الرئيسية / وجهات نظر / “عشرين فبراير” ما تبقى لها ومنها
عشرين فبراير

“عشرين فبراير” ما تبقى لها ومنها

مرت الذكرى الخامسة لخرجة “عشرين فبراير” هادئة. لم يكلف “الفبراريون” أنفسهم عناء الخروج جماعات للتجمهر في ساحات وميادين اضحت أطلالا تهيج الدموع في المآقي وتبعث الحسرة في القلوب والنفوس.
وعلى طول المسافة الزمنية الفاصلة عن “الأحداث” التي تحمس لها في حينها كثيرون، لدرجة أنهم رفعوا “السَّوْرَة” الشبابية إلى مراتب الثورات الكبرى التي هزت العالم؛ فالملاحظ ان المغاربة يجهلون، بعد مضي خمس سنوات، القليل والكثير من المعلومات والتفاصيل والملابسات عن الحركة التي صفقوا لها إعجابا، إذ رأوا فيها باعثا للأمل في التغيير السلمي وتجاوزا لهياكل طبقة سياسية صدئة، لم تعرف كيف تتعامل مع العهد الجديد، مثلما فشلت في انتزاع المكاسب من العهد القديم.
لم تكتب دراسات ولم تنجز تحقيقات ميدانية، تضع الحركة في المكان الصحيح الذي تستحقه، ضمن سياق الاحتجاج السياسي في العالم العربي. ما هي طبيعة القوى التي حركتها وظلت ممسكة بمهماز التحكم فيها إلى أخر لحظات غروبها؟ما نوع التأثير وحجمه الذي مارسته عليها أجواء الربيع العربي؟ من هم أقطابها وأين ذهبوا؟ كيف تدرجت علاقاتهم مع الأحزاب وخاصة مع الإسلاميين؟
ما زالت “عشرين فبراير” في جزء منها لغزا بسيطا، محيرا إلى حد ما؛ اتفق المؤيدون والمنتقدون على تركه محاطا بألوان من الإبهام والغموض، لدرجة التماهي في أذهان البعض مع الأسطورة،تطبيقا للمثل القائل: إن عرف السبب بطل العجب.
ومن جهتها، لم تمارس الحركة نقدا ذاتيا، تشرح فيه أسباب إخفاقها، مثلما لم تترك دلائل فكرية على هويتها. لم تتعب نفسها او لم يسعفها الوقت لتدوين أدبيات تتسم باجتهاد نظري يبين مرتكزاتها؛ أو حاولت القيام بتحليل للمجتمع المغربي لتحديد معيقات التحديث السياسي وعوامل انكسار الثورة المغدورة.
وباستثناء تصريحات متفرقة ولقاءات صحفية محدودة ودردشات عابرة مع منابر إعلامية؛ فإن المراجع لظاهرة “عشرين فبراير” يصدمه فراغ وعائها النظري وعفوية شعاراتها؛ ما يجعل أي محلل يرجع خفوتها السريع إلى غياب وضبابية مرجعية فكرية متسقة وافتقاد رؤية استراتيجية مؤطرة للحراك السياسي الذي خاضته؛ وما يقتضي كل ذلك من تحليل دقيق للمرحلة وللتحالفات الممكنة، إلى جانب إدراك واع لميزان القوى الفاعلة في المجتمع.
ونتيجة لغيابكل ذلك، سهل ابتلاع الحركة من طرف أفواه جائعة، وقوى أكبر منها عددا وعدة وأحسن تنظيما وأكثر خبرة، ارتبطت بها الحركة في إطار الضرورة وحشد الأنصار؛ما ساهم في غياب صوتها بعد فترة وجيزة وضياعه بين صيحات مزمجرة.
هكذا صعب على الرأي العام التمييز بينها وبين تنظيمات وتشكيلات متشددة يمينا ويسارا، زادت المشهد خلطا وفوضى. وحينما حاولت الحركة الاحتماء وراء استقلاليتها المتوهمة وإشهار أجندتها المميزة لها، سحب عنها غطاء الحلفاء فظهرت عارية وعلى حقيقتها.
إن مصير “عشرين فبراير” لا يختلف في كثيرعن ذلك الذي آلت إليه تشكيلات الحراك في الوطن العربي. فتلك لم تفشل فقط بل أدخلت بلدانا في نفق المجهول وتحول الحراك فيها إلى معرقلللإصلاحات ومعطل للمسار الديموقراطي الطبيعي ،بل يمكن القولإنها أعادت عقارب ساعة التغيير إلى الوراء وفسحت المجال أمام القوى المحافظة المحلية والإقليمية فاستغلت فرصة الفوران الشعبي وقضت مآربها على عجل ثم تركت “الحراك” في مواجهة الأقدار.

إقرأ أيضا: “عشرين فبراير”.. حكاية وهم!!!

هل يجوز توجيه اللومولمن بخصوص ما انتهت إليه عشرين فبراير؟ إلى عفوية الحراك وقلة تجربة المحرضين عليهبل عذريتهم السياسية ؟ أم إلى عنف رد فعل السلطات وانتهازية القوى التي راهن عليها “الغاضبون الحالمون” فخذلتهم بعدما سرقت منه أهم الأوراق التي كانت بحوزتهم؟
أكيد أن الرومانسية السياسية لها عمر افتراضي محدود في سائر المجتمعات، سرعان ما ينتهي بمثل سرعة انطلاقه فلا تبقى منها في المخيال الشعبي سوى ذكرى لذيذة
وإذا ما أجريت مقارنة هادئة بين الفعل ونتائجه ، فإن تجربة الحراك المغربي هي الأكثر نجاحا والأقل خسارة، قياسا لنظيراتها في بلدان من المشرق والمغرب العربي، تلك التي انتهت تجاربها إلى كابوس ثقيل ما يزال جاثماعلى الصدور. حافظتالنسخة “المغربية” إجمالا على طابعها السلمي ووقف الشباب الغاضبسدا في لحظات حرجة في وجه المغامرين والفوضويين من حاولوا جر الحركة إلى هاوية الفوضى والانزلاق نحو الأفق المسدود.
ولا ريب في أن غضب “الفبراريين” أوجد مشهدا ومناخا سياسيا لم يخطر ببال مطلقيه .كان وضعا جديدا فاجأ فاعلين بمن فيهم أولئك الذين بالغوا في الإعلاء من قدر الحركة وتحميلها ما لا طاقة لها به.
فما الذي حصل بالضبط يوم التاسع مارس، ليلهم عاهل البلاد ذلك الخطاب التاريخي، ويقطع بحزم قول كل خطيب، بتعبير المثل العربي؟
أكيد أن حزمة الإصلاحات غير المسبوقة التي أعلنها الملك محمد السادس، في ذلك اليوم الأغر، لم تكن حيلة سياسية أو مجرد انحناء للعاصفة ريثا تمر. لو كان الأمر كذلك لأعطاها بالتقسيط والتفاوض . كانت “ضربة معلم” اقتنصت اللحظة التاريخية المواتية، وأصغت إلى رغبة عميقة في الإصلاح، فمضى به الملك إلى أبعد مدى ممكن، علما أن تباشيره الأولى ظهرت منذ بداية العهد الجديد.
التقت إرادة عاهل البلاد مع انتظارات الفاعلين السياسيين باختلاف أطيافهم ومشاربهم ودرجة حضورهم وتجذرهم في المجتمع . خرج من الزخم الكبير ذلك المولود الطبيعي المكتمل الذي سيسمى دستور 2011، مدشنا عهد ملكية دستورية قريبة من البرلمانية التي طاب بها المتظاهرون دون استيعاب تام لطبيعتها وتداعياتها.
تنازل الملك بطواعية عن الكثير من صلاحياته لصالح تقوية السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأمكن إرساء بنيان الحكم على أسس جديدة.
كيف كانت ستكون الصورة لو أبطأ الملك في الاستجابة للتطلعات التي أخرجتها “عشرين فبراير” من ضمير الشعب الى الشوارع والساحات وبلورتها في شعارات بسيطة من قبيل الكرامة؟
ما ذا تبقى من الحركة إذنوهل حقا أنها شكلت لحظة فارقة في مسار النضال الديموقراطي في المغرب؟ اي تراث خلفته قابل للتطوير واستثماره في معارك المستقبل؟
لا يصح تبخيس القيمة الرمزية للحركة، وإنما الاعتراف لها بفضيلة تحريك السواكن في المجتمع . أرغمت الأحزاب التقليدية، يمينها ويسارها، على السير وراء حشودها.
وتقتضي الموضوعية والتعاطي المنطقي مع ما حدث، أن تكف بعض الكتابات المتعجلة عن المبالغات في إضفاء المدائح المنافقة على عشرين فبراير. ذلك يلحق ضررا بليغا بصورتها؛ إذ ليس من حق أحد ادعاء ملكيتها، فهي نتاج تراكمات نضالية جماهيرية، تكمن قيمتها التاريخية في أنها أتت واختفت بسرعة البرق مثل حلم جميل. وهذا بالضبط ما تبقى منها وبقي لنا.