الرئيسية / وجهات نظر / تونس: انتخابات جديدة واستقطاب قديم
027e3cce5a6f8fc4348390587f0d3958

تونس: انتخابات جديدة واستقطاب قديم

بعد طول انتظار، أعلنت الهيئة المستقلّة مواعيد تنظيم الانتخابات المقبلة في تونس، وستنقسم إلى تشريعية في 26 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، ورئاسية تقام في دورتين خلال الشهرين المواليين. وكانت الفترة الصيفية للسنة الماضية تميّزت بأحداث خطيرة كادت أن تُدخِل بالبلد في مرحلة من الفوضى العارمة، أمّا هذه السنة، فيرجّح أن يتسم الصيف بالهدوء استعداداً للحملة الانتخابية، وساعد تشكيل حكومة التكنوقراط منذ بداية السنة في تخفيف التجاذبات السياسية وإعادة الاعتبار لأجهزة الدولة للقيام بمهماتها. وليس مستبعداً أن تؤدّي الانتخابات إلى إعادة تكليف حكومة تكنوقراط.
ملامح الوضع السياسي المقبل لم تتحدّد بالمواعيد المعلنة من الهيئة المكلّفة تنظيم الانتخابات بمقدار ما تحدّدت بقرارين اتخذهما الحزبان الأساسيان في اليوم ذاته. فقد أعلن حزب «النهضة» في ندوة صحافية استعداده لمساندة مرشّح وفاقي لرئاسة الجمهورية، وفي اليوم ذاته عقد حزب «نداء تونس» مجلسه الوطني وأعلن قراره ترشيح رئيسه السيد الباجي قائد السبسي للرئاسة ودخول الانتخابات التشريعية بصفة منفردة، بما يعني التخلّي عن التحالف الانتخابي «الاتحاد من أجل تونس» الذي كان يجمع «النداء» وأحزاباً أخرى غالبيتها يسارية، ساهمت كلها في دفع «الترويكا» إلى التخلي عن السلطة.
لقد سقط حينئذ مشروع توحيد المعارضة في وجه «النهضة» مجدداً، لمناسبة الانتخابات المقبلة. ومعنى ذلك ببساطة أن «النداء» اختار أن يتجه إلى قاعدة انتخابية واضحة هي التي يطلق عليها في تونس «الدساترة» وتستند إلى الإرث البورقيبي، وجزء منها كان منخرطاً في حزب «التجمع» الحاكم سابقاً والمنحلّ بعد الثورة. وساهمت تعثّرات حكومة «الترويكا» في استعادة هؤلاء الثقة بأنفسهم، وساهم سعي «النهضة» إلى التقرّب منهم في دفع السبسي إلى حسم موقفه في هذا الاتجاه، فهو يدرك أن جزءاً واسعاً من هذه القاعدة لم يكن راضياً عن تحالفاته مع اليسار الذي ساهم في التنكيل بهم بعد الثورة، عدا التباين الأيديولوجي والاختلاف في المواقف الاقتصادية، إذ يحمّل العديد من هؤلاء النقابات التي يسيطر عليها اليسار مسؤولية تعطيل الدورة الاقتصادية التي يستفيدون منها أكثر من غيرهم. ويُتوقّع أن تكون الانتخابات مجزرة للأحزاب الصغرى بعامة، ومنها عديد الأحزاب اليسارية المتحالفة سابقاً مع «نداء تونس». أمّا الأحزاب اليسارية التي قاطعت هذا التحالف منذ البداية وأنشأت ائتلافاً آخر هو «الجبهة الشعبية»، فقد تستفيد نسبياً من هذا الخيار، لا سيما أنها دفعت الثمن باغتيال قياديين بارزين منها هما شكري بلعيد ومحمد براهمي. ولكن يستبعد أن تنجح في تحقيق اختراق انتخابي كبير، لأنّ قاعدتها الشعبية تظلّ محدودة، فضلاً عن انقسامها بين شقّ يرى ضرورة توسيع الجبهة لتشمل مكونات أخرى، وشقّ يرى دخول الانتخابات تحت شعارها.
هكذا تكون الطريق ممهدة لـ «النهضة» ليستعيد المبادرة بمحاولة تشكيل جبهة انتخابية واسعة والتشديد على شعار الوفاق الذي كان ضحيته سابقاً، ومن هنا يتنزّل إعلانه عن الاستعداد لعدم الترشّح للرئاسة، كي يكون هذا الإعلان «طُعماً» يلقى لرؤساء الأحزاب، فهم يتذكّرون جميعاً كيف أصبح السيد منصف المرزوقي رئيساً بعدد محدود من الأصوات أثناء الانتخابات السابقة بقرار من «النهضة». ولا شكّ في أن التلويح لرؤساء الأحزاب بإمكانية دعمهم هو طريقة ذكية لتقوية ذواتهم وإضعاف أحزابهم. فالنهضة قويت بتحالفاتها مع الأحزاب الأخرى لكن كل الأحزاب المتحالفة معها ضعُفت، مثل حزب المرزوقي الذي انقسم إلى أكثر من خمسة أحزاب صغيرة. ويذهب بعض المراقبين إلى حدّ عدم استبعاد أن تساند «النهضة» ترشّح السيد السبسي للرئاسة، بما يقضي على حزبه الذي يعدّ المنافس الأكبر للنهضة. ولكن هل تذهب الطموحات الرئاسية للسبسي إلى حدّ قبول هذا السيناريو؟ وهل يمكن أن تُقدِم قيادة «النهضة» على قرار كهذا قد يُواجَه بمعارضة قوية من قواعدها؟ وهل الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس حزب «النهضة» أخيراً لفرنسا تدخل في إطار الإعداد لهكذا سيناريو؟ هذه كلها تخمينات لا نستبعدها لكننا لا نراها محسومة.
وعلى عكس الوضع في الانتخابات السابقة لعام 2011، لم تعد «الثورية» العامل الأهم في توجيه الناخبين، بل أصبح الاهتمام بمستقبل البلد الهاجس الأكبر. كما أن «النهضة» لن تواجه هذه المرّة أحزاباً أقرب إلى الهواية منها إلى العمل السياسي المحترف. فلئن نشأ «نداء تونس» بعد الانتخابات السابقة فإنه يضمّ كوادر ذات تجربة سياسية كبيرة. وتظل «النهضة» مع ذلك في الوضع الأفضل نسبياً، وستحيط نفسها بمجموعة من الأحزاب الصغيرة والشخصيات الانتهازية لتظهر بمظهر الحزب الوفاقي، وتدخل البلبلة لدى الأحزاب الأخرى بالتلويح بإمكانات التحالفات المقبلة، ومنها الوفاق على منصب الرئاسة.
أما «نداء تونس» فقراره التخلي عن حلفائه لئن كان منطقياً بحكم أنّ غالبيتهم ليس لها وزن حقيقي على الأرض، ضيّق على نفسه هامش المناورة وقد يكون قدّم للنهضة فرصة تحويل وجهة النقاش من تقويم تجربة الإسلاميين في الحكم إلى تخويف الشعب من عودة رموز النظام القديم إلى السلطة. وعلى عكس ما يظنّ العديد من زعماء «نداء تونس»، ما زالت الرغبة في التصدّي لكلّ ملامح العودة إلى النظام السابق قوية في نفوس كثيرين من التونسيين.
وعلى العموم، تتجه الانتخابات إلى تكريس الاستقطاب الحادّ بين تيارين متنافسين منذ سبعينات القرن العشرين، وهما الإسلاميون والدستوريون. ولئن لم يكن الاستقطاب في ذاته عيباً، بما أنّ تداول الحكم في كلّ الدول الديموقراطية الحقيقية لا يخرج عن عدد محدود من الأحزاب، فإنّ الملاحظ في تونس أن «الثورة» غيّرت موازين القوى وآليات الممارسة السياسية، لكنّها حافظت على الطبقة السياسية ذاتها والمرجعيات ذاتها التي لم تولد ديموقراطية، إما بحكم الأيديولوجيا أو بحكم الممارسة، لكنها تحاول التدرّج إليها تحت ضغط الأحداث. والمهم اليوم أن يواصل الرأي العام الضغط للحفاظ على المكتسبات الديموقراطية من التراجع، أو من اتخــاذها مجرد ذريعة للوصول إلى الحكم بغية نقضها. وهذا الهدف هو الأهمّ من الانتخابات نفسها.
“الحياة” اللندنية