الرئيسية / وجهات نظر / داعش أو الياسمين
6e932c2bd184c7ea3bc9a63aedff8704

داعش أو الياسمين

أسدل الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز الستار على آخر فصول انتخابات رئاسية عدّة في المنطقة العربية المضطربة والمتطلعة للتغيير.
انتخابات كرّست الأمر الواقع وسارت عكس الطبيعة وأحدثت تماما عكس ما كانت تتطلع إليه شعوب المنطقة.
بدأ الموسم مع الجزائر وفوز عبد العزيز بوتفليقة بولاية رابعة سيكملها منهكا ومن على كرسي متحرك. واستمر مع مصر ليفوز عبد الفتاح السيسي بانتخابات لم تفعل غير تكريسه رئيسا علنيا بعد أن كان رئيسا من وراء الستار. ثم سوريا وولاية جديدة للرئيس بشار الأسد سيقضيها على أنقاض ما تبقى من هذا البلد الجميل، فالعراق وفوز نوري المالكي كي يواصل مسيرته المظفرة نحو تشتيت بلد بات سكانه يـُعرّفون بطوائفهم وعرقياتهم قبل وطنهم.
في جميع الحالات السالفة الذكر ترشح الرئيس الموجود ليشرعن استمراره في الحكم وينال تزكية شعبية تضمن له ذلك، فلم ينهزم أيّ رئيس مرشح. بل لم يكن وارداً أن ينهزم أيٌّ منهم. ولم يجد أحد منهم منافساً انتخابيا وسياسيا جاداً. جميعهم سعوا إلى إيجاد منافسين يزينون بهم العرس الانتخابي فقط لإعطاء الانطباع بوجود تعددية ومنافسة، ويضمنون بهم نسبة إقبال محترمة تجعل الرئيس المرشح يفوز بعدد من الأصوات يـُسكت خصومه ويجلب له قليلا من الاحترام بين أقرانه إقليميا ودوليا.
لن تصمد كثيراً مقولة أن هذه الشعوب المتطلعة للتغيير هي من صوّت لاستمرارية الأمر الواقع. ذلك أن الانتخابات عند أمة العرب لا تجري في سياقات طبيعية. هي دائما مصحوبة بوضع استثنائي أو حجة تجعل منها استثنائية. والتزوير فيها، وإن غاب تقنيا، فهو عملية معقدة مخطط لها وممتدة في الزمن. هل ينتظر عاقل من إنسان سوري داخل سوريا ان يصوّت لغير بشار الاسد؟ ثم، حتى لو أراد ذلك فلمن كان سيصوّت؟ وهل ينتظر عاقل من جزائري داخل الجزائر ضحية حملة إعلامية شرسة قادتها آلة دعائية خيّرته بين أن يصوّت لبوتفليقة أو يـُطحن في حرب أهلية تبدأ في فجر اليوم القادم، أن يصوّت لغير بوتفليقة؟. وهل ينتظر عاقل من مصري لا يجد رغيف خبز وتستلمه آلة دعائية لا تتورع عن قول إن باراك أوباما «إخوان»، أن يصوّت لغير السيسي؟
هناك درس مهم يمكن استخلاصه من الانتخابات التي جرت وحتى التي ستجرى في المدى المنظور: التغيير المنشود، ليس غداً. بقدر ما تتطلع شعوب المنطقة إلى المستقبل والتغيير، بقدر ما تنظر نخب الحكم إلى الماضي وتتمسك بالموجود.
كل ما حدث في الدول العربية منذ ثلاث سنوات من ثورات سلمية ودموية، وحتى قبلها، لا يبدو أنها تركت أدنى صدى أو أثر لدى النخب الحاكمة. لا علّمتهم ولا أقنعتهم ولا ردعتهم أو أخافتهم. العكس هو الصحيح، تبدو هذه النخب وكأنها، مع ما حدث منذ 2011، ازدادت تمسكا بالحكم، وسعت بعضها للعودة إليه مثل ما حدث في مصر.
إذا كان هناك من يثني على الانتخابات في الدول المذكورة باعتبارها جنّبت البلدان الانزلاق نحو المجهول، كما تروّج الدوائر الحاكمة والمقربة منها، فلا بد أن يكون هناك من يجب أن يرثي هذه الانتخابات وما جلبته أو كرّسته. فقراءة أعمق في هذه الانتخابات، وبعيداً عن النتائج المباشرة، تكشف عن عمق الهوة التي نزلت إليها المجتمعات العربية حتى أصابها اليأس فأمست عاجزة عن الإيمان بحقها في التغيير قبل حقها في ممارسته. أمست بلا معارضة مستعدة للتضحية، وبلا مجتمعات مدنية قادرة على الصمود، وبلا معالم سياسية غير الحكومات الموجودة التي لا يحتاج عجزها الفادح، في كل المجالات، إلى أن يُذكر.
تقع المسؤولية الكاملة على أنظمة الحكم التي عملت جاهدة على إبقاء المجتمعات والمعارضات هزيلة وتابعة لها وبلا مصداقية، وعملت أيضا على صناعة الفراغ من حولها وتغييب البدائل الممكنة، أفرادا كانوا أم مجموعات أو أفكاراً.
يستمر الواقع الموجود، مظلما محبطا ومخيفا، على الرغم من انتهاء العمر الافتراضي لمنظومات الحكم في الدولة الوطنية التي تشكلت بعد الاستقلال قبل ستين وسبعين سنة، كأي كائن حي يقترب شيئا فشيئا من نهايته.
ولكن، على الرغم من السواد الذي يلف المنطقة، لن تتخلى الشعوب بسهولة عن حلم التغيير حتى وإن أخفته أو تراجع لبعض الوقت، فهو غريزي لا يموت إلا مع صاحبه. وسيجري التعبير عن هذا الحلم بشتى الطرق.. «طريقة الياسمين» في تونس أو «طريقة داعش» في العراق والشام. كلها طرق تلتقي عند رفض الواقع الموجود بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع بعضها.
ما لدينا الآن وصفة لمزيد من الاضطرابات والاقتتال وتحطيم الإنسان والأرض، لأن الانتخابات التي جرت في أكثر من بلد خلال الشهور الثلاثة أو الأربعة الماضية أجّلت الانفجار ولم تلغه. أزاحت الحلم ولم تقتله.
“القدس العربي”