الرئيسية / وجهات نظر / الحدود المفتوحة لديمقراطية تونس
21ea710723eeea511e81a2f196e8f87e

الحدود المفتوحة لديمقراطية تونس

من برلين عاد رئيس الحكومة التونسية ليكرر من جديد نفس تصريحاته آواخر ابريل/ نيسان الماضي في زيارته الرسمية الاولى لباريس. نحن لم نأت طلبا للمساعدات، بل جئنا فقط لعقد شراكة وتعاون. قالها جمعة في الاولى ثم رددها بعد ذلك بوضوح وحماس في الثانية، امام مضيفيه وهم كبار الشركاء الاقتصاديين لتونس واكثرهم تأثيرا واهتماما بما يدور داخلها من احداث وتقلبات.
نبرة الثقة بالنفس وبإمكانات البلد وقدراته لم تمنع المسؤول التونسي، وهو يستعد لتوقيع اكثر من اتفاقية مع الالمان، من ان يعلن ان الغاية الاولى للزيارة، وكما صرح بذلك لوكالة الانباء الالمانية قبيل وصوله لبرلين، هي «طلب مساعدة الالمان في تأمين الحدود اعتمادا على خبرتهم في هذا المجال وفي العمل الاستخباراتي…». أما الحكومة الالمانية فقد ابدت بدورها ترحيبا وقبولا لافتا للطلب، ولم تجد المستشارة الالمانية انجيلا ميركل حرجا من التصريح خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع ضيفها التونسي بانه «يجب مساعدة تونس على حماية حدودها، خاصة ان مليوني لاجئ ليبي يقيمون فيها». شكل المساعدة المطلوبة وفقا لما تؤكده السلطات التونسية سوف يكون لوجستيا بالاساس، اي بتقديم معدات واجهزة تسمح للجيش وقوى الامن بمراقبة الحدود بطريقة افضل. لكن المفارقة الغريبة والجديرة بالتأمل التي تعكس الى حد كبير نفاق غرب يقف مع الديمقراطية ويناصرها الى الحد الذي تخدم فيه فقط مصالحه لا غير، هي ان برلين تواجه منذ ايام ضغوطا متزايدة من حليفتها الاوروبية ايطاليا بوجه خاص، حتى تعينها بالسيولة النقدية اللازمة لتواجه ما تصفه بالغزو البشري القادم من الضفة الجنوبية للمتوسط، من خلال قوارب الهجرة السرية التي تنشط بكثافة مع استقرار العوامل المناخية في هذا الوقت من كل عام. وما تطلبه روما من الالمان ودول الشمال الاوروبي الاكثر ثراء هو ان يتحملوا معها الاعباء الامنية والمالية لتلك الهجرة، بتقديم الدعم اللازم لقواتها البحرية للتصدي لتلك القوارب القادمة في جزء كبير منها من تونس، اي من نفس ذلك البلد الذي يعد الالمان الان بدعمه لتأمين حدوده من اختراق محتمل ووشيك للارهابيين. هل تمنح برلين الثرية اذن حليفها الاوروبي المال المطلوب لمواجهة الفارين من ديمقراطية غضة وطرية العود في تونس، أم تعطيها في المقابل لبلد آخر يحاول التأسيس لتجربة فريدة في محيطه العربي، ويواجه مخاوف حقيقية لتسرب الارهاب اليه من خارج الحدود، بهدف الاجهاز على التجربة قبل اكتمال اخر حلقاتها، مع الاجراء المفترض للانتخابات آواخر هذا العام، أم تسعى للبحث عن حل وسط لكسب ود الاثنين وارضائهما معا؟
انتعاش الاقتصاد الالماني امام ركود ملحوظ يسود معظم ارجاء القارة العجوز يمنح ادوارا متقدمة لبرلين في التأثير على السياسات والتوجهات الاوروبية، ويسمح لها ايضا بقدر معقول في منافسة كبار اللاعبين التقليديين بالمنطقة والفرنسيين منهم بوجه خاص. التنافس التقليدي المعروف بين باريس وبرلين وحالة البرود والجفاء التي تطبع علاقة البلدين الان، تنعكس كلها على طبيعة وحدود تلك الادوار، رغم الحرص الالماني الواضح في عدم اختراق مناطق النفوذ الفرنسي في الشمال الافريقي، بشكل قد يحدث ازعاجا او ارباكا للروابط العضوية والتاريخية لباريس بمستعمراتها السابقة. ما يدركه العملاقان الاوروبيان ان الدخول في عملية لي ذراع او صدام عنيف ومباشر داخل تونس او من اجل الفوز بها لا يخدم مصالح اي طرف منهما بقدر ما يسبب انهاكا لقدرتهما معا على التأثير في مسار الاحداث. مثل ذلك الادراك كان واحدا من اسباب الوصول للتوافقات الصعبة بين فرقاء الساحة السياسية التونسية، أواخر العام الماضي، التي قادت نحو الانفراج المعروف بالمصادقة على الدستور واختيار حكومة تكنوقراط وانتخاب هيئة مستقلة للانتخابات. ميل برلين نحو حركة النهضة الاسلامية مقابل التصلب وروح العداء والريبة التي ابدتها تجاههم باريس سمح بنوع من التوازن عجل في ما بعد بقبول الخصوم لخيار الجلوس الى طاولة واحدة والبحث عن توافقات لانهاء المرحلة الانتقالية بسلام. في الخطوات المتبقية لاستكمال آخر حلقات مسلسل الانتقال الديمقراطي لا تغيب بصمات البلدين، فباريس تحاول من جانبها استمالة الاسلاميين وتخفيف لهجتها الحادة ومواقفها المتصلبة من فوزهم في انتخابات 2011، وهي ترعى من وراء الستار تقاسما محتملا للسلطة بعد الانتخابات المقبلة، وبرلين ترسل الاشارة تلو الاخرى على انها الظهير والسند المالي لتلك التجربة الفريدة في محيط مشحون بالاضطرابات والهزات. وكما لا تستقيم الديمقراطية وفقا لما يتصوره الكثير من الاوروبيين متى كان معدلات الاجور الشهرية للافراد تحت الالف وخمسمئة يورو، فانه لا يمكن ان يشتد عودها في اقتصاد ضعيف ورخو ومكبل بقيود تبعية تكاد ترقى لعبودية مقيتة لنزوات السادة البيض في اوروبا. هؤلاء السادة يؤكدون في كل مرة دعمهم الواسع واللامحدود لتونس، واخرهم رئيس المفوضية الاوروبية خوزيه امانويل باروزو، عندما اغتنم فرصة قدوم رئيس الحكومة الى مقر المفوضية ببروكسل بعد زيارته برلين ليعلن امام الصحافيين بكل فخر ان تونس ستكون اول بلد من دول الجنوب يستفيد من دعم الاتحاد الاوروبي، ومن برنامج خاص للتمويلات اطلق عليه اسم «أمبال». القروض والمساعدات رغم اختلاف الاسماء والظروف تظل تدور داخل نفس الحلقة الجهنمية وتكبل الديمقراطية الوليدة بنفس القدر الذي كانت تربط فيه الاستبداد وتدفعه للتسليم بسلطانها ونفوذها. وما تواجهه التجربة التونسية ليس مجرد تحد لفك الارتباط بذلك المدار الاستعماري والخروج عن سطوته وجبروته، فالحدود المفتوحة للبلاد امام المجهول الذي يسمى مرات ارهابا لـ»القاعدة» ومرات اخرى للسلفية، وهذه الايام لداعش، تجعل المتربصين في الخارج لاخماد الاستثناء التونسي اكثر عدة وعتادا من الداعمين والمساندين له ولو بالمال مثلما تفعل برلين. اما الاحساس الذي يزداد اتساعا بمرور الايام فهو ان مشكل الحدود لم يعد لوجستيا فقط، بل موجها ومفتعلا في جزء من قوى الاقليم وفي جزء اخر من دوائر السيطرة والقرار العالمي حتى لا تخرج البلاد من تحت السيطرة المفروضة.
تحكم اوروبا الديمقراطية اذن اغلاق حدودها بشراسة وقسوة في وجه الجميع، وتفتح تونس في المقابل حدودها قسرا وعنوة للعدو قبل الصديق، ثم يهرع الديمقراطيون لنجدتها من ارهاب صنع في مخابرهم وتحت اشرافهم ورعايتهم. تلك حكمة الديمقراطية الغربية الجديدة وذلك اكبر التحديات التي تواجه بلدا صغيرا مثل تونس كي يصنع النجاح الذي لا ينتظره للأسف الا القلة القليلة من ابناء هذا الكوكب من البسطاء والصادقين بالطبع.
“القدس العربي”