الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا: حكومة الوفاق الوطني استحقاق لا بد منه
حكومة الوفاق الوطني

ليبيا: حكومة الوفاق الوطني استحقاق لا بد منه

يسعى بعض الأصدقاء في الحراك السياسي إلى تبصيري بوجهة نظرهم التي تخالف وجهة نظري، الداعمة دائما حكومة الوفاق الوطني، الداعية للمصادقة عليها دون إبطاء ولا إرجاء، لأن هذا الإبطاء يؤدي إلى المزيد من الانهيار الأمني في البلاد، والتردي في الأمور المعيشية لسائر أبناء الشعب، ويصب في سواقي العصابات الإجرامية وأهل الإرهاب، لأنه يطيل عمر الفراغ الذي يستغله داعش وغيره من عصابات لا تعيش فوق الأرض الليبية إلا لأنها أرض بلا دولة ولا حكومة تبسط نفوذها على كامل التراب، بالإضافة إلى وجود هذا الزخم الدولي الراغب في إنقاذ البلاد من أزمتها وإخراجها من الهوة التي وقعت فيها، أمنا واقتصادا وسياسة واجتماعا، ومساعدة الحكومة الجديدة على إنجاح مهمتها، لبدء مسيرة الإصلاح وتأسيس الدولة، وهذا الزخم الدولي، ليس مضمونا، أن يبقى موجودا في حالة فشل الليبيين في التصالح والوصول إلى صيغة للعمل والتعايش مع بعضهم البعض، خاصة وأن العالم يتفجر بالأزمات المرشحة للتفاقم، والتي قد لا تترك مجالا للمجتمع الدولي للمساهمة في معالجة الأزمة الليبية أو الاهتمام بها مستقبلا.
وجهة النظر التي سمعتها من الأصدقاء، وليدة التطورات التي طالت بعض المعطيات على أرض الواقع السياسي والعسكري في البلاد، فهم يقولون إنهم وافقوا، على مضض، على إشراك الحراك السياسي والعسكري الموجود في طرابلس، والموصوم بأنه خارج الشرعية وخارج الاعتراف الدولي، في العملية السياسية التفاوضية التي تقودها البعثة المكلفة من الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، وصولا إلى وفاق وطني، وصلح يعقد بين الأطراف الليبية المتنازعة، باعتبار أن الحراك السياسي الموجود في طرابلس، صار حقيقة من حقائق الحياة السياسية والعسكرية في هذا الجزء من ليبيا، وهو قوة موجودة فوق الأرض لا يمكن التغاضي عنها أو تجاوزها، ولا سبيل إلى تحقيق حل سياسي يخرج البلاد من أزمتها، دون إشراكها في هذا الحل.

إقرأ أيضا: أنباء عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني الليبية

إلا أن هذه القوة المعترف بها فوق الأرض، لا أحد ينكر كما يقولون، إنها قوة سياسية جاءت عن طريق القوة العسكرية، وإنها وصلت إلى العاصمة لا بطريقة ديمقراطية ولا عبر تفويض شعبي، وإنما هي في حقيقتها انقلاب ميليشياوي، تحالفت فيه جماعات مسلحة وتحالفات قبلية جهوية، تحت مظلة الإسلام السياسي، وزحفت على العاصمة، وشنت حربا على الوزارات الموجودة فيها، وطردت الحكومة من هناك، كما شنت هجوما على مطار طرابلس الدولي الذي كان في عهدة ميليشيات تتبع الحكومة وبتفويض منها، وتعمل تحت إشرافها، وقامت بطردها بعد أن خاضت حربا أحرزت فيها النصر عليها، ثم تمركزت هذه القوة في العاصمة، وأبت الاعتراف بمجلس النواب الشرعي، وافتعلت كيانا سياسيا غير شرعي، نصبته بموازاة مجلس النواب، وأنشأت لنفسها حكومة لا أحد يعترف بها أو بشرعيتها، بموازاة الحكومة الشرعية التي اضطرت للعمل من خارج العاصمة، واستولت على مؤسسات وإدارات وبنوك بينها البنك المركزي، وصنعت واقعا يعتمد على منطق القوة وليس على قوة الشرعية الديمقراطية.
هكذا هم يقولون، ويضيفون أن الأفق كان مغلقا ولا سبيل إلى خلق حالة من الانفراج في الأزمة الليبية، إلا عبر الاعتراف بهذا الحراك السياسي الموجود غصبا وقهرا في طرابلس، والتعامل معه بالتجاوز وإنكار طبيعته الميليشياوية الخارجة على الشرعية والقانون، نزولا عند إرادة البعثة الأممية التي تريد حلا للأزمة، ويرون أن ثمة معطيات جديدة تتيح لهم الآن فرصة الانعتاق من مثل هذا الالتزام الذي يربطهم مع حراك سياسي ليس قانونيا ولا شرعيا، وصولا إلى فك الأزمة بأسلوب أكثر ديمقراطية، واستجابة للأصول المرعية في بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تعتمد على التفويض الشعبي وإرادة الناخبين، وهذه المعطيات تتلخص في أن المؤسسة العسكرية الليبية صارت تحقق انتصارات على قوى الإرهاب في بنغازي وهي في سبيلها إلى تحريرها، وتحقق انتصارات على الإرهاب في أجدابيا وهي في سبيلها إلى تحريرها، ولن تجد بعد ذلك صعوبة في أن تتحرك إلى معقل الإرهابيين في سرت، لكي تلتحم من هناك بقوى في مصراتة، صارت الآن تعلن انفصالها عن تحالف طرابلس، وتخرج من مظلة الإسلاميين إلى فضاء العمل الوطني الديمقراطي، ويرون في هذه المعطيات سبيلا إلى تحريرهم من ارتباط لا يدعمه منطق ولا شرعية ولا قانون، ويفتح الطريق في المستقبل إلى إقامة انتخابات تعود فيها الأمور إلى الشعب، ليختار ممثليه، لبرلمان دائم هذه المرة، كخطوة أولى في خارطة طريق يتم فيها الاستفتاء على الدستور، ويتم فيها الاستفتاء على شكل الدولة، وتفعيل مؤسسات الجيش والشرطة والعدل، وانبثاق حكومة، لا عن طريق التوافق، وإنما عن طريق الشعب وممثليه في البرلمان الدائم.
وكان ردي هو أن مثل هذا التفكير، حتى لو كان صائبا، فإنه لن يضمن للبلاد دولة ولا حكومة في وقت قريب، توقف النزيف وتعالج التردي، وأنه حتى لو كان صائبا فإنه لا يعيق الموافقة على وجود حكومة وفاق وطني، توجبها حالات إنسانية لم تعد قابلة للاحتمال، وإحصائيات الأمم المتحدة تؤكد أن احتمالات أن نرى بشرا يموتون جوعا ويموتون لانعدام العلاج ولانعدام المأوى، هي احتمالات واردة، وأن الحالة الاقتصادية لن تسعفها إلا حكومة يتم على الفور تنصيبها لتمارس مهماتها العاجلة في إغاثة الناس وإنقاذ الحالات العاجلة، وتتصدى في نفس الوقت لبناء مؤسسات الدولة.

كاتب ليبي/”العرب”