى هذان البلدان أرضاً جديدة للجهاد.
وتقول بروباغاندا «الدولة الإسلامية» بأن «أبو مصعب الزرقاوي» كان قد حدد بنفسه الأجندة الاستراتيجية لتنظيمه في العام ٢٠٠٤ والتي تنقسم إلى خمس مراحل: هجرة المجاهدين المسلمين إلى أرض الإسلام والجهاد، تجمع المجاهدين في بنية تنظيمية محكمة، زعزعة استقرار الحكومات الكافرة في أرض الإسلام هذه، ترسيخ سيطرة التنظيم على هذه الأرض ثم تأسيس دولة الخلافة.
ماذا حصل في الواقع؟ على أساس هذه الهجرة الجديدة المقاتلة، انطلاقاً من العام ٢٠٠٣ تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق، جاء آلاف المتطوعين غير العراقيين إلى العراق للانضمام إلى تنظيم الزرقاوي الذي بات يحمل اسم «القاعدة في بلاد الرافدين». ثم ساهمت المعارك المستمرة في العراق في تجمّع هؤلاء الإسلاميين حيث، من ناحية، أخذت قيم الإسلام الجهادي بالبزوغ والردكلة من خلال المواجهات مع النظام العراقي والمحتل الأمريكي، ومن جهة أخرى، تم رفد «الجهاديين» العراقيين بآلاف المتطوعين الأجانب.
وقد تكرس تجمع الجهاديين في العراق من خلال «داعش في العراق» انطلاقاً من العام ٢٠٠٦ الذي ضم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، إضافة إلى خمس جماعات «جهادية» أخرى عراقية تحظى بتأييد ورعاية قبائل سنية عراقية تمثل حوالي سبعين في المئة من سكان محافظة الأنبار غربي العراق. ثم قادت سياسة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الفئوية الفاسدة إلى انضمام المزيد من معارضيه إلى «الحركات الجهادية»، ومنهم قدامى الجيش العراقي المنحل إضافة إلى مؤيدي صدام حسين وبعض القبائل السنية التي تعاني محاولات نظام المالكي تهميشها وإذلالها.

إقرأ أيضا: أي أفق للجماعات الجهادية…؟!

في ديسمبر/‏كانون الأول ٢٠١١ بعد رحيل القوات الأمريكية عادت التفجيرات الإرهابية في العراق إلى ما كانت عليه في ذروتها في العام ٢٠٠٨. وقد تعزز وضع التنظيمات «الجهادية» بفعل الانتصارات العسكرية التي حققتها بين العامين ٢٠١٣ و٢٠١٤ على المسرحين العراقي والسوري. وأصبح تنظيم «داعش» الأقوى والأكثر تنظيماً من بين كل التنظيمات الإرهابية. وقد تمكن من السيطرة تدريجياً عبر معارك مع تنظيمات «جهادية» أخرى، ومنها القاعدة نفسها، من السيطرة على ثلث الأراضي العراقية والسورية، لا سيما بعد احتلاله المفاجئ لمساحات واسعة من بينها مدينة الموصل العراقية في ٢٩ يونيو/‏حزيران ٢٠١٤.
بعد ذلك أعلن «داعش» عن الاستراتيجية المستقبلية التي يسعى لتطبيقها وهي «التمسك بالأرض والتوسع» بحسب ما جاء في مجلته الإلكترونية «دابق». وهكذا فإنه أحكم قبضته بكل الأساليب الإرهابية الممكنة في الأراضي التي يحتلها وشرع في محاولاته التمدد نحو لبنان وجنوبي الأردن وشبه الجزيرة العربية وصولاً إلى ليبيا التي بات له فيها وجود راسخ.
ويدّعي هذا التنظيم الإرهابي بأنه ينتظر وصول جيوش الكفار إلى أراضيه كي يتمكن من سحقها قبل أن يعود إلى التمدد نحو العالم كله بعد السيطرة على مكة المكرمة والفاتيكان.
أسس «داعش» خمس ولايات في الجزائر وليبيا والسعودية واليمن، ويقف على الحدود اللبنانية الشمالية والشرقية. وقد بايعه تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي النيجيري بالإضافة إلى عدد من فروع القاعدة وجماعات متشددة في غير بلد عربي وإسلامي.
تبنى «داعش» ولا يزال عدداً كبيراً من التفجيرات الإرهابية في عدد كبير من الدول العربية والإسلامية وفي دول أوروبية أيضاً. ولا يزال يسعى للتمدد بالطرق الإرهابية نفسها بعد أن نجح في تحويل ربيع سوريا إلى جحيم إرهابي، حيث شكّل ذريعة للنظام السوري تساعده على البقاء، وفي ليبيا حيث يحول من دون قيام دولة عصرية، وفي تونس ومصر حيث يهدد استقرار الحكومات الناجمة عن الثورات الشعبية.
استفاد «داعش» كثيراً من مشكلة تركيا الكردية ومن استراتيجيات دول إقليمية وكبرى ترى مصلحة لها في بقائه مرحلياً رغم مناصبتها العداء له في العلن. لقد بات مصير «داعش» مرتبطاً بمآل التسوية الكبرى المقبلة في المنطقة، وفي الانتظار يمكن القول بأنه نجح على الأقل في وأد الثورة الشعبية وفي تحويل ربيع العرب إلى جحيم إرهابي لا يطاق.

أستاذ للعلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية/”الخليج”