الرئيسية / وجهات نظر / صفعة نوعّية للمتطرفين في تونس
تونس

صفعة نوعّية للمتطرفين في تونس

إن ما عرفته تونس في الأيام الأخيرة من هجمة شرسة من المتطرفين الإرهابيين على محافظة بن قردان الحدودية٬ يمثل في مسار حرب تونس على الإرهاب مرحلة نوعية بأتّم معنى الكلمة.
وإذا وضعنا في الحسبان تحليل بعض الخبراء الأمنيين٬ الذي جاء فيه أن العملية المشار إليها تّم الإعداد لها منذ أكثر من سنة ونصف السنة٬ فإنه يمكن الاستنتاج أن الضربة التي تلقتها الجماعات التكفيرية موجعة جًدا٬ حيث سقط قرابة 43 من الإرهابيين ووقع في الأسر مجموعة منهم.
وهي صفعة نوعية ليس فقط من منطلق حجم الخسائر بل لأن الهدف من العملية كان إقامة إمارة داعشية والتوطين في التراب التونسي٬ وهو ما يكشف عن مدى جرأة هذه التنظيمات٬ وحجم طموحاتها الشيطانية؛ إذ الانتقال من العمليات الإرهابية الإرباكية الانتقامية على غرار أحداث الشعانبي واغتيال شكري بلعيد والشيخ محمد البراهمي وأحداث متحف باردو وسوسة وشارع محمد الخامس إلى استهداف محافظة حدودية بنية إقامة إمارة هناك٬ إنما يفيد بأن الخطاب الذي لطالما سهرت على تسويقه بعض العناصر التكفيرية القيادية مثل تنظيم أنصار الشريعة٬ والذي يقوم – أي الخطاب التسويقي ­ على فكرة أن تونس أرض دعوة وليست أرض «جهاد»٬ هو خطاب مخاتل ويعمل على كسب الوقت والمراوغة٬ دون أن يفوتنا التوضيح أن تحويل أي أرض إلى أرض دعوة٬ هو في جوهر الأمر يعادل تحويلها إلى هذا المنحى٬ إذ الدعوة مقدمة ضرورية هذا وهو الهدف الأساسي من فعل الدعوة ذاتها.
ولكن هل الهزيمة الُمّرة التي منيت بها هذه العناصر الإرهابية٬ تعني أن تهديداتها انتهت٬ وأن تونس ختمت حربها على الإرهاب بنجاح نوعي٬ أسهمت فيه الوحدة الوطنية التونسية العالية؟
في الحقيقة يبدو لنا أن المرحلة الموجعة من الحرب على الإرهاب في تونس قد بدأت مع هذه العملية بالذات٬ وبالتالي فإن الجولات القادمة ستكون ذات كثافة وكر وفر وسيناريوهات مرتبطة بمدى الحصار الذي ستجده هذه الجماعات في الجارة ليبيا.
ومن الظاهر أن توقيت تنفيذ الإرهابيين لمخطط إقامة «إمارة» داعشية في محافظة بن قردان في صلة وثيقة بوتيرة حركة الأحداث في ليبيا٬ وبنسق تصاعد محاصرتهم هناك.

إقرأ أيضا: تونس: معركة بن قردان المجيدة

ومثل هذا المعطى يعني أن الإسراع في تنفيذ مخطط الإمارة الداعشية في تونس٬ هو من حيث التوقيت اضطراري وليس توسيعيا فقط. كما أنه بات يمثل ملجأ لا بّد منه. الشيء الذي يجعلنا نستنتج أن المحاولات ستتكرر٬ لأن الوازع وجودي بالنسبة إلى هؤلاء المتطرفين وتجاوز طور الوازع التوسعي٬ وكلما اشتد عليهم الخناق أكثر في ليبيا٬ فإن استهداف تونس سيكون أقوى وأكثر شراسة٬ باعتبار أن الجزائر دولة يصعب اختراقها٬ وليس من التكتيك الجيد التطاول على خبرتها في مقاومة المتطرفين في هذه المرحلة الحالية.
من جهة أخرى من المهم الإشارة إلى أنه لو كانت هذه التنظيمات تقف عند تلقي الضربات الموجعة٬ لكانت انتهت في بلاد الشام والعراق. كما أنها تنظيمات تستند إلى مهارة أمنية عسكرية جعلت منها تنظيما إرهابيا دوليا٬ لن يتوانى أولا عن الانتقام من القوات الدفاعية التونسية ومن معاودة المحاولة بأكثر جاهزية.
إننا نميل إلى هذا الطرح الذي إلى جانب توصيفه هذه التنظيمات بالقاتلة والإرهابية والشيطانية٬ فإنه يصف إمكانياتها القتالية بكل واقعية أيضا. ذلك أن أهم ما يساعد على محاربة هذه الكائنات الظلامية المتعطشة للقتل٬ هو تحديد مواطن قوتها قبل ضعفها٬ إذ يتم القضاء على العدو عند التعرف إلى أسباب قوته قبل
مواطن ضعفه.
هناك نقطة أخرى جديرة بالانتباه٬ وهي أن الذين قاموا بعملية بن قردان الأخيرة٬ هم تونسيون مائة في المائة أي أن لهم شبكات من العلاقات وعلى معرفة بالجغرافيا التونسية٬ ويمثل بالنسبة إليهم «حلم» إقامة «إمارة» داعشية مسألة حياة أو موت أكثر من بقية الدواعش الحاملين لجنسيات أخرى. لذلك٬ فإن ما يحصل يحمل بعض خصائص الحرب الأهلية٬ باعتبار أن تونسيين إرهابيين يهاجمون تونسيين مدنيين وتونسيين تابعين لقوات الدفاع والأمن.
زد على ذلك أنه على امتداد السنوات الخمس الأخيرة٬ نجح الإرهابيون في زرع نباتهم الشيطاني٬ ولا يمكن الاستهانة أبدا بتلك الأخبار المتواترة٬ التي تكشف من حين إلى آخر عن اكتشاف مخابئ للأسلحة.
صحيح أن العملية النوعية الأخيرة قد جعلت التونسيين يزدادون تأكدا من أن بلادهم فعلا مستهدفة٬ وأن الخطر بدأ يدنو أكثر من ذي قبل٬ الشيء الذي حرك الغيرة على الوطن٬ وسمح بظهور خطاب إعلامي متوحد حول هدف دعم القوات ومناصرتها في الذود عن الوطن ضد الإرهابيين ومخططاتهم٬ ولكن رغم نوعية أداء القوات التونسية٬ فإن الحرب الحقيقية ضد الإرهاب٬ قد بدأت فعليا والمطلوب هو النفس النوعي الطويل شعبيا وقوات وسياسة٬ وكيفية الاستعداد للجولات القادمة.

كاتب وشاعرة تونسية/”الشرق الأوسط”