الرئيسية / وجهات نظر / الاحتجاج الاجتماعي ومخاطر التنقيص من هيبة الدولة
الاحتجاج الاجتماعي

الاحتجاج الاجتماعي ومخاطر التنقيص من هيبة الدولة

أصدر الملك محمد السادس، وفق ما تناقلته الأخبار، تعليمات الى الجهات الأمنية تقضي بتوفير الحماية الأمنية لرئيس الحكومة، إثر الاستفزازات المتكررة التي يتعرض اليها من قبل ناشطين، آخرها ما وقع له بمدينة وجدة، في مواجهة مع افراد غاضبين لم يتبين ما إن كانوا محسوبين حقا على مجموعات الأساتذة الغاضبين الذين يطوفون المدن المغربية للدفاع عن قضيتهم ورفع مطالبهم، كشكل من أشكال الاحتجاج الاجتماعي الذي يكتسي مزيدا من التصعيد والعنف اللفظي؛ أم هي عناصر مدسوسة ودخيلة على الحركة تحترف الفوضى والشغب، لغاية في نفسها.
ليس هنا مجال مناقشة أحقية الطلبة الأساتذة بخصوص مطالبهم، خاصة وقد دخلوا في معركة تأويل نصوص المراسيم مع رئيس وأعضاء الحكومة: رئيس السلطة التنفيذية يقول ان هيبة الدولة تقتضي عدم التراجع عن تشريعات سلكت المسارات الطبيعية ولا يوجد بها ما يسميه الفقهاء “عور قانوني” بينما يرفض الطلبة الأساتذة الامتثال لها ويلحون على إدماجهم في سلك التربية والتعليم، بصرف النظر عن الاستحقاق العلمي والتربوي، ما داموا كما يقولون قد خضعوا لاختبار الانتقاء، وبالتالي باتوا متحررين من أي التزام وقعوا عليه.
وليست هذه المرة الاولى التي يتعرض فيها رئيس الحكومة لسلوكات ينعدم فيها الأدب من محتجين. هتفوا في وجهه بألفاظ اقل ما يقال عنها انها بذيئة مستقاة من قاموس سوقي، إذ كثيرا ما اعترضوا موكبه وقاطعوه وهو يخطب.
ولا يجادل عاقل في مشروعية الاحتجاج والاعتراض على القوانين بل الطعن فيها إذا لزم ألأمر، عبر الآليات التي حددها المشرع، إنما يجب التمييز بين هذا المسلك الحضاري وبين هياج الشارع وصراخ الحناجر، لأن المتضرر في ألأول والأخير ليس شخص رئيس الحكومة، كائنا من كان،وإنما صورة البلد وهيبة الدولة وقانونها الاسمى.
ما يقع اليوم لبنكيران، يمكن ان يتكرر، بعدوانية اشد، مع غيره بل بصورة اكثر تخلفا وعدوانية، ما دام المجتمع وطبقته السياسية ونخبه الفكرية، قد سكتوا جميعهم عن هذا الانزلاق الخطير الذي تتدحرج نحوه سمعة البلاد.سلوك سيطال يوما ما، وقد اصبح نهجا قارا، المحرضين عليه والدافعين له، كونه سلاح العجزة سياسيا وفكريا.
لهو مقلق هذا التيار الفوضوي الصاخب عن حق او باطل؛ يكتسح الميادين والفضاءات العامة، يشحن النفوس ضد الدولة في الفضاء الازرق. إنه سلاح ذو حدين: فمن جهة يدل على حيوية المجتمع وتعطشه الى حرية بدون سقف، لا يعترف بالقيود والموانع و يكسر “التابوهات ” مثلما يدل على شكل متنام من “السيبة “والتمرد على القانون.ولكن الاخطر من الدلالتين انه مؤشر على ضعف وفشل الهياكل والتنظيمات الحزبية في نشر ثقافة سياسية ضابطة ومؤسسة لأشكال الاحتجاج وتعبيرات الحراك المجتمعي.

إقرأ أيضا: بالفيديو: بنكيران يفلت من قبضة الأساتذة المحتجين بوجدة..!!!

لوسعت تلك التنظيمات الى ذلك، لتكون لها جيش منظم من المحتجين،تلقي بهم في المعارك النضالية المشروعة.
إن ما يلاحظ بأسف ان تشكيلات سياسية، تركب موجات الغضب الخارج عن الاصول،تستغله في قضاء مآربها السياسوية الأنية، بعد ان عجزت عن تحقيق ذلك بالوسائل التي حددها لها القانون.
اذا كان مسموحا للاحتجاج العفوي التعبير، وفق اهوائه، وانفعالاته الشبابية باستعمال الالفاظ النابية وغير اللائقة في حق الدولة ومؤسساتها الدستورية ورموزها ؛ فان واجب الاحزاب وهي جزء من المشهد والهرم المؤسساتي، التنديد بتلك الانجرافات وأن تتحول الى عامل تهدئة بدل تأجيج النار.
وما يسمى بقضية الاساتذة المتدربين، كان بالإمكان ايجاد حل توافقي لها، عبر صيغ سياسية وقانونية وتربوية ؛ انطلاقا من قاعدة ان المراسيم لا يجوز تغييرها او تصحيحها الا عبر المساطر والآليات التي سنها المشرع، باستعمال العقل والمنطق وليس الرضوخ لإكراه الحناجير. تلك سابقة خطيرة يجب عدم التساهل بشأنها وغلا سمعنا بمن يطالب بكتابة الدستور في الشارع.
الاقتناع بهذا المسلك السلمي الحضاري، من شانه ان يفضي الى التفكير في اجراءات غير متعارضة كلية مع القانون من قبيل تشكيل لجنة للحوار والتأمل في جوانب الأزمة واقتراح مخرج منها. لجنة تتشكل على سبيل المثال، من ممثلين عن الطلبة الاساتذة والبرلمان وهيئات المجتمع المدني والسلطات التربوية ؛ ولا باس ان يضاف إلى هؤلاء مندوب عن مؤسسة “الوسيط “إذ المفروض أن وظيفتها التدخل لفض النزاعات والإصغاء الى المتظلمين.
بدل ذلك، ترك رئيس الحكومة وحده في مبارزة كلامية مع الطلبة الغاضبين. كلاهما يقسم بأغلظ الايمان انه لن يتراجع.
لا باس هنا، من توجيه ملاحظة مؤدبة لرئيس الحكومة. كان حريا به النأي بنفسه عن الجدل الساخن مكتفيا بتتبع أطوار الخلاف على مستوى الوزارة المعنية، على اعتبار انه يمثل الحياد ويفرض عليه الواجب السياسي والاخلاقي التفكير في بدائل للتهدئة وليس للتصعيد. نعم يجب الاعتراف له ان فتح صدره وابواب بيته أخيرا للمحتجين، لكنه حينما اراد الاصغاء اليهم،كانوا قد قرروا صم آذانهم.
ليست القضية صراعا سياسيا، ليحاول البعض استغلالها لتبييض مقرات حزبهم. هي بالأساس مسالة ضمان شغل وقلق من الطلبة المتدربين على مستقبلهم.هذا حقهم المشروع مثل غيرهم طالما عبروا عنه بالوسائل السلمية وليس تركيع الدولة.
هنا مكمن الخلاف معهم في التعبير عن الضرر الذي يحسونه.وفي هذا السياق فالتوقف عن الدراسة لا يليق بمن يدعون أنهم “أساتذة الغد”.
بإمكانهم التفنن في الإعراب عن تظلماتهم بوسائل أكثر نجاعة وأقناعا دون الانقطاع الكلي عن الدراسة، والتفرغ لرصد تحركات رئيس الحكومة أثناء تظاهرات ليمطرونه بألفاظ معيبة ومنعه من الكلام واقتحام منصة الخطابة.
لا يليق بسلوك مثل هذا ان يصدر عن أنا س سيتولون تربية الناشئة وتلقينهم فضائل الحوار والاستماع للرأي المخالف.
من حقنا بل من واجبنا ان تكون لنا مآخذ على الدولة ورأي في سياساتها وكيفية ادائها بل الاحتجاج على شططها في بعض الاحيان ؛ لكن المواطنة الحق والسلوك المتمدن، يلزمنا بتقويم الاعوجاج بالاعتراض المهذب وليس بالعمل على تقويض اركانها والنيل من هبتها.ومن هنا فإن التفاتة ملك البلاد نحو رئيس الحكومة لهي قمة الرقي السياسي.
الدولة ليست مجسدة في شخص ولا ينبغي أن تكون كذلك، مثلما انها ليست سلطة قامعة بامتياز؛ هي وعاء رمزي يستوعبنا جميعا بمشاربنا وانتماءاتنا وأعراقنا. اذا لم نتصالح معها ونعمل على تطويرها والحد من تغولها؛ فسنفتقد الملاذ الذي يحمينا من الفوضى ووقايتنا من عواصف “السيبة ” الهوجاء.